حماد صبح*
ما من عربي يقرأ ويكتب إلا ردد هذا البيت بدرجات متنوعة من الفهم والاستجابة وفق مستواه المعرفي وذائقته الأدبية . والبيت مثلما هو شائع معلوم مطلع قصيدة الشاعر العظيم أبي القاسم الشابي ” إرادة الحياة “، وهي من عيون الشعر العالمي لا العربي وكفى . وتؤكد قدرة الإنسان جماعة أو فردا على أن يحيا حياة حرة عزيزة منتجة إن هو أراد وساند إرادته بحيويته وطموحه وفعله . الحرب الطاحنة في قطاع غزة أهلكت أكثر مقومات الحياة وأهمها، وردت الناس إلى أساليب عيش بدائية، وجعلت الوصول إلى أي شيء عادي أملا بعيد المنال تعترضه الشدائد والمعيقات المتداخلة المتعسرة . الحصول على عدة كيلو جرامات غاز طهي يقتضيهم الانتظار أسابيع.
وأخذ ما منح لأحدهم من الدقيق ولمعلبات يقتضيه الانتظار في الصف ست أو سبع ساعات، وصدم شاب عندما أخبره المشرفون على توزيع المعونة أنه لا أهلية له فيها لكونه أعزب في منافاة مفاجئة للرسالة التي أخبرته على هاتفه بإدراج اسمه في قائمة المستحقين لها ؛ للمعونة. وفي مواجهة الشدائد العنيدة والأهوال العاتية المحيرة يواصل الغزيون إرادة الحياة، والصبر على ما يتطاير كثيفا مظلما في حياتهم من تلك الشدائد والأهوال. كثيرون يبيعون البضائع، وأكثر البائعين لم يمتهن البيع قبل الحرب العدوانية الرهيبة. وتهجيرهم من مواطنهم، وخسارة مصادر رزقهم الأصلية دفعهم لامتهان البيع على الأرصفة. والقادرون القلة أعادوا فتح مطاعم ومحال تجارية مستأجرة المكان مثلما كان لهم في مواطنهم الأصلية.
وبعضهم احترف نقل الركاب على عربات الحمير والبغال والخيل، أو السيارات. ومهن أخرى عديدة أكثرها صغير بسيط، وكلها صور لإرادة الحياة التي أراد عدونا أن يهلكها ويهلكهم. وفي واقع حياة الحرب الزاخر بالعوائق والمناكد والصدمات الغريبة المنكرة ثمة من يجتهد جلبا للحيوية والبهجة والترويح عن النفس المغشاة بأثقال الهموم والغموم والريب في كل شيء، فيلعب كرة القدم مثلما كان يفعل قبل الحرب، وهذا ما يفعله اللاعبون أعضاء الأندية التي واصلت تنظيم مسابقاتها في كل المناطق المتجاورة لا على مستوى قطاع غزة مثلما كان يحدث قبل الحرب وفق الدوري العام. ويدخل في مسابقات كرة القدم الحالية أشخاص لا ينتمون إلى تلك الفرق تمنحهم الأندية فرصة اللعب في ملاعبها. وقبل أيام تنافس في منطقة القرارة أشخاص ممن اجتازوا سن الخمسين، وقدم الفريقان عرضا أدهش المتفرجين بما أبداه اللاعبون من حيوية وأداء فني. وأتمنى لو أقف هنا طويلا للحديث عن أهمية الرياضة لكبار السن، ودحض الوهم الشائع الراسخ في ثقافتنا أن الرياضة “لعب ” واللعب لا يناسب سوى الصغار في مناقضة ومناهضة خالصتين لحقيقة بدنية ونفسية هي أن الإنسان كلما كبر تضاعفت حاجته للرياضة لإطالة عمره الحركي ولسوى هذا من الغايات التي يعلمها خبراء الرياضة وعلماء النفس. معمر القذافي قفز سور الثقافة التقليدية عن الرياضة، ونفذ مبدأ ” الرياضة للجميع ” في ليبيا، فلعب كبارها وصغارها وشبانها.
ويطغى وهم ضرورة انصراف الكبار عن الرياضة وكثير من الأعمال طغيانا واسعا في حياتنا نراه في سرور كثيرين بالتقاعد الوظيفي، بل سعي بعضهم لنيله قبل الستين. وسيتفاجأ من يسمع أن أحد أساتذة الكيمياء في جامعة كولومبيا في نيويورك بلغ السابعة والثمانين مواصلا تدريس هذا المبحث. ونبتعد عن الاستطراد، ونضيف إن صبيانا وشبانا في قطاع غزة المبتلى بالعدوان الإسرائيلي الحالي الفاجر المخبول يلعبون كرة القدم وسواها من الألعاب جلبا للحيوية وصرفا للوقت في ما ينفعهم نفوسا وأبدانا. ويذهب أطفال إلى روضات نبتت بين البيوت المدمرة لتلقي أوليات القراءة والكتابة.
وكل ما سلف من أعمال ونشاطات رياضية تحرر نفوس الناس من بعض هموم ويلات الحرب واكتئاباتها التي تنهمر على تلك النفوس ليل نهار. ويحلو للناس هنا أن يقارنوا بين صبرهم وتجلدهم وبين جزع مستوطني الكيان الإسرائيلي وتهلهلهم النفسي مع فارق الحال المديد بين الجانبين. سوء في حال الغزيين عديم الشبيه، وحسن في حال المستوطنين قليل الشبيه في ترفه وتنعمه وتيسره. وينسب الغزيون مصادر صبرهم وتجلدهم إلى إيمانهم بالله _ تعالى _ وثقتهم الخالصة الصافية في رحمته وعدالته ودنو فرجه، ويرددون ما يحفظونه من آي القرآن الكريم، والحديث الشريف ما يؤكد تلك الثقة ويزيدها توهجا وتثبتا، ويضيفون إلى القرآن والحديث ما يحفظ بعضهم من الشعر والحكم والأمثال. حقا ما أقوى الحياة! وحقا ” إذا الشعب يوما أراد الحياة = فلابد أن يستجيب القدر ” و ” ولا لليل أن ينجلي = ولابد للقيد أن ينكسر”، وما أغبى أعداءنا الذين يحلمون بأن يسحقوا قوة الحياة وإرادتها في نفوسنا، وهم الذين ينعتهم القرآن العزيز بأحرص الناس على حياة، أي حياة عزت أو ذلت، وما أراهم بعدوانهم الأثيم علينا إلا منداحين إلى ذليل الحياة لا إلى عزيزها. هذا قدر قضى به الله _ تبارك _ في محكم قوله الحق: “ضربت عليهم الذلة والمسكنة إلا بحبل من الله وحبل من الناس”.
*كاتب فلسطيني مقيم في غزة
تجارب حيّة مؤلمة لاهل غزة!

Image processed by CodeCarvings Piczard ### FREE Community Edition ### on 2015-04-12 06:15:53Z | |