اليمن الحر الأخباري

الحاجة إلى مشروع أمن قومي عربي!

د.رجب السقيري*
قبل حوالي ستة أشهر كتبت مقالاً في هذه الصحيفة بعنوان : ” ثلاثة مشاريع غير عربية للهيمنة على الشرق الأوسط … فأين مشروع الأمن القومي العربي ؟ ” ( رأي اليوم 29 نيسان/إبريل 2024 ). كما هو واضح فإن المشاريع الثلاثة التي أشرت إليها في المقال هي : أولاً المشروع الإسرائيلي التوسعي الاستيطاني المدعوم من الولايات المتحدة وقوى غربية أخرى والهادف إلى إنهاء القضية الفلسطينية وإقامة إسرائيل الكبرى ، ثانياً المشروع الإيراني الذي يثير مخاوف الدول العربية وبالذات الخليجية منها بتصدير الثورة وامتلاك أسلحة نووية بهدف الهيمنة على الإقليم وزعزعة أمنه واستقراره ، والمشروع الثالث هو المشروع التركي الهادف إلى تعزيز أمن تركيا وموقعها في الإقليم والساعي إلى موطيء قدم له في بعض دول المنطقة وحجته في ذلك مواجهة التحديات الإقليمية بما فيها الطموحات الانفصالية الكردية بإقامة دولة قد تشمل مناطق في جنوب تركيا وشمال سوريا وشمال العراق .
من لم يقتنع في حينه بوجود المشاريع أعلاه الإسرائيلية والإيرانية والتركية ، رغم ما يحمله كلٌ من تلك المشاريع في طياته من مخاطر تهدد الأمن القومي العربي ، لا بد وأنه أصبح الآن أكثر قناعة وأكثر تقبلاً للفكرة بعد ما حدث في سوريا وبعد أن تواردت الأخبار والتحليلات بل والتساؤلات العديدة عما حدث وكيف حدث .
تحدثت الأنباء والتحليلات أن الخطة التي أدت إلى سقوط نظام بشار الأسد وهروبه إلى موسكو وانهيار جيشه وقيام قوات المقاومة السورية باحتلال حلب ثم حماة وحمص ثم العاصمة دمشق خلال عشرة أيام قد تمت بدعمٍ من تركيا والولايات المتحدة وروسيا وإيران . ولعل الغموض الذي أحاط بتلك العملية والسرعة التي تمت بها إضافةً إلى التناقضات الكبرى بين مصالح وأهداف كل واحدةٍ من الدول المذكورة قد أثار العديد من التساؤلات التي قد لا تجد لها أجاباتٍ شافية ومقنعة إلى أن تتكشف الكثير من خفايا ما حدث .
في اليوم الأول بعد وصول قوات المعارضة إلى دمشق وتسلم الحكومة المؤقتة مهامها ، وفي غمرة احتفالات السوريين في الشوارع والميادين العامة بسقوط النظام وفتح السجون والإفراج عن المعتقلين ، تواردت الأنباء حول استغلال الجيش الإسرائيلي للمرحلة الانتقالية التي تعيشها سوريا وقيامه باحتلال جبل الشيخ ثم امتداد هذا الإحتلال ليشمل عدة قرى سورية ثم توسع إلى أن وصل إلى قرى ومناطق لا تبعد كثيراً عن العاصمة السورية دمشق وذلك في انتهاك فاضح لاتفاقية فض الاشتباك لعام 1974 بين سوريا وإسرائيل ، بعد ذلك قام سلاح الجو الإسرائيلي بمئات الغارات التي أدت إلى تدمير الطائرات الحربية السورية والقواعد الجوية والبحرية بالكامل ، إضافة إلى تدمير الدبابات والمدرعات والمعدات العسكرية ومخازن الأسلحة والعديد من المنشآت العلمية ومراكز الأبحاث .
لقد أصبحت سوريا خلال خمسة أيام دولةً منزوعة السلاح ومنزوعة السيادة وأصبحت أراضيها ومقدراتها نهباً للمطامع التوسعية الإسرائيلية ، ورغم ذلك لم تقم القيادة الجديدة بأي إجراء لوقف اعتداءات الجيش الإسرائيلي ، بل لم يصدر خلال الأيام الخمسة الأولى من تلك الاعتداءات عن الحكومة الانتقالية أو عن قيادة المقاومة أي بيان يدين الاعتداءات الإسرائيلية ، وهنا يبرز سؤال في غاية الأهمية حول ذلك الصمت المريب ، ويبقي هذا السؤال بدون إجابة حتى بعد أن قام المندوب السوري لدى الأمم المتحدة بتقديم شكوى إلى مجلس الأمن وإلى الأمين العام للأمم المتحدة ضد إسرائيل .
أما عربياً فكان الوضع أفضل على المستويين الدبلوماسي والإعلامي على أثر الاجتماعات التي عقدتها يوم أمس الأول في العقبة لجنة الاتصال الوزارية العربية (المكونة من الأردن والسعودية والعراق ولبنان ومصر والجامعة العربية) مع وزراء خارجية تركيا والولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وممثلين عن الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ، إضافة طبعاً إلى التصريحات التي أدلى بها العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني مؤكداً أن استقرار سوريا مصلحة استراتيجية داعياً إلى اتخاذ موقف دولي موحد للحفاظ على أمن سوريا ومواطنيها ومؤسساتها الوطنية وسيادتها ووحدة أراضيها ، كما ندد وزير الخارجية الأردني بالتوغل الإسرائيلي في سوريا ، ودعا وزير الخارجية المصري إلى الحفاظ على سيادة سوريا ووحدة أراضيها ووقف الاعتداءات الإسرائيلية عليها .
في ظل ما تقدم حول الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا ، قلب الأمة العربية ، وفي ظل ما تحمله هذه الاعتداءات من مخاطر جسيمة على كل الأقطار العربية وبالذات على الدول المجاورة لفلسطين المحتلة وعلى رأسها الأردن ولبنان والعراق ، وفي ظل استمرار الاعتداءات والمجازر الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية ومماطلة حكومة نتنياهو الفاشية المتطرفة في وقف الحرب، وفي ظل نواياها التوسعية المبيتة لإقامة إسرائيل الكبرى المهيمنة على ما يدعى “الشرق الأوسط الجديد” ، ينبه كاتب هذه السطور مجدداً الدول العربية وجامعتها العتيدة والرأي العام العربي إلى غياب أي مشروع يحمي الأمن القومي العربي في المنطقة في مواجهة ثلاثة مشاريع إقليمية أخطرها وأكثرها عدوانية هو المشروع الاستعماري الاستيطاني الإسرائيلي . والله من وراء القصد .
*باحث في العلاقات الدولية والدراسات الدبلوماسية

Exit mobile version