اليمن الحر الأخباري

الارتطام بالتاريخ!

خالــد شــحام*
في دراما الزمان وتكاتف الأحزان ، يقول بديع الزمان : وعندما كان من أمر المعتمد بن عباد أمير إشبيلية فقد رأى أن ألفونسو الصليبي زاد شَرُّه وكثر كَرُّه ، وكان قد أعَدَ عُدته للقضاء على طليطلة والغدر بها ، فاستيقن بأن الدور آتيه لا محالة ، فقعد وفكر بوجالة ، حار ودار فقرر أن الخضوع فيه السلامة والمذلة ليس فيها ندامة ، فاستشار حتى خار بعقد مهادنة عاجلة لأن (إشبيلية أولا ) في صلب فكره ، فأرسل وزير الخارجية ابن عمار كي يحظى بأفضل حوار مع ألفونسو المكار ، تفاوض ابن عمار مع حاشية ألفونسو وتوصل بعد صولات وجولات إلى صفقة وصفقات ، فجــاد عليه كرم ألفونسو من ماء المهانة بعد أن شَـدَّ آذانه :-
يُسمح للمعتمد بن عباد أن يغزو طليطلة جارته وأخوته ، يغلق عليها المعبر ويمنع عنها الماء والغذاء ، ثم بعد الفتك بها يسلم منها إلى ألفونسو الاراضي الشمالية .
يُسمح للمعتمد بن عباد بأن يؤدي الجزية سنويا لقشتالة بما لايقل عن ألفي قطعة مع مراعاة ارتفاع الضريبة السنوية والفوائد الربوية .
ألا يعترض المعتمد بن عباد على الاستيلاء على كامل طليلطة وبناء القصور والملاهي فيها ، وفعل ما يشاء بأهلها حتى لو تم تهجيرهم إلى جهنم أو بيعهم كمغنم .
يُسمح للمعتمد بن عباد بتمثيل رفضه لاحتلال أو تهجير طليلطة وشتم ألفونسو بما يجب عنه القيل والقال والقلاقل وبما يمنحه شرعيته العربية الإسلامية على جماعته في النوافل .
في صَفَر 1085 سقطت طليطلة العظمية تحت بسطار ألفونسو ، وناح عليها الغربان وتزلزل جسد العالم الإسلامي ما بين الشرق والغرب ، كانت أحوال المعتمد بن عباد مُهلهلة ودبت في عقله التَنبلة ، ومع غارات وضربات الصليبين عليه كان متأكدا من أن الأخوان المسلمين في سرقسطة هم السبب في البلاء ، فأشار عليه وزراؤه بقطع الكهرباء وزيادة الضريبة على الفاصولياء ، تدهورت العملة وصار سعر الصرف أرخص من جملة ، وفي غمرة الأزمة يرسل ألفونسو وزيره اليهودي روبيو لأخذ الجزية المتاخرة والديون المتراكمة ، اضطر المعتمد لجمع الفَكَّة لينقذ السكة ، فزاد السخط وتحضرت الدَّكة ، لكن كل ذلك لم يشفع له أمام ترامبونسو ، ولما اعتذر المعتمد عن الدفع وبلغ ألفونسو الخبر غضب جدا فطالب المعتمد بالتكفير عن ذنبه بالتخلي عن المزيد من الحصون ، وإمعانا في إذلاله أمره بأن تلد زوجته الحامل في مسجد قرطبة الكبير !
عندما سمع المعتمد كل ذلك ثارت حميته ورفض ، فما كان من الوزير اليهودي إلا أن أهانه أمام حاشيته وتعالى عليه بقطع المعونة والإتيان بالكهونة ، فقتله المعتمد بقطع رأسه وصلبه في قرطبة واعتقل بقية الوفد الألفونسي .
جن جنون ألفونسو وانقض على اشبيلية بجند مثل الذباب ، فحرق وقتل وحاصر الإرهابيين والإرهاب ، فلما ضاقت الأرض بما رحبت استجار بن العباد بدولة المرابطين وسدد عبارته الخالدة : أن أرعى الإبل عند بن تاشفين خير من رعي الخنازير في حظيرة ألفونسو !
ليست الفقرة السابقة ذكرى للذاكرين ولا هي اجترار للتاريخ لتذنيب الحاضر ، لكنها حبوب اللقاح المبيتة في الماضي كي يزهر الحاضر ، لم يقف بن عباد ونظراؤه من أمراء الطوائف عند عتبة النهاية وخيانة العروبة والإسلام بل أسسوا كارثةً متدحرجةً عبر مسالك القرون لتعلق في حاضرنا وتتشجر بالنسخة الأبشع من الانحطاط والسقوط المدوي في بئر الحضارة ، لم يعد هنالك من شك بأن النسخة الأحدث تفوقت على كل ابتكارات الخيانة والارتداد والكفر المُحلى بالذهب والنساء والمتاع ، ليس هذا التطور الانحطاطي حصرا بالمعتمد وزمرته المتواطئة في خيانتنا جميعا بل وصل التطور إلى نسل ألفونسو ليأتي لنا بالنموذج الأقبح الذي نسمعه اليوم وهو يطارد سكان غزة ويطارد القضية الفلسطينية ويحول العرب جميعا إلى سلعة في عربته المتجولة ، لقد انفجر صندوق امراء الطوائف التاريخي وانفجرت معه الحملة الصليبية الاستعمارية بصورتها الصهيونية الجديدة وطفحت مجاريرها حتى وصلت القرن الحادي والعشرين ، وعلى الجميع اليوم أن يتحمل الرائحة والاتساخ الحضاري والزماني والمكاني ويتحمل هذا العار الذي لم تغسله سوى بنادق المقاومين .
