الياس فاخوري*
بين جدلية التاريخ وجدلية الجغرافيا، لبنان من “وقف الله” و”أريكة القمر” الى “الفائض الجغرافي” و”االخطأ التاريخي” فمنبر “مرجانة”!
مستوعباً لجدلية التاريخ، ولجدلية الجغرافيا كان لبنان موطن الانسان مذ كان، كما هو حديث مختلف الاديان السماوية منذ القدم .. و في اسمه “قلب الله” (لب: قلب، و”نان/نون”: اسم الله) .. عاش الانسان في لبنان منذ 180,000 سنة وفقاً للاثار المكتشفة، غير ان المدون من هذا التاريخ يعود الى 5,000 سنة اي العام 3,000 قبل الميلاد حيث سكنه الكنعانيون الساميون من أولاد سام بن نوح، والاشوريون والبابليون والفرس والاغريق والرومان والعرب .. وجعل منه موقعه الجغرافي بين القارات القديمة الثلاث اسيا واوروبا وافريقيا مقراً وممراً للعديد من الثقافات والحضارات التي اتته من داخل اراضي هذه القارات ومن خلف البحار فازدادت أهميتة التاريخية!
لبنان وقف الله الان والى الازال .. لبنان موطن ارز الرب ومسكنه!
“ونظر موسي الى الشمال، الى ارض لبنان والجبال! وهذا الجبل لمن؟ قال! اغمض عينيك!!! محال! اجابه الله بصوت زلزال… وقف لي، هذه الارض والجبال، لن تطأها، قدماك، ولا كل ما عندك من رجال!!! لبنان وقف الله الان والى الازال.”
(يشوع بن سياغ 1/4، حزقبال 30/3، 31/15).
وعليه دخل لبنان في حماية ملائكة الله وقدّيسيه وحراسة رجاله في الميدان .. وهم على ارضه صُلبوا، وسجدوا، وقُصفوا .. على ارضه وقفوا، وهبّوا كإعصار، و”ركبوا براق الله، وانسكبوا بشلال من الشهداء” مع الاعتذار من والشكر لعمر الفرا وقد تصرفتُ ببعضٍ من أبياته!
اما هنري كيسنجر فقد وصف لبنان بـ”الفائض الجغرافي” .. ورأى فيه آرييل شارون “االخطأ التاريخي” فقاد دباباته الى القصر الجمهوري، وفعل ما فعل قبل أن يفاجأ بما وصفه يهوشوا ساغي (رئيس الاستخبارات العسكرية) بـ”انبعاث الروح اللبنانية” الامر الذي دفع رئيس الحكومة ايهود باراك الى “الخروج من جهنم”!
وهذا ترامب ما زال يرى ان الزمن العربي يبدأ بساقي شهرزاد ولا ينتهي بساقي الليدي غاغا، فبعث ب”مرجانة” (مورغان اورتاغوس) برقصة المستوطنة الإسرائيلية!
صدر عن مرجانة هذه كلام من منبر القصر الجمهوري في بعبدا وكأنها مستوطنة إسرائيلية تغرد على وسائل التواصل الاجتماعي، وليست مبعوثة رئيس دولة عظمى معنية “بمراعاة أدبيات السلوك الدبلوماسي لراعي اتفاق وقف النار بين أطراف في حالة عداء يفترض أنّها وسيط نزيه بينهم، فجاهرت بشكر عدو لبنان من المنبر اللبنانيّ لأنه قتل آلاف اللبنانيين ودمّر آلاف الوحدات السكنية متسبباً بتهجير عشرات آلاف اللبنانيين” .. هنا لا بد من شارل تاليران، “الشيطان الأعرج”، وأحد نجمي مؤتمر فيينا (1815) مع كليمنت ميترنيخ ونظريته حول التقاطع بين الجنون العسكري والجنون الديبلوماسي: “مثلما الحرب تقتضي رؤوساً مجنونة كذلك الديبلوماسية”.
