خالــد شـحام*
إليكم المشهد كما هو :
سوريا القلعة المطلة وحارسة نصر الأمة يعود إليها تشارلز أو غورو متنكرا بعباءة عربية إسلامية ، بغدادُ هرب بها حصانُ التاريخ الجريح ولم نعثر عليه حتى اليوم ، غزة معقل البطولة تتعرض للضربات المميتة كل يوم ، قوى المقاومة تخوض معركة الواحد مقابل الألف ونفذت ذخيرتها وحلفاؤها ، كل شيء في دمار وحصار حتى الاستسلام ، لبنان ، حزب الله يتعرض للحصار والتكبيل بحبل من السياسة وحبل من مسـد وآخر من قسد ، ايران تُطارد في كل مكان وتحبك كل خيوط السنارة لإيقاعها بمهارة في الشرك ودمها مطلوب بين قبائل البدو وقبائل العدو ، اليمن قصي و مصر في خبر كان والباقي في حلبة الرهان .
هذا ما كان يدور في مخيلة رئيس وزراء العدو بالأمس وهو يطل على قمة جبل الشيخ بصحبة وزير السحر الأسود ، فيما تتساقط ندف الثلج الأبيض على الجبل الحزين ، و حَرَسُ خرائط الاستعمار الفاشلون في السياسة والتاريخ يهتفون من أسفل الجبل : لبيك يا عطا الله ! ، لا شك أن نتانياهو كان يفكر قائلا : أين أنت يا ديفيد بن غوريون لأريك كيف حققت لك حلمك ودمرت بغداد وسرقت القاهرة وحرقت دمشق ! انظر لي يا ديفيد كيف أصبحت الآمر الناهي في المنطقة ، انظر كيف أصبحت والي العرب وصانع العجب ، لا يشق عصا طاعتي أحدٌ ولا سبب !
قبل بضعة شهور كان الكيان الصهيوني يتلقى ضربات مؤلمة من أربعة محاور فتاكة وبدأت مناعة وسطوة هــذا التكوين تنكمش على ذاتها وتتفكك وتعاني من هلوسات ما قبل الانفجار الداخلي ، اليوم وبقدرة قادر لم تعد تل أبيب تتلقى أية ضربات ولم يعد شعب المجرمين يبيت في الملاجىء ، ثم يصعد نتانياهو ليتفقد الغنائم الجديدة والفتوحات الجديدة من أرض الجولان الجريحة .
ما حدث في سوريا يترك الحليم حيرانا ، ويضع العربي في دائرة التطاحن مع الذات والافتراس بين فكي الملزمة ، في سوريا لا يمكننا إلا أن ننحاز إلى الشعب السوري وفرحته بكسره القيود وتحريره من طوقٍ لا نظير له في الجبروت والقمع والذي يعيدنا إلى مراجعة كامل ملف هذا النظام ، وفي الشق الثاني من الحيرة نشاهد بأم أعيننا فتوحات الجيش العبري وهو يدمر ويقصف ويبتلع شريطا واسعا من الأرض السورية واللبنانية ويطوق الخارطة العربية التي قُدمت له على طبق من فضة وتأييد وغطاء غربي كامل ، وفي شق آخر من الحيرة نتفكر كثيرا فيما يُضمَر لتقسيم الأرض السورية بين الشركاء المستترين الذين دفعوا بقوات (طالبان السورية) مقابل الأثمان الفادحة من مصير سوريا ، ونتساءل أيضا ما الذي يخطط له أولئك بمصير قوات طالبان هذه بعد انتهاء دورها ونفاذ الدور المطلوب منهــا .
