اليمن الحر الأخباري

لماذا يجب تسليح حزب الله؟

مازیار شکوری*
على أية حال، فإن الجمود السياسي اللبناني في انتخاب الرئيس قد انكسر بعد عامين، وانتخب العماد جوزيف عون رئيساً بإجماع الفئات اللبنانية. وقد قوبلت رئاسة العماد بردود فعل متباينة من المحللين منذ اليوم الأول. وفي الأساس، كانت هذه ردود الفعل تتشكل حول قضية ومصير المقاومة، لأن أي ظاهرة في لبنان والمنطقة لا علاقة لها بقضية فلسطين وإسرائيل لا يمكن تحليلها. فلسطين والمقاومة هما النقطة المحورية في مصير المنطقة، وأي موقف يجب أن يقاس في علاقته بتحرير فلسطين من النهر إلى البحر، وإلا فإن الفساد والخراب سوف يعم المنطقة.
إن ما أثار الضجة في انتخاب جوزيف عون كان بسبب أمرين. أولاً، قال جوزيف عون في البرلمان اللبناني عن ضرورة احتكار صلاح بيد الجيش:
“سأستخدم دوري كقائد أعلى للقوات المسلحة لتأكيد حق الدولة في احتكار حمل السلاح”.
وهذا التصريح قد يعني أن حزب الله أو حركة أمل أو الحزب الإسلامي اللبناني أو المقاومة بشكل عام يجب أن تنزع سلاحها.
وهناك قضية أخرى وهي أن الأميركيين والفرنسيين والسعوديين لعبوا دوراً كبيراً في الضغط أو التشاور مع بعض المجموعات لانتخاب جوزيف عون. وهذا الموضوع أقلق الكثير من المؤيدين للمقاومة.
وإذا أردنا أن نحلل وندرس الوضع فلا بد أن نشير أولاً إلى أداء جوزيف عون في الماضي وعندما كان قائداً للجيش.
فخلال وجوده في الجيش ومن ثم وصوله إلى منصب قائده كان جوزيف عون يتمتع بشخصية صلبة وأداء مهني ونزيه، وهذا كان أحد العوامل التي أدت إلى إفشال مؤامرة الأعداء لتقسيم الجيش والمقاومة اللبنانية طيلة هذه السنوات. وحتى في موضوع وقف إطلاق النار والإغلاق الذي كان يتعلق بنشر الجيش اللبناني في جنوب البلاد، أكد جوزيف عون أن هذا سيتم بالتنسيق مع حزب الله.
لطالما كانت المقاومة اللبنانية تكنّ احتراماً خاصاً لجوزيف عون في كل مواقفها، ومع أن المرشح الذي اقترحه حزب الله وحركة أمل لرئاسة الجمهورية كان سليمان فرنجية، رئيس تيار المردة، إلا أن مسؤولي حزب الله أكدوا أنهم ليسوا ضد جوزف عون ولن يعارضوه.
عندما تم ضبط مخزن سلاح حزب الله في الكحالة في آب 2023، أمر جوزيف عون بصفته قائداً للجيش بجمع الأسلحة المقلوبة للجيش وتسليمها لحزب الله. لذلك كانت علاقات الجنرال بالمقاومة دائماً جيدة جداً. من ناحية أخرى، يجب أن ننظر إلى موقف الرئيس وفقاً للدستور اللبناني ونعرف إلى أي مدى يمكن للرئيس التأثير على التفاعلات. ما ورد في الدستور اللبناني في البند الرابع حول حدود وصلاحيات الرئيس يظهر أن الرئيس هو موقف تنسيقي أكثر ولا يمكنه ممارسة السلطة بشكل مستقل في العديد من الأمور. على سبيل المثال، تنص المادة 49 من الدستور اللبناني على:
“يرأس المجلس الأعلى للدفاع وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة التي تخضع لسلطة مجلس الوزراء”
وهذا يعني أن المسؤول الرئيسي عن القوات المسلحة هو مجلس الوزراء، وليس للرئيس نفوذ كبير على القوات المسلحة. كما تنص المادة 52 من الدستور على ما يلي:
“يتولى رئيس الجمهورية المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة. ولا تصبح مبرمة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء. وتطلع الحكومة مجلس النواب عليها حينما تمكنها من ذلك مصلحة البلاد وسلامة الدولة. أما المعاهدات التي تنطوي على شروط تتعلق بمالية الدولة والمعاهدات التجارية وسائر المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة، فلا يمكن إبرامها إلا بعد موافقة مجلس النواب”
ويوضح هذا المبدأ أيضا أن الرئيس لا يستطيع أن يمارس سلطته مستقلا دون رأي رئيس الدولة وموافقة مجلس الوزراء، كما أن بعض القوانين لابد أن يوافق عليها أعضاء مجلس النواب وإلا كانت باطلة.
