د. هاني الروسان*
صار مؤكدا ان معضلة الامريكي ومشكلة المشاكل لديه انه لا يفهم او لا يستطيع ان يفهم، وانه ينظر الى البشر من فوهة مسدسه، وتلك حالة طبيعة لانسان منظومة الانتاج المادي التي تلخص الوجود بمجموعة من الاحتياجات الملموسة ولا تتجاوز الى ما وراء ذلك او انها على الاقل لا تستطيع ان تساوي بين انواع الاحتياجات، ناهيك هن عجزها التام على تصور تغليب الاحتياجات الاخرى مثل الحاجة الى الكرامة والى الوطن خارج القدرة على العيش به او الرغبة على العيش به ولو بلا طعام او شراب وفي العراء تحت سمائه على غيرها من حاجات العيش بلا ارض وبلا كرامة.
وهذه ايضا معضلة الصهيوني ابن نفس المنظومة الذي بنى مشروعة لبناء كيان له على نوازع النفس في حب السيطرة والتملك والعيش الرغيد، وعجز وما زال عن بناء رابطة اخرى توحد وجودهم في الارض الفلسطينية رغم تكاثر المدارس والاحزاب الدينية التي تحاول ان تبني رابطا ما وراء المادي، غير انها فشلت بسبب فقدان تلك المحاولات لاساس حقيقي لروايتهم تلك التي جاءت مجموعة من الاساطير والتصورات الخيالية التي تفتقر الى متانة المنطق السياقي لبناء النص الذي مهما علت متانة صياغته الكلامية واللغوية الا انه يبقى متهافا ان افتقد لحقيقة وجود ذلك المنطق السياقي الذي يجد جذوره في واقع الوجود لا في التخيلات عنه.
وهذا جزء مما قد يفسر الدلالات الرمزية لمشهدية الحماسة في عودة مواطني شمال قطاع غزة بكل هذا الجموح والفرح الى عالم من المجهول والدمار وانعدام ادنى مقومات الحياة باستثناء انها عودة للارض التي ولدوا فيها عودة لوطن له معنى ما وراء المادي الذي راهن نتنياهو وبايدن والان ترامب انهم بتدميره يمكن لهم ان يتخلصوا من جريمة التهجير القسري واستبداله بالهجرة الطوعية وان كانت قسرية في جوهرها ان تمت. وفي هذا لا لومة عليهم في اعتقادهم هذا الذي بناه نتنياهو ورهطة من زمر اليمين الديني العبثي على مشهدية الهروب والفرار من قبل مستوطنيهم نحو امريكا واوروبا وغيرها من بلدان العيش الامن بمعناه الواسع، ليس لمجرد وقوع ادنى تهديد بل حتى لتراجع اي من مقومات العيش الباذخ، فتساوت لديهم تفسيرات معنى الوجود والحياة، وغاب عنهم معنى الوجود الروحي للانسان الفلسطيني الذي يستمد وجوده من سياقات التلاحم بين حلقات تاريخ وجوده في نفس الارض التي صارت الجزء الاهم والاكبر في تكوين الوجود على عكس المهاجر المرتزق الذي يحدد وجوده بنوعية مكتساباته المادية فقط.
ولذلك نحن نصدق ونفهم الفوضى النفسية والاحباط الذي نقله الاعلام العبري عن الحالة التي المت بتنياهو وزمرة اليمين الديني والمجتمع الاسرائيلي ككل، الناجمة عن سيل العائدين باعاقاتهم وجروحهم وجوعهم بمثل هذا الاصرار وهم يؤكدون انهم يعودون الى راكام بيوتهم الذي لازال يحتضن رفاة بعض احبتهم ويعودون الى العراء والجوع والمرض والعوز ، ولكن مسلحين بعشق الارض وان كانت يبابا، وبعزم البناة الذي يعيدون الحياة لها.
هذا المعنى لم يفهمه الامريكي يوما، فهل سيفهمه تاجر صفقات تقوم الحياة عنده على مبدأ المقايضة؟؟. رغم صعوبة الجزم بامكانية الفهم الا ان ترامب سيجلس طويلا ليفهم كيف يمكن لانسان بشر ان يرفض عرضا للعيش في مكان اكثر امنا وفقا لتصوره طبعا، ويختار البقاء تحت خطر الموت والجوع والتشرد، وانه سيراجع تكتيكاته التفاوضية، وانه بدل ان يدخل في مفاوضات عبثية مع الرئيس السيسي او الملك عبد الله الثاني او الامير بن سلمان او محمد بن زايد وتميم بن حمد لاستقبال مواطني قطاع غزة، عليه قبل كل ذلك ان يسأل الفلسطيني فيما اذا كان يرغب بالرحيل عن وطنه ام لا؟؟.
كذلك فانه لم يعد للاسرائيلي مزيدا من الوقت للتفكير بخطط اضافية للابادة الجماعية وتشريد الناس من اوطانهم، بعد ان فشل تدمير ما يساوي اربع قنابل نووية على امتداد عام ونصف تقريبا من الحرب ضد شعب اعزل في تهجير نحو مليون مواطن، فما بلك بتهجير وتشريد اكثر من 8 ملايين فلسطيني، ايضا فانه لم يعد من استطالة اكثر في قامات دول الاعتدال العربي لاعتدال اكثر، وانه حان وقت الجد وشد الحيل من الشيخ حتى الولد على رأي محمد عساف.
هي ليست لحظة عاطفية بل ان حقيقة يجسدها هذا الاصرار الفلسطيني على البقاء رغم كل الاهوال، ودرس يقدمه لاشقائه قبل اعدائه بانه لن يقبل بديلا عن حقه في وطن كامل السيادة، وانه قد صار وقت ان يتعلم الامريكي قبل الاسرائيلي ان للوجود معنى غير المعنى الوهمي الذي يسطرون وجودهم ووجد غيرهم على اساساسه وجود الحقيقة وليس الوهم.
*استاذ الاعلام في جامعة منوبة