أحدثكم برثائية أمةٍ منكوبة بأنظمة وقيادات تسوم شعوبها سوء العذاب وتطيح بكل بارقة أمل وتسرق مستقبل الأجيال ، أمة منكوبة بأسماء وعائلات لا يمثلون إلا أسوارا بناها المستعمر القديم لحراسة المنطقة ووكلها إلى أقليات شاذة الروح والنفس تعبد ديانات يهودية أو عقائد مشوهة تمتلك من الحقد والكره على العرب والمسلمين ما لا يمكن تصوره أو استعقاله وتتغطى بشعارات قومية أو دينية أو تتسلسل في وراثة القداسة عبر تاريخ الجينات الملوثة المعلونة ، هذه الأنظمة لا تختلف عن ممثلي السينما أو الأفلام ، بعضهم يظهر بهئية بطل خارق ، وبعضهم يلعب دور قديس موكول عن الله على الأرض ، وبعضهم يلعب دور وارث للتاريخ والمجد ، وبعضهم يمثل دور آلهة محبة وسلام ، الشيء المشترك بين جميع الممثلين الذين نعرفهم أنه بعد نفاذ فاعليتهم وأدوراهم يُلقى بهم ولا يلتقت اليهم أحد ، وعلى الاغلب يموتون وحدهم في دور العجزة وهم لا يمتلكون قرشا في جيوبهم ، لا أحد بالضبط لديه القدرة آنيا على توصيف الموقع والدور الاستراتيجي لطبيعة عمل النظام السوري على مدى 54 عاما ضمن الخارطة الاستعمارية التي شكلت المنطقة في الماضي ، لأن التفاصيل الدقيقة لهذا الحكم حائرة وضبابية وتختلط فيها الأوراق بمهارة تضع أعقل العاقلين في موقع صعب من فهم هذا النظام بعد كل هذه الانكشافات التي لم يعد من الممكن التعلق بالتابوهات السابقة منها ولا الدفاع عنها تحت الشعارات التي جرت تحتها سيول دماء السوريين ، وأتوقع مثلكم جميعا وفي القريب العاجل تكشف مفاجآت بشأنه لا يمكن أن تصدق .
قبل أن ندين أي نظام عربي قمعي وإجرامي دعونا نتذكر بأن حقوق إسالة الدم والتقتيل والتعذيب والمعتقلات هي حقوق حصرية للمنظومة الاستعمارية الصهيونية التي دخلت المنطقة منذ سقوط الامبراطورية العثمانية ، سجن صيدنايا الذي فضحته قوى المعارضة السورية وتتهافت عليه المحطات العربية لنهش النظام الهارب هو النسخة المصغرة عن سجن صيدنايا الكبير في غزة الذي يتوكل به المجرم الأكبر نتانياهو وبايدن وسائر العصابة الدينية المتشددة المجرمة ، كل المعتقلات العربية التي ربما لا تختلف كثيرا عن سجون سوريا وبروتوكولات التعامل مع المعتقلين والسجناء السياسيين وحقوق الشعوب هي نسخ مستوحاة ومأخوذة من سلوك فرنسا وبريطانيا وأمريكيا التاريخي وسائر محاور الشر عندما كانت تحتل الجزائر ومصر وليبيا والعراق والمنطقة العربية ، إن عمليات القمع والتنكيل الفادح الذي كان يقع في سوريا أو العراق سابقا ليست بشيء غائب عن دائرة المعرفة الأمريكية وهي جزء مما يقع تحت علمها وبصرها وتعلم تماما بأن هذه الأنظمة تقوم بهذه الأفعال بشكل مرضي عنه ، لقد تم غض البصر عن كل تلك الأعمال لأهداف لا تخفى على أحد أهمها بأن هذه المنهجية هي أداة تدمير وإضعاف ذاتي وهي بنفس الوقت الحجة المناسبة للتدخل عندما يستلزم الأمر التدخل العاجل لإنقاذ الشعوب من الدكتاتوروتحقيق (الحرية الغربية ) للشعوب .
إن سوريا الجديدة لا يمكن أن تُترَك وفقا لمسار واعد وأحلام وردية يرسمها الفاتحون الجدد ، نقول هذا بكل خوف وقلق على سوريا لأننا نعلم بأن من رسم خارطة المنطقة قبل عقود ووضع نظاما أمنيا بهذه الصورة هو ذاته من قام باستبداله وهو ذاته من سيعمل على استبدال أنظمة أخرى محيطة في القريب العاجل لأنها استهلكت مقدراتها وزمانها وانطوت صفحة تاريخها ، ولن يسمح لهؤلاء المحتفلين في ساحات دمشق بأن يهنؤوا بفرحتهم وحياتهم وقرارهم .
إن الأمريكيين هم المسؤولون بالتمام والكمال عما يجري في غزة ولبنان وسوريا ، الوكيل الاسرائيلي الذي تم تعيينه لتنفيذ الأجندات يقتنع الان بأن مهمة غزة قد استوت ، وصفحة حزب الله قد طويت ، وسوريا قد تم تحييدها وجعلها جمهورية موز عربية جديدة مضافة إلى قائمة العملاء والتابعين وربما بلاد الفوضى ، روسيا لم تعد تشكل أي تهديد لأن الاتفاقيات والاغراءات تكفلت بها ، ايران تحاول اعادة النظر في دورها الاقليمي حفاظا على مكتسابتها وموقعها الحالي بعدما بذلت كل جهدها لطرد الأعداء و فقدت الأمل من مساندة العرب .
