اليمن الحر الأخباري

ما هو الجحيم ياترمب!

خالـد شــحام*
تقول النُذر بأننا أصبحنا على أعتاب العار التاريخي أو الانقلاب الكوني الأخير ، واما الصحف الأولى فتقول بأن بني اسرائيل وصلوا ختام الرحلة الملعونة وقبضت عليهم السنين ، لم نعد نستطيع الفكاك من الألم الصامت والقهر الحبيس مع كل ما يجري ، وكأن الأيام ترفض مصالحتنا أو اننا نرفض أن نقف مع أنفسنا أو نتصالح مع ذواتنا حتى تنقذنا غزة أو تشفق علينا قليلا .
في فضاء الأسبوع الماضي رحت اتأمل في التفاصيل الإخبارية التي أصبحت كالحجارة على صدر بلال بن رباح في القصة الخالدة ، حاولت أن اكتب عن الخبر ذي القيمة الأكبر أو الحدث المؤثر ، لكن من الواضح في هذه الأيام أن الكتابة انسحبت إلى فئة أخرى من الأخبار والتي تسمى الأخبار المستفزة أو الموضوعة لتحدث الأذى المعنوي قبل الجريان العملي على الأرض ، وعلى ما يبدو فمعظم الأخبار أصبحت كذلك ، عن ماذا نكتب ؟ عن آلام غزة أم جماعات (الوساطة وتقريب وجهات النظر) الذين ينكلون بنا كل يوم ؟ عن الأنذال الذين يقتلون مخيم جنين أم خطط العرب لبناء تحالف لدخول غزة بعد فشل الصهاينة فيها ؟ عن ماذا نكتب ؟ عن افتراس سوريا وهي حية أم ابتسامات عاموس وهو يحدثنا من لبنان عن تفكيك حزب الله باللعبة الرئاسية ؟ إليكم من بستان الشوك إبرتان !
الخبر الأول البسيط يتعلق بتقاطر الوفود المهنئة إلى سوريا من العرب والعجم والتقائهم مع المسؤوليين الجدد ضمن الأدبيات الدولية ، وكما نحن محظوظون في لبنان بعاموس هوكشتاين فلدينا الان في سوريا دانيال روبنشتاين وربما في القريب العاجل سيأتي الموفد الثالث إلى العاصمة الثالثة تحت اسم كوهينشتاين ، كل هذا يبدو طبيعيا وعاديا في سياق عصر الدجاج المهرمن سريع التكاثر الذي تدفع به المعامل الأمريكية ، لكن الشيء المشترك في كل هذه الزيارات واللقاءات هو التصريحات التي تعقب ذلك ، حيث تُجمع كل هذه الوفود وأصناف الحجيج على قول واحد ( دعم الدولة السورية و ضرورة مكافحة الإرهاب ) ، والسؤال البسيط الذي يثور : ما هو الإرهاب الذي تتكلمون عنه ومن هم الإرهابيون الحقيقيون ؟ هل تقصدون التنظيمات المسلحة التي قمتم ببنائها وإنشائها لتدمير العراق وسوريا والضحك على ذقون العرب والعالم بالإرهاب الإسلامي ؟ طيب ماذا بشأن عصابة الكيان الصهيوني التي تنوب عن كل إرهابيي ومجرمي العالم ؟ هل من المعقول أن كل هذه الكمية من الإرهاب عصية على الرؤية في غزة ؟ ما الوصف الأنسب لديكم لهؤلاء القتلة وما يفعلونه بغزة وشعب فلسطين ؟ أليس الإرهاب كلمة متواضعة جدا حيال الجريمة المشتركة للولايات المتحدة والكيان الصهيوني والغربي والعربي حيال 15 شهرا من القتل والتدمير ؟
تعيدنا مثل هذه التصريحات اللعوبة إلى جذور الموضوع القديم الجديد الذي تم إلباسه للعالم العربي والإسلامي تحت مسمى (الإرهاب ) وفي غمرة الذعر والجري من الإرهاب والإرهابيين تحولنا إلى مؤمنين في المحراب الأمريكي لمكافحة الإرهاب !