وتنص المادة 54 من الدستور على:
“مقررات رئيس الجمهورية يجب أن يشترك معه في التوقيع عليها رئيس الحكومة والوزير أو الوزراء المختصون ما خلا مرسوم تسمية رئيس الحكومة ومرسوم قبول استقالة الحكومة أو اعتبارها مستقيلة.
أما مرسوم إصدار القوانين فيشترك معه في التوقيع عليه رئيس الحكومة”
وبحسب هذا المبدأ فإن حتى الوثائق الصادرة عن الرئيس تكون نافذة بتوقيع رئيس الحكومة ومجلس الوزراء، ولا تكون باطلة من دون ذلك. وبالطبع يجب أن أضع في اعتباري أيضاً أن القوانين يجب أن يصادق عليها البرلمانيون ثم تنفذ من خلال الحكومة والرئيس ورئيس الحكومة، ولا يستطيع الرئيس أن يصادق عليها شخصياً. وبالتالي، إذا نظرنا إلى البنية الحاكمة والسياسية في لبنان، وإذا نظرنا إلى الدستور اللبناني، لا يستطيع الرئيس أن يقرر نزع سلاح المقاومة، ناهيك عن تنفيذه.
لكن هناك مسألة أخرى وهي أن جوزيف عون هو القائد الأعلى للجيش، والجيش اللبناني وقوى الأمن مكونة من حزب الله أو من قوى قريبة من حزب الله، وجوزيف عون على علم تام بهذه التركيبة، وإذا كنت تتذكر، فقد نشرت صحيفة الأخبار خبراً عن اغتيال وفيق صفا وقادة آخرين من حزب الله تحت عنوان “أميركا تدخل الحرب: ضبّاط ينضمون إلى محطة بيروت لإضعاف المقاومة داخلياً | CIA تشارك في محاولة اغتيال وفيق صفا” نشرت. وكانت “الأخبار” قد أعلنت، بحسب ثلاثة مسؤولين أمنيين من الأجهزة الأمنية اللبنانية، أن فريقاً أمنياً أميركياً CIA مؤلفاً من 15 ضابطاً من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية وصل إلى بيروت قبل وقت قصير من الاغتيالات، بينهم 12 ضابطاً أساسياً كانوا مسؤولين عن تحديد هوية الاغتيالات. وحقيقة أن مثل هذه الأخبار يتم الكشف عنها من قبل موظفي الأجهزة الأمنية اللبنانية، تشير إلى أن الجيش اللبناني والجهاز الأمني ​​في أيدي حزب الله، وأن الجيش والجهاز الأمني ​​تربطهما علاقات وتعاون وثيقان مع حزب الله والمقاومة. أي أن الجنرال جوزيف عون كان يتعاون بشكل وثيق مع حزب الله والمقاومة خلال هذه الفترة.
