اليمن الحر الأخباري

الحالة الترامبية!

 

اسيا العتروس*
خلال أسبوعين يعود الرئيس المنتخب دونالد ترامب الى البيت الابيض لاربع سنوات لن يكون بالامكان التكهن بما ستؤول اليه من خيارات للادارة الامريكية الجديدة خاصة في منطقة الشرق الاوسط وحرب الابادة المستمرة في غزة وما يجري في سوريا بعد الانهيار السريع للنظام السوري الذي يفترض أن يكون درسا بليغا لكل الانظمة المستبدة التي اغرتها السلطة و أعمت بصيرتها عن مصلحة الاوطان و الشعوب ..عودة ترامب التي ينتظرها قادة العالم بكل توجهاتهم لن تغير في قناعتنا العالم نحو الافضل ولن تفع الى التقليل من حجم الظلم و التوحش الذي نعيش على وقعه بل ربما تدفع الى مضاعفة ما يشهده العالم من فوضى و هيمنة الاقوى على الاضعف كما يحدث في قطاع غزة منذ ستة عشرة شهرا من ابادة و دوس على القيم الكونية للعدالة الدولية …
ترامب و قبل ايام من تدشين مهامه يتوعد حماس و كل المنطقة بالجحيم والحال أن الجحيم قائم و مستمر في غزة و يدفع ثمنه الفلسطينيون من دمائهم و ارواحهم , و هو يريد السيطرة على قناة بنما وتغيير الاسم بخليج امريكا و يرغب في جعل كندا الولاية الواحدة و الخمسين لامريكا ويطالب دول الحلف الاطلسي برفع مساهماتها العسكرية و يهدد بوقف حمايتها وكلها تكشف الحالة الهستيرية للرئيس ترامب المحكوم بعقلية الهيمنة المطلقة لامريكا و للحليف الابدي اسرائيل …
هذه المقدمة من شأنها أن تعيدنا الى استعادة ما حدث في الساعات القليلة الفاصلة بين السنة الماضية 2024 والسنة الجديدة 2025 و نقصد العمليتين الارهابيتين من نيواوليونز الى لاس فيغاس ..صحيح أن الكثير من الاسئلة لا تزال بلا أجوبة و لكن عملية نيواورليونز الارهابية أعادت الى الاذهان الى الاذهان سلسلة عمليات مماثلة نفذها جنود أمريكيون سابقون ضد مواطنيهم وخلفت من الضحايا و الماسي و الدماء ما يجعل الارهاب الامريكي المحلي خطرا قائما مع مختلف الادارات الامريكية وهو خطر يصعب استباقه أو اجتثاثه كليا , والامرسابق لهجمات 11 سبتمبر2001 التي استهدفت واشنطن و نيويورك والتي ستغير العالم وتدفع امريكا الى اعلان حرب عالمية على الارهاب و تدفع بعد تلك الهجمات الى احتلال افغانستان ثم العراق أكثر من عقدين بدعوى القضاء على الارهاب ثم تحقيق التغيير السياسي ونشرالديموقراطية و الحرية ليتضح اليوم أنه لا الارهاب اختفى من العالم و لا الديموقراطية الموعودة تحققت ..
وربما وجب التذكير بعد عملية نيو اورليونز أن أخطر هجوم ارهابي محلي في أمريكا كان هجوم اوكلاهوما سيتي الذي حدث في 1995 و نفذه تيموتي ماك فيه الذي تمكن من قتل 168 شخصا و جرح المات ..وهو أيضا جندي سابق و قد عقب ذلك نشر الكثير من الكتب و الدراسات حول مخاطر هذه الظاهرة , و كان أهمها كتاب بعنوان “ارهابيون أمريكيون تيموتي ماك في و تفجير اوكلاهوما سيتي ” وضعه صحفيان استقصائيان تابعا التحقيقات في تلك العملية و اعتمدا نحو ثلاث مائة حوار لفهم ما حدث و توثيق ورصد الاسباب و الدوافع وراء تلك العملية ,والكتاب أشبه برحلة في عقل ماك فيه و لكنها لا تجيب عن كل الاسئلة المرتبطة بتلك العملية الارهابية والتي تلتها عمليات كثيرة بينها عملية تكساس التي نفذها طبيب نفساني عسكري أصبح متشددا بعد سلسلة من الاستماعات لشهادات جنود مرضى على خلفية ممارسات في افغانستان و العراق و ما افرزته لديه من احساس بالظلم و القهر بسبب ممارسات الجيش الامريكي والتنكيل في حق جنود عراقيين ..
وبالنظرالى ما سبق يبقى السؤال المطروح أين تتنزل عملية نيو أورلينز التي نفذها شمس الدين جبار والتي تزامنت مع عملية اخرى في لاس فيغاس نفذها ماتيو لايفسبيرغر ..سيكون من السطحية بل السذاجة اعتبار أن الخصاصة والفقردفعت جنود امريكيين سابقين الى اقتراف ما اقترفوه , والاكيد أن اعتماد هذا السبب وحده لتفسير تواتر الظاهرة سيكون مجانبا للصواب ومحاولة للهروب الى الامام و تجاهل الاسباب الحقيقية التي يمكن أن تحول جنديا سابقا امن بقيم مؤسسته العسكرية و التزم بها الى ارهابي بمجرد انتهاء مهمته ..