حتى اللحظة لا اكاد أصدق بأن أنظمة العرب كذبوا الكذبة ثم صدقوها ! لم أكن أعلم بأن عالمنا العربي يفيض بهذا القدر من الارهابيين والتكفيريين إلى الحد الذي يستدعي كل هذه القوى والدول والحشود لمواجهته ، لقد اكتشفنا بعد كل هذه السنوات من التضليل أن الإرهاب عبارة عن دولة لها وزارات ومؤسسات وجيش متكامل التجهيز والعدد ، وصحافيين وكتبة ومؤسسات إعلامية ومحامين دوليين وشركات ناهضة وبنوك صاعدة ومجتمع كامل متكامل ، كل هؤلاء إرهابيون بالمطلق في أثواب مختلفة ، لقد اكتشفنا أيها السادة بأن الإرهاب بعد كل هذه السنوات من الضحك علينا هو دولة متكاملة تعيش على هذه الظاهرة وتقوم حياتها عليها وتمارس بقاءها وفقا لعقيدة (إرهاب الدولة ) وهذا المصطلح حتى ينجح ويجد محله من التصديق يجب ابتكار جماعات مسلحة ودعمها باموال النفط وتشكيل مؤسسات وأفراد مضحوك عليهم وإقامة معسكرات تدريب لهم كي يتم إلصاق الترند عليهم .
لقد كان لزاما أن يتم اختراع كل التنظيمات الباطنية المشبوهة التي أثبتت وشخصت الفرضيات الأمريكية والاسرائيلية وترجمتها إلى وقائع تدين العرب والمسلمين وتلبسهم قسرا وطوعا ثوب الإرهاب والترهيب ، لقد كان لزاما تصنيع هذه الكتل المشبوهة كي تُفتتح حصص التصنيف والتقسيم وتوضع حماس الفلسطينية وحزب الله اللبناني وجماعة أنصار الله الأبطال في نفس الفئة والتصنيف المفصلة خصيصا لهم ، هذا هو المقصود من مطالبات مكافحة الإرهاب ، لقد كان لزاما إشعال النار في البيت العربي وخلط الأوراق ببعضها لإدانة ايران وجرها إلى كرسي الإتهام تماما كما تم جر العراق ذات يوم ، لم يعد في هذا الزمان من سخرية ومهزلة تناسب ما يجري أكثرمن دعاوى مكافحة الإرهاب في لبنان وسوريا والعراق فيما الإرهاب بأكمله يتمثل في دولة الكيان التي تعيش وتتنفس الإرهاب والقتل والبلطجة والاعتداء بكل ما فيها من حكومات وجيش عديم الشرف ، وشعب عديم الإنسانية يبحث عن حفنة من الأسرى فيما يبيح ذبح واعتقال وحصار وتعذيب 2.5 مليون فلسطيني امام عينيه ويؤيد قتل كل العرب أينما وجدوا .
غير بعيد عن إرهاب الدولة ولعبة (مكافحة الإرهاب ) التي تستقصد حزب الله يطل علينا الخبر الثاني المضحك المبكي ويطل فيه الرئيس الذي يقدح جلده المحمر شررا وهو يتوعد الشرق الأوسط بالجحيم في حال لم يتم تحرير (الرهائن ) الاسرائيليين ! وهنا سادتي نقدم لكم الإرهاب والترهيب في اعلى مقاماته وبأكبر راعٍ وصانعٍ له ممثلا في رئيس الدولة الأعظم في القرن المعاصر وهو يرهب دولا كاملة بالوصفة المطلقة من الإرهاب تحت اسم الجحيم !