ولكن هل كان الأميركيون والفرنسيون والسعوديون، والحكومات الأخرى التي كانت تحاول جعل جوزيف عون رئيساً للبنان، لا يعرفون هذه القضايا؟! لا شك أنهم يعرفون أيضاً ما نعرفه عن جوزيف عون وتفاعله مع المقاومة وحزب الله، وبنية الجيش، وحدود صلاحيات الرئيس، ولكن لماذا أصرّوا على جعل جوزيف عون رئيساً رغم كل هذا؟! هل يريدون تنفيذ خطة وبرنامج محدد؟!
الجواب هو لا، لأنه لا يبدو أن شيئاً يمكن فعله مع الرئيس في التركيبة السياسية اللبنانية. ويبدو أن الدعم والاستشارة من قبل الأميركيين والفرنسيين والسعوديين ومحاولة جعل جوزيف عون رئيساً كان مجرد اختبار لمعرفة ما إذا كان حزب الله والمقاومة بعد نصر الله لا يزالان يتمتعان بنفس الوزن في المعادلات السياسية اللبنانية. كان الأميركيون يعتقدون أنه باغتيال حزب الله وقادته الكبار سينتهي عمل المقاومة وحزب الله على أرض المعركة ولن يتمكن حزب الله من مواصلة الحرب، لكن تصورهم كان خاطئاً وبعد اغتيال نصر الله وقادته الكبار زاد حزب الله من هجماته على حيفا وتل أبيب سبع مرات في اليوم، كما استغل قوة نيران أكبر واستهداف أهداف أكثر حيوية.
كما أظهر حزب الله والمقاومة في المجال السياسي وانتخاب الرئيس أن قوتهما كبيرة إلى درجة أنهما أقصيا بسهولة المرشح الاستعماري للرئاسة سمير جعجع. كما أن عدم التصويت لجوزيف عون في الجولة الأولى كان بمثابة رسالة إلى الأميركيين مفادها أن لديهم القدرة على عدم السماح لأحد بأن يصبح رئيساً من دون موافقة وإرادة المقاومة، وأن أي قرار في البنية السياسية اللبنانية يجب أن يكون مشروطاً بموافقة حزب الله والمقاومة. ومن خلال التصويت لجوزيف عون في الجولة الثانية، أعلن حزب الله والمقاومة أن قوة المقاومة في المشهد السياسي اللبناني كبيرة إلى درجة أنها تستطيع أن تضع شخصيات في مقعد الرئاسة إذا أرادت، ويجب على الغربيين أن يتخلصوا من فكرة أنه في غياب نصر الله يمكنهم أن يتقدموا في شؤونهم ومؤامراتهم من خلال التأثير على المشهد السياسي اللبناني.
ولكن النقطة الأهم هي أن بعض أنصار المقاومة المعادين لإسرائيل والذين يدركون خطورة إسرائيل ويؤكدون على ضرورة محاربة إسرائيل يتحدثون عن دمج حزب الله في الجيش اللبناني ويدعمون فكرة دمج حزب الله والمقاومة في الجيش اللبناني. وقد كتب عن هذا أحد الأشخاص المحترمين من أنصار المقاومة، وهو بلا شك أكثر احتراماً مني بكثير:
“بالتأكيد ان التحدي الأكبر الذي يواجه الرئيس الجديد هو سلاح المقاومة، ليس لأنه عامل سلبي، إذ لولاه لاستطاعت القوات الصهيونية ان تجتاح كل لبنان في ظرف ساعات قليله، ولكن لان اطرافا داخلية وخارجية تدفع بقوة في هذا الاتجاه، ولأنه مطلب إسرائيلي قبل كل شيء ولأسباب معروفة. ولكن هذا الموضوع نفسه يبقى هو الاساس الذي يستطيع من خلاله الرئيس عون ان يثبت قدرته على ادارة البلاد. وربما يكون الحل الأفضل في يده هو ان يعمل على دمج المقاومة بالقوات المسلحة اللبنانية وجعلها قوات حرس حدود تحمي لبنان من الانتهاكات الاسرائيلية. بهكذا حل سوف لن يضحي بقوة قادرة مقتدرة على حماية لبنان وسوف لن يضحي بتجهيزاتها وخبرتها التي اكتسبتها في هذا المجال، وفي نفس الوقت يحتفظ بها كقوة ضمن الجيش اللبناني. فهل يستطيع ان يفرض او يمرر هكذا حل؟ إذا ما استطاع ولم تعترض عليه القوى الخارجية والداخلية سيكون قد حقق نصر لبنانيا يمكن ان يقوده إلى انتصارات في المجالات الاخرى”
وهنا نقد لهذا الفكر سنورده. وكما شرحنا، فإن الرئيس بحسب الدستور اللبناني والتركيبة السياسية في لبنان هو منصب رمزي وتنسيقي ولا يستطيع اتخاذ مثل هذه القرارات. ولكن من المهم جداً أن نفهم لماذا يعتبر دمج حزب الله في الجيش اللبناني خيانة للمقاومة والقضية الفلسطينية وخدمة للاستعمار وإسرائيل. فالجيوش هي في الأساس تحت إشراف الحكومات، والحكومات لديها حدود بسبب القانون الدولي والنظام العالمي الذي صممه ونظمه الاستعمار بعد الحربين العالميتين، والذي يمنعها في بعض الحالات من دخول الحرب والدفاع عن بلدها مثل حركات المقاومة وحزب الله.
وأيضاً، مع دمج حزب الله والمقاومة في الجيش، فإن اتخاذ القرار سيخرج من أيدي فكر المقاومة وسيقع في أيدي الحكومات، والتي قد تعاني بالإضافة إلى الحدود المذكورة من مشاكل أخرى. ومن هذه المشاكل أن الحكومات ليست ثابتة ومتغيرة. على سبيل المثال، قد تكون سياسة حكومة من فصيل معين هي سياسة المقاومة، ولكن الحكومة التالية التي تتشكل من فصيل آخر قد تتبنى سياسة الاسترضاء لإسرائيل والاستعمار، أو حتى سياسة الخيانة، خاصة وأن هناك الكثير من مرتزقة الاستعمار والإسرائيليين في دول المنطقة وبين سياسيي المنطقة، ويمكن للأميركيين والإسرائيليين أن ينفقوا الكثير من الأموال والبرامج الأخرى من خلال مرتزقتهم للسيطرة على البرلمان والحكومة، وحتى الجيش والجهاز الأمني. تخيلوا ماذا سيحدث لو كانت الحكومة والبرلمان في لبنان في أيدي قوات سمير جعجع وسامي الجميل؟! في هذه الحالة، إذا تم دمج حزب الله في الجيش، فهل الشيخ نعيم قاسم هو صاحب القرار أم أمثال سمير جعجع وسامي الجميل؟!
وهناك نقطة أخرى يجب أن ننتبه إليها وهي أن الأميركيين والإسرائيليين يؤكدون بقوة أيضاً على نزع سلاح المقاومة، وبالطبع على خطة دمج مجموعات المقاومة في الجيوش في المرحلة الأولى. ولا شك أن مصالحهم الاستعمارية تقتضي دمج مجموعات المقاومة في الجيوش على الأقل لأن الجيوش، للأسباب التي شرحناها، قابلة للسيطرة بسبب محدودية الدول. وهناك مسألة أخرى وهي أن فلسفة وجود المقاومة وحزب الله لا ينبغي أن تقتصر على الدفاع عن حدود لبنان أو أي بلد آخر، على الرغم من أن أجزاء من لبنان، مثل مزارع شبعا، لا تزال تحت الاحتلال الإسرائيلي. بل إن فلسفة وجود المقاومة وحزب الله، ورؤيتنا وهدفنا جميعاً، ينبغي أن تكون على تدمير إسرائيل بالكامل وتحرير فلسطين كلها من النهر إلى البحر.
*كاتب ومحلل سياسي ايراني

Exit mobile version