وبعد، الا تُذكِّرُنا هذه الواقعة الفاجعة بالطاغية عبيدالله بن زياد يوم ردّت عليه الحوراء السيدة زينب بقولها:
“ما رأيت إلا جميلاً ، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل ، فبرزوا إلى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجون إليه وتختصمون عنده فانظر لمن الفلج يومئذ ، ثكلتك أمك يابن مرجانة”!!
وهنا نستعيد ميشال شيحا اذ نبَّهٓنا “ان من يتاخم اسرائيل يتاخم مشتلاً للعنصرية”، وشارل مالك الذي حذّرنا مما يحضرون له .. حذّر من العصر الصهيوني منذ 1949.
ويبدو ان اياً من الصلوات او الدعوات والأدعية وبكافة اللغات ومن كل الديانات لم تبلغ السماء، وهذه فرصة “النتن ميلكوفسكي” التوراتية لاعادة لبنان (النموذج المضاد لثقافة الغيتو ولثقافة الكهوف) الى العصر الحجري .. وها هو وبإصرار متزايد، يستحضر تعهده المتكرر بخصوص “تغيير الشرق الأوسط” متَّكئاً على تصريح يهوشوا ساغي، رئيس الاستخبارات العسكرية “الاسرائيلية” صيف 1982: “بيروت طريقنا الى سائر العواصم العربية” .. هنا الطريق الى دمشق وطهران، مروراً ببغداد وصنعاء .. فبوابة غزة مقفلة، ولان لبنان يُمثِّل صيغة العيش المشترك، النموذج النقيض ليهودية الدولة بثقافة الغيتو والانغلاق .. وهذا الجنرال افرايم سنيه يقول “لن نترك كلباً يعوي في بيروت” ليلاقي الجنرال رفاييل ايتان بقوله “العربي الجيد هو العربي الميت”لكأن النصوص التوراتية تتقيأ الدم والبغضاء .. اما آفي شلايم، المؤرخ “الاسرائيلي”، فقد تحدث عن “الآلهة المجنحة”، الآلهة الوثنية التي تستوطن رؤوس ذئاب اليمين.
أنهم معلبون توراتياً بثقافة الغيتو .. بالتأويل الجنوني للتوراة حيث لا يكتفي “رب الجنود” بالقتل والاقتلاع والاغتصاب، بل يمشي فوق جثثنا .. فمن حقنا إذن ان نستشعر دبيب “الحاخامات” بين السياسات الأميركية حيث يبدو التخوف من النموذج اللبناني بصناعته العربية المسيحية .. وحيث تتمثل لعنة العرب المسيحيين في دورهم البناء نحو الدولة الحديثة و تكريسآ لعبقرية التنوع .. فلا بد اذن من اقتلاع هذا النموذج (التنوع في الوحدة) ولا باس باقامة دولة مسيحية صرفة تحرس حدود اسرائيل الى جانب دويلات مذهبية سنية و شيعية وربما درزية صافية!
وبعد، هل باستطاعة الديبلوماسية اقفال أبواب الجحيم حيث يبتغي ملوك التوراة بناء الهيكل الثالث بجماجمنا!؟ ومن بمقدوره اذن ان يُنهي طريق الجلجلة؟
نثق بحكمة وحنكة فخامة الجنرال ودولة القاضي وبغضبها المقدس .. فلبنان وقف الله” و”أريكة القمر” وليس “فائضاً جغرافياً” او”خطأً تاريخياً”، ولا هو منبر “مرجانة” او “مَغَارَةَ لُصُوصٍ“ .. عليكما – ولو بسوطٍ من حبال – بطرد التجّار، وإخراج جميع الذين كانوا يبيعون ويشترون في الهيكل .. ولتقلبا موائد الصيارفة وكراسي باعة الحمام .. نعم ابدأوا بإعادة أموال المودعين كاملة غير منقوصة وليعد لبنان “قلب الله” ( لب: قلب، و”نان/نون”: اسم الله).
الدائم هو الله، ودائم هو لبنان، ودائم هو الأردن العربي، ودائمة هي فلسطين ..
نصركم دائم .. الا أنكم أنتم المفلحون الغالبون ..
*كاتب أردني
