اليمن الحر الأخباري

احتمالات انتهاء الحرب وولادة اسرائيل الثالثة!

 

د. هاني الروسان*
سوف لن نحتاج الى كثير من الوقت قبل ان تعلن هذه الجولة من الحرب المرة عن نهايتها، وفي اعقاب ذلك ستشتد خلافاتنا حول توصيف نهاياتها هذه فيما اذا كانت خطوة الى الامام ام انها كانت الى الوراء؟ وكعادتنا سننشغل بالماضي، ليس بالقدر الذي تتطلبه ضرورات استخلاص الدروس والعبر، بل بالقدر الذي يفرضه علينا عجزنا في مواجهة تحديات المستقبل، التي لن تتوفر لنا القدرة عليها دون فهم الواقع الجديد الذي تمخض عن هذه الحرب الوحشية ضد الشعبين الفلسطيني واللبناني.

ذلك لان العقل العربي صارم في انضباطه لاليات ومنهجيات انتاج نفس عوامل واسباب الفشل، وعدم القدرة على ملاحظة اثر المتغيرات في انتاج واقع جديد، كما شديد الاصرار على انكار ذلك والبقاء في ساحات الماضي وميادينه مهما كانت الحاجة ملحة لاهمية النظر في نتائج الواقع الراهن، كما يحدث اليوم امام افرازات هذه الحرب التدميرية، اذ لو لاحت بوادر عكس ذلك لما استمرت دول المنطقة في الابقاء على سياساتها كما هي رغم ما يشكل ذلك من مخاطر جادة على وجودها.

صحيح ان هذه الحرب لم تبلور بعد كل نتائجها، غير ان ذلك لا يمنع من ملاحظة السياق الذي تدحرجت في اتونه والتسق التصاعدي لنمو قدرات تأثير بعض عناصرها على البعض الاخر، الى النحو الذي تجوز معه اعتبارها حرب الولادة الثالثة لدولة اسرائيل الاخذة بالانقلاب النهائي على اسرائيل الوسيطة التي كانت هزيمة السادس من حزيران / جوان عام 1967 بداية ارهاصاتها حيث اخذت تدريحيا بخلع ردائها اليساري تسبيا -ان صح التعبير – وارتداء جلباب اليمن الحامل بطياته لاراء وافكار مؤسسه جابونتيسكي الاب الروحي لنتنياهو كما يرى ذلك إرن كابلان رئيس قسم الدراسات الإسرائيلية في جامعة سان فرانسيسكو في بحث له بعنوان “لمحة عن الأيديولوجية التي توجه نتنياهو” ويؤكدها نهجه في ادارة الصراع ليس فقط مع الجانب الفلسطيني بل في كل علاقات اسرائيل الدولية.

اسرائيل الوسيطة او بصورة ادق اسرائيل الثانية التي ارسى قواعدها مناحم بيغن اثر الفوز الساحق الذي حققه حزب الليكود في انتخابات عام 1977 وكان نقطة تحول كبرى في التاريخ السياسي للدولة، حيث كانت المرة الأولى التي يخسر فيها اليسار الاسرائيلي السلطة بعد نحو ثلاثين عاما من السيطرة المطلقة، احالت الى بداية سيطرة معسكر وحدة الارض على حساب نقاء الدولة، والانتقال بفلسطين من مكان لدولة لليهود الى دولة يهودية “شرعنها” قانون 18يوليو/ جويلية للعام 2018 حيث أقر الكنيست الإسرائيلي بموافقة 62 عضوا قانون “الدولة القومية” الذي يعتبر”إسرائيل هي الوطن التاريخي للشعب اليهودي” وأن حق تقرير المصير فيها “يخص الشعب اليهودي فقط، هذه اسرائيل الثانية التي وسعت من نطاق الاستيطان الصهيوني في الاراضي الفلسطينية، ووضعت كل العراقيل التي من شأنها ان تخلق امرا واقعا يقضي على فرص حل الدولتين، تنتقل اليوم للولادة الثالثة، والتي ستكون هذه المرة ولادة عسيرة وربما خطيرة لانها ستكون التجاوز الاول لحالة الاجماع التاريخي لمكونات الدولة في مواجهة الشعب الفلسطيني، لتطال تركيبها بكل اجهزتها، نحو اسرائيل اليمين الديني المتطرف الذي يقتضي مراجعة بنية الدولة وفكرها ومؤسساتها وتاليا سياساتها.

وفي سياق النقاش المحتدم اليوم بين ابرز ممثلي دولة اسرلئيل الثانية حول المخاطر الجدية المحدقة بالدولة والناجمة عن رفض نتنياهو وممثلي الولادة الثالثة لاسرائيل من اليمين الديني المتطرف حول ضرورة عدم اضاعة ما يسمونها بلحظة الذروة التكتيكية التي حققها الجيش في كل من قطاع غزة وعلى الجبهة الشمالية للتوصل الى اتفاق لوقف الحرب، يجملَ تامير باردو رئيس الموساد السابق الأزمة الاسرائيلية بقوله للقناة 12 بإن “الجيش ينتصر في كل المعارك الميدانية بينما تخسر دولة اسرائيل الحرب”، وقد ألقى باردو كامل المسؤولية على نتنياهو بأنه اسير عقيدته القائمة على بقاء حكومته، وعلي ووفقا لباردو، فهو غير معني باستعادة الاسرى والمحتجزين.

اما يسرائيل حسون نائب رئيس جهاز الامن الداخلي “الشاباك” سابقا فقد اكد في معرض تعليقه على خطاب رئيس الحكومة الاسرائيلية في اعقاب اتساع نطاق الصخب حول تسريب الوثائق المتعلقة بالأسرى، على وجود خطر حقيقي داهم خلال اشهر قليلة ان لم يكن اسابيع على كل طبيعة الحكم في اسرائيل وهو اكثر خطرا من ايران وحزب الله وحماس على حد وصفه، في اشارة لمحاولات نتنياهو وحكومته لتفكيك كل منظومات الدولة عبر عملية تحريض مباشرة ونزع شرعية كل من رئيس الشاباك وقائد الاركان والنيابة العامة واتهامه لقادة المؤسسة الامنية بالخيانة وبأنها تسعى لإقصائه. كما يقدّر حسون وباردو بأن رئيس الحكومة مصمم على تفكيك منظومة الدولة بكاملها لصالح بقائه في الحكم.

وعلى نفس الصعيد واذ ترى اوساط سياسية واعلامية اسرائيلية وعربية عودة الصراعات الاسرائيلية الداخلية الى الواجهة من جديد الى الواجهة الان ، رغم انها لم تغب طوال الحرب، الا انها حاليا تنتقل الى خطة الحسم السياسي. وهي تشمل المساعي الحكومية لإحداث انقلاب كامل في هوية الجيش وقيادته وفي هوية قيادة الشاباك وفي الجهاز القضائي وتغيير بنيوي جوهري للرقابة القضائية على نشاط الحكومة والكنيست، مع امكانية كبيرة لشطب الاحزاب العربية في الداخل ومنعها جميعها او جزء منها من المشاركة في انتخابات الكنيست، لضمان كتلة متسيّدة من أقصى اليمين، استعدادا للانتقال باسرلئيل نحو ولادتها الثالثة، اسرائيل الكبرى التي تراهن على ادارة ترامب القادمة والمتغيرات المتوقعة في السياسة الامريكية.

*استاذ الاعلام في جامعة منوبة

Exit mobile version