كنت قد اجتهدت قبل ساعات في هذه المقالة في وضع القارىء في صورة بنود الرؤية لمسار هذه المتسلسلة من أيام العار ، لكن الغضب وَبَّخني وأمرني بأن القارىء العربي يحتاج الان أبعد من تنبيهه إلى خطط العدو واستراتيجيات المكر وسائر سخافات التحليل ، لذلك مسحت كامل الصفحتين لكي نعود مرة أخرى إلى منطقة الهزل والشعور بالإزدراء والغثيان مما يفعله أمراء الطوائف والملك المهرج الذي يحكم كل هؤلاء.
لو كان هنالك من مقياس للرداءة التاريخية والنذالة الحضارية لتم رصد أعلى مقاساتها الان في هذا الزمان الأمريكي والعربي الذي تفوق على انحطاط ملوك الطوائف الذين يتدافعون على البوابة العبرية ، ولو كان هنالك من سباق في الهزائم وتحقيق أعلى نسبة من الانبطاح لناله الحال العربي اليوم بلا منازع ! لقد أصبح خائن التاريخ المعتمد بن عباد بطلا قياسا لما تقوم به الأنظمة العربية في هذا الزمان ، ولو كانت هذه الكلمات مسدسا لقتلت بها مستنسخات بن العباد وقتلت نفسي .
يقول المنكرون بما وراء الغيب بأن ما بعد الموت والشبع من هذه الحياة والأموال والدعم والجاه والسلطان لا يوجد سوى سكون ومنطقة باردة ونوم سرمدي وربما ضوء أبيض باهت باعث للسكينة ، ولا يوجد حساب ولا عذاب و لا شيء من هذه الأساطير والخرافات ، لكن العلوم الأرضية التي كشفت المادة والطبيعة والفضاء تؤكد بأن الحقيقة المطلقة هي أن كل آتيه يوم القيامة فردا ، وتؤكد أيضا بأن نظرية العذاب الفيزيائية الكونية هي حقيقة مطلقة لا لبس فيها ولا شعوذة.
ما عقده وما تلفظ به ترامبونسو الجديد في مؤتمره الصحفي مع المجرم الطليق نتانياهو مساء الثلاثاء الماضي لا يُعد فقط ايفاءا منه لديانته الحقيقية ووعوده لحزمة الداعمين ، بل هو أكثر التطورات الدرامية خطورة في إنهاء الحق العربي الفلسطيني ومحاولة إحكام الخناق على القضية الفلسطينية ، بل هي أكثر المحاولات جرأة وتهورا ، ليس ذلك فحسب بل هو إنهاء الاعتراف بالعرب والمسلمين علنا كوجود مؤثر في مسرح السياسة العالمي وسيرك الصراع الدولي وتحويلنا جميعا ومرة أخرى إلى توابع أو ممتلكات في بلاد ذي الثلاث ملل ، بائع العربة المتجول ، لكننا مرة أخرى نعيد تذكير أنفسنا وتذكير هذا العالم بأنها ليست المحاولة الأولى ولا الأخيرة ونؤمن مطلق الايمان بأن النتائج نفسها كل مرة في سقوط كل هذا السعي الشيطاني .
لم يتطور انحطاط أمراء الطوائف فحسب بل تطور انحطاط ألفونسو وعلا واستكبر إلى الحد الذي يريد عنده استعادة أمجاده في حقه الاعتدائي في طليلطة الجديدة التي تنوب في بلاد العرب كلها ، الأهم من كل ذلك أنه بمعية كل ذلك الانسياق الطبيعي للتطورالانحطاطي ، لم ينس التاريخ أبدا أن يمنح الجهة المقابلة الفرصة المماثلة ، فعندما تنحرف القيم والمفاهيم وتتساقط المعاني الخالدة وتحل محلها معاني الكراهية والوقاحة التاريخية تأتي متعلقات تصحيح المفاهيم وارجاع القيم العليا الى مكانها ، وها هوالتاريخ يصعد بيوسف بن تاشفين جديد ، جديد تظهر علاماته في غزة واليمن وسائر مواقع البطولة ، ستغرق سفينة ألفونسو وفرسان الطاولة المستديرة من نسخ بن عباد الأشد صهيونية وخيانة ، وسيكون عام الألم هذا هو عام النصر والدحر الكبير لألفونسو وعصابته ، والأيام بيننا !
*كاتب فلسطيني

Exit mobile version