المنطقة اليوم تعبر مخاضا عسيرا ، في هذا المخاض لم تتم هندسة الدولة العربية لجعلها مفلسة وجوديا وبقائيا ومعلقة بحبل رفيع من الحياة ، بل حدث قبل ذلك هندسة فكر الشعوب وما تؤمن به وما تعتنقه من أنماط للحياة تجعلها غائبة مغيبة ضعيفة هزيلة ، لم يحدث كل ما حدث لولا أن هذه الشعوب معتقلة جسدا وفكرا وعقيدة ، واليوم تتكشف الرؤية الوظيفية لكل نظام عربي أكثر فأكثر وربما نصل ذات يوم الى فهم الغاية والوظيفة الحقيقية لكل منهم خلافا لكل معتقداتنا السابقة .
ما فكر فيه نتانياهو من عبارات في مقدمة المقالة تمثل النسخة الثانية والجديدة من اتفاقية سايكس -بيكو التاريخية والتي ستحمل اسم اتفاقية بنيامين -ترامب ، وعليها ستظهر الخارطة الجديدة التي تضم الدويلات الجديدة الممسوخة وفقا للتقسيم الديني والطائفي الذي يليق كبيئة مواتية لاستعياب مسخ الدولة الدينية اليهودية القائمة بالأمرعلى العبودية والنهي عن الحرية لكل الدويلات الجديدة لهذا السبب كان لا بد من تقسيم العراق اولا ثم سوريا ثانيا والدور الثالث القادم لمصر ، وهنا نحن لا نجتهد في هذه التفسيرات من كلماتنا بل نستند إلى رؤية ومؤلفات برنارد لويس الصهيوني الذي رسم هذه التطلعات قبل عقودٍ طويلة وتحولت الى نصوص وخطط وغايات مكشوفة وتلقى استحسانا في سياسات الغرب بأكمله .
تبدو الولايات المتحدة وجيشها العبري فرحين بما أتاهم به الدولار والذكاء الصناعي من انتصارات وفتوحات تاريخية ، لكن ذلك ليس صحيحا مهما بدا العكس لأن الزمان لا يطيب للشر مهما طال زمانه ، الوصفة الحضارية المثالية التي تصلح للأبقى لن تكون تلك التي يقدم نموذج الغرب المتوحش تحت شعار البقاء للأقوى ، بل هي رهينة بالنتائج النهائية والحاسمة التي سيصلها الجميع باقدامهم حيث البقاء للأكثر احسانا وعدلا ونفعا للأرض والعرض.
ان الولايات المتحدة والغرب ومعها المستعمرة العبرية التي تنوب عنهم تدخل سرداب الهلاك التاريخي منذ احداث 7 اكتوبر الخالدة التي تمثل الصحوة الاولى والحقيقية لعالم العرب ، ليس إلا لأن هذه الأحداث كشفت وعرت حقيقة وجوهر هذه القوى الغاشمة التي تعتمد النار والمعدن والدولار في صلب عقيدتها الأجرامية العدمية لكنها تؤكد وتكشف بأنها خاوية الروح ، وخواء الروح هذا هو السكين الفالق والقاهر لكل منظومة الغرب مهما تقدمت علومه وزادت سطوته وشهوته للدم ، إنها المفتاح الأساسي لفهم هزيمهتم المريرة القادمة وارتقاء نجم العرب والإسلام من جديد
تتكشف حقائق الأمة كل يوم أكثر بأن عائق النصر لهذه الأمة في كل محاور المصائب المبتلاة فيها ليس قلة الموارد ولا قلة الكفاءات ولا نقص القدرات ولا القوى البشرية ولا الرصيد الأخلاقي الرفيع الدرجة ، بل هو انظمة الحكم الجبري وفقا لنبؤة رسولنا الكريم عليه افضل الصلوات والسلام ، هذه الأنظمة الجبرية التي تعيش من رحم الاستعمار والتي وُضِعت فوق الشعوب لتحرس الجهل والتخلف والتشرذم والخطيئة هي السبب الأساسي في كل مصابنا وزوالها هو أول درجات التحرر نحو فتح بيت المقدس .
الروح التي تقيم في غزة والتي مكنت وتمكن هؤلاء الملائكة من استمرار الوقوف طيلة أربعة عشر شهرا من الموت والدمار هي التي ستنقذ الأمـة وتلهم الشعوب وتعيد بناء كل ما خطفه حلف الشيطان ، وإن غدا لناظره لقريب .
*كاتب فلسطيني