بعض التقاريرالمرتبطة بمكتب التحقيقات الفيدرالي تحذر من أن هذه تهديدات الارهاب المحلي ستستمر في ضوء تفاقم الصراع في الشرق الاوسط ..الرئيس الامريكي جو بايدن اعتبر ان منفذ العملية يتبنى افكار تنظيم داعش الارهابي ..والرئيس المنتخب ترامب تعجل في الحكم وحمل العملية للهجرة غير الشرعية محور انتصاره في الانتخابات ..ولم يكلف بايدن أو ترامب نفسيهما مسؤولية مواجهة الحقيقة المتعلقة بتورط مواطن أمريكي ولد و نشأ في أمريكا وعمل في صفوف جيشها هذه العملية الشنيعة أو ما اذا يمكن أن تخفي وراءها عناصر اخرى في صفوف الجيش الامريكي قد تكون مدفوعة الى تنفيذ مثل هذه العمليات الارهابية لاي سبب كان .. تعليقات كثيرة رافقت عملية نيو اورليونز و لاس فيغاس وهي تعتبرأن ما يرافق مهمات الجيش الامريكي من خروقات في تدخلاته الميدانية من افغانستان الى العراق يمكن أن تكون سببا أساسيا في دفع محاربين قدامى الى اقتراف ما يقترفونه لعدة أسباب من الاهمال الى الاحساس بالانهيار والذل و المهانة بعد نهاية الخدمة العسكرية وصولا الى الاحساس بالذنب والتورط في هجمات واسعة طوال سنوات من التواجد في افغانستان والعراق ..و لاشك أن نفس هذه المشاعر قد تتكرر أكثر بالنظر الى تورط الجيش الامريكي في دعم و تمويل جيش الاحتلال الاسرائيلي في منطقة الشرق الاوسط و تحديدا في المحرقة المفتوحة في غزة والضفة و لبنان و لاحقا في سوريا و هي مسائل لا تخفى على أعين مراقب و لا تتعلق بدين معين اوايديولوجيا معينة بل يمكن أن تكون نتيجة حتمية للتضارب الحاصل بين الاهداف والقيم الانسانية التي تدعي الادارات الامريكية المتعاقبة الدفاع عنها و بين ما يحدث على أرض الواقع وما يرتكب من جرائم و فظاعات وابادة جماعية في حق الفلسطينيين بدعم أمريكي معلن سواء عبر مقصلة الفيتو الامريكي في مجلس الامن اوعبر الدعم العسكري اللامحدود لكيان الاحتلال الاسرائيلي ليواصل قتل وابادة الاطفال و النساء و المصابين والمرضى و يستهدفهم في المخيمات والمستشفيات وسيارات الاسعاف حتى لم يعد لهم مكان امن يلجأون اليه .. والارجح أنه بعد انقضاء نحو اسبوع على العمليتين فان الكثير من الغموض يبقى سائدا حول أسباب و دوافع ما حدث و حول ما يمكن أن يدفع جنديا أمريكيا سابقا الى التحول من موقع “البطل” على الاقل في نظر عائلته و مواطنيه الى ارهابي قاتل ..
العنصر المشترك بين العمليتين من نيواورليونز الى لاس فيغاس أن منفذي العمليتين من المحاربين القدامى و سبق لهما العمل سنوات في صفوف الجيش الامريكي و حصلا على ميداليات و نياشين لقاء ما ابدياه من ولاء و انضباط ..السلطات الامريكية لم توضح ما اذا كان هناك أي صلة بين العمليتين بمعنى أنها لم تنفي و لم تؤكد أيضا وجود صلة , و ربما لا يزال من السابق لاوانه التوصل الى نتيجة قطعية في هذا الشأن ..
الحقيقة أننا ازاء عمليتين من تنفيذ مواطنين أمريكيين ولدا و نشأ في أمريكا و تعلما في مدارسها و جامعاتها وكبرا في حاناتاها , أحدهما وهو شمس الدين جبار من عائلة من أصول مسيحية قبل أن يعتنق الاسلام , تم تصفية جبار خلال المواجهات مع رجال الامن ليحمل بذلك معه سره الى الابد حول ملابسات و دوافع وأهداف العملية وحول امكانية وجود شركاء من عدمه ..لكن تبقى بعض المعطيات المتوفرة مهمة جدا و يمكن أن تساعد في قراءة جزء من الغموض وأن منفذا عملية نيو أورليونز ولاس فيغاس قد لا يكونان مجرد ذئاب منفردة وأن الجيش الامريكي قد يكون البؤرة التي لا تريد أمريكا رفع الغطاء عنها و اعادة تحديد اولوياته و أهدافه في رسم النظام العالمي الجديد …سيكون من المهم فهم توجهات ترامب في التعاطي مع الجماعات الاسلامية المتطرفة المصنفة على القائمة السوداء للارهاب ..

*صحفية وكاتبة تونسية

Exit mobile version