لقد وصلت الغطرسة والهيمنة الأمريكية الصهيونية ذروتها ولم يعد يرضيها أن تعمل في سياسة المجاملات وحفظ ماء الوجه ، و وصل الحال العربي إلى الضعف بما يفوق أكثر مراحل التاريخ رداءة وهوانا ولم يعد بالمستطاع الضحك على الشعوب بالأكاذيب القديمة ذاتها ، ها هو ترامب يطل علينا في زمن التخليق الاصطناعي للعبودية والإذلال ، ويخطب على حطام عالم العرب ليجد لهم الماء والأمان والعيش الرغيد وسط رمال الصحراء ويحميهم من الإرهابيين المفترسين للحم الآدمي ، ماذا يفعل ترامب بعذابكم فيما لدينا أنظمة عربية تطلب من نتانياهو ابادة غزة بالكامل وعدم قبول اية صفقة هدنة ؟ ماذا يفعل دونالد التاجر ببلاد تعبد مستعمريها أكثر مما تعبد ربها ؟.
هل تعرفون لماذا يحق لترامب أن يعربد علينا ويتوعد بالجحيم ؟ السبب هو أن عواصم العرب الكبرى تحولت الى نكات وقادتها يلعبون النرد مع الفشل في نهاية الأمسيات ، نعم يمكنك يا سيادة الرئيس أن تحول الدول الهزلية إلى جحيم ، لأنها فشلت في صناعة اقتصاد حقيقي لشعوبها وصناعة نهضة علمية وصناعية مثل سائر الخلق ، يمكنك أن تذل هذه الدول المسرحية التي فشلت في بناء شبكة مواصلات لمدنها وأخفقت في صناعة محطة كهرباء ودواء وغذاء لسكانها ، يمكنك أن تذلها لأنها منعت وجود برلمان حقيقي وصحافي حقيقي ودكتور جامعة حقيقي ، لكن لا يمكنك أبدا أن تذل غزة التي صنعت الإنسان المقاوم ووقفت في وجهكم شهورا عجبا ، لا يمكنك أبدا أن تذل اليمن الذي تمرد على الجبروت وكسر هيبتكم ومرمغ بوارجكم في البحر سربا ، وسيحرر بلاد العبودية سببا .
في داخل غزة هنالك سواعد خارقة ترمي قذيفة ثمنها مائة دولار إلى الميركافا العبرية التي تعربدون علينا بها ، هذه القذيفة الرخيصة ستزلزل عرشك يا سيادة الرئيس ، وتحيل لونك الى الحمرة مجددا ، في داخل غزة هنالك رجال نبتوا من دخان الشهداء يضربون جندك بالنار حتى يشعلون مسالك الحرية في ليل العرب الطويل والتي لا يمكن لكل رادارتك أن تكشفها ، من هو الذي تهدده بالجحيم يا ترامب وكل جندك في غزة يصلون ليل نهار كي يهربوا منها ؟ من تهدده بالجحيم يا آل كابوني ودباباتك في جباليا تحولت الى أفران متنقلة ؟ من هم الذين تهددهم وقد غادرت حماس القطاع وسكنت في قلوب كل الفلسطينين وكل العرب و كل العالم ، وأصبح السنوار جيفارا العلم الجديد ؟
غزة لم تعد تخاف الجحيم يا سيادة الرئيس لأنها تعيشه بحذافيره وأصبح نارا وسلاما عليها ولو أمطرتها بكل قذائفك ونارك الزرقاء والحمراء ، السلام عليك يا غزة ، يا غزة يا صانعة الطوفان حتى استوت سفينة العرب على الجودي ، السلام عليكم يا أبطال حماس والجهاد وأبطال اليمن ، يا من رفعتم رأس أمة بأكملها من المحيط إلى الخليج ، السلام عليكم أيها الشهداء ويا أصحاب القبور الذين نقف أمامكم أرقاما بلا هوية حتى تعيد لنا غزة معنى الهوية ، السلام عليك يا جباليا يا مصنع الكرامة ، السلام عليك أيتها النصيرات التي انتصرت على ترامب قبل صعوده قرن الشيطان ، السلام عليك يا بيت حانون كلما أضاءت نارك دبابةً أو جرافةً ، السلام عليك يا بيت لاهيا يا أرض الحب كلما زأر من قلبك صاروخٌ يحمل السلام ، السلام على رفح وخان يونس والشجاعية وكل رقعة مقدسة من ترابك الثائر يا غزة ، سلام عليك حتى ترفعين راية النصر، سلام عليك حتى مطلع الفجر.
*كاتب فلسطيني

Exit mobile version