د. لينا الطبال*
المقال هذا اليوم ليس عن حدث وقع، بل عن صورة لم تحدث أصلا، تلك الصورة التي جمعت دونالد ترامب، إيلون ماسك، وبنامين نتنياهو، والتي قيل إنها مجرد خدعة من صنع الذكاء الاصطناعي. المفارقة؟ أن الثلاثة لم يجتمعوا معا قط، لكن فكرة وجودهم في صورة واحدة لم تدهش أحدا، ولم تثير أي ريبة… صورة مزيفة تثير نقاشا أكثر من مؤتمر صحفي على ارض الواقع …. هذه هي خطورة الذكاء الاصطناعي، قادر على تزييف الواقع تماما كما تفعل السياسة، الفرق الوحيد أن الأول يحتاج إلى خوارزميات، بينما الثانية تكتفي بالكذب الممنهج.
في هذه الصورة الافتراضية يقف بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل ومجرم الحرب الرسمي، إلى جانب إيلون ماسك، الملياردير الذي يشتري كل شيء، ودونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة الذي يشتري كل شيء ايضا. يبتسم الثلاثة ابتسامة عريضة، وكأنهم يسخرون منا… او هكذا يبدو على الأقل. للوهلة الأولى، قد تظن أنها صورة عفوية لثلاثة أصدقاء يلتقون في حفل عشاء. ولكن، هل هي كذلك حقا؟
بدلا من استقبال حلفائه من الدول الكبرى كالصين والاتحاد الأوروبي او حتى بريطانيا، قرر ترامب أن يفتتح قائمة ضيوفه في البيت الأبيض بمجرم حرب مطلوب دوليا: نتنياهو.
ترامب الذي يكافح الهجرة نحو بلاده، يصر على تهجير سكان غزة من وطنهم. يبدو أن الرجل فقد عقله! (إن كان يملكه أصلا) … هو بالكاد يفهم خريطة الشرق الأوسط ويظهر جهله الفاضح بتعقيدات وواقع المنطقة وتاريخها. والتاريخ الطويل لنضال شعب رفض التخلي عن ارضه… سذاجة سياسية خطيرة، أو تجاهل متعمد لجوهر القضية؟؟
لو كان ترامب جادا في البحث عن حل لمشكلة غزة، لبدأ من حيث بدأت المشكلة: عام 1948، عندما قام الاحتلال بسرقة الأرض وتهجير السكان من مدنهم وقراهم. الحل الحقيقي لمشكلة غزة هي إعادة سكانها من اللاجئين إلى ديارهم في حيفا ويافا واللد والقدس وعسقلان، المدن التي طردوا منها تحت فوهات البنادق… لكن لا، ترامب لا يريد مواجهة التاريخ.. باعتقاده أن العالم غبي بما يكفي ليصدق أن حلولا خيالية يمكن أن تنهي معاناة مستمرة منذ عقود، هل هو فعلا جاد بهذا الطرح او هو كعادته يطرح مجرد مسكنات مؤقتة لاثارة الجدل؟؟…
يقف ترامب اليوم متحديا المحكمة الجنائية الدولية، وكأنه يريد أن يثبت للعالم أن أمريكا وحدها هي من تصنع القانون وتعاقب من تشاء. فالعدالة، في نظر الإدارة الأميركية، ليست مبدأ عالميا شاملا، بل أداة ضغط تستخدمها ضد أعدائها، بينما تحصن حلفاءها من أي مساءلة، ويتم كسرها عندما لا تخدم مصالحها.
هذا العداء الأميركي للمحكمة الجنائية ليس وليد اللحظة، بل هو ثأر قديم تعود جذور القصة إلى عام 1998 في روما، حينها، حاولت واشنطن فرض هيمنتها على العدالة الدولية، وسعت بكل الطرق إلى ضمان حصانة جنودها ومواطنيها من أي محاكمة، لكنها فشلت. كررت المحاولة في نيويورك، لكنها لم تستطع … حتى اضطر بيل كلينتون، في آخر أيامه بالبيت الأبيض، إلى التوقيع (وليس التصديق) على الميثاق على مضض، في محاولة لحفظ ماء الوجه.
آنذاك، لم تكن المحكمة قد ولدت بعد، كانت مجرد نص في ميثاق روما، وكانت أميركا تأمل في أن تظل كذلك، رهينة لمفاوضاتها ولعبة نفوذها. لكن ما لم يكن في حسبان واشنطن أن الميثاق دخل حيز التنفيذ، والمحكمة أصبحت حقيقة قائمة في الأول من آب 2002. حينها، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام مؤسسة قضائية لا تخضع لإملاءاتها، ولا يمكنها شراء قضاتها كما تفعل مع بعض الأنظمة السياسية.
منذ ذلك الحين، لم تهدأ واشنطن، وأعلنت العقوبات، وفرضت القوانين ضد المحكمة، بل وهددت قضاتها ومحققيها علنا وبدات بفرض عليهم العقوبات…. في العقيدة الأميركية، العدالة هي أداة تخدم مصالح الولايات المتحدة فقط. والمحكمة التي تجرؤ على محاكمة جرائمها أو جرائم حلفائها ليست سوى عائق يجب القضاء عليه. هذا تماما فحوى نص الأمر التنفيذي الذي وقعه ترامب البارحة، حيث لا مكان للعدالة إلا إذا كانت تحت السيطرة الأميركية. يبقى ان نعرف ان “الترانسفير” يعتبر جريمة ضد الإنسانية بنص ميثاق روما (م.7).
لكن لنعد إلى ترامب، الرجل الذي بدأ حملته الانتخابية وهو يتفاخر بأنه سينهي الحروب، وهو الوعد الذي صدقه قسم كبير من الناخبين، بل شكل جزءََ من شعبيته. هذا هو ترامب الذي لم يخف طموحه في الحصول على جائزة نوبل للسلام، والذي حاول أن يسوق نفسه كرجل سلام “يعيد ترتيب الفوضى العالمية”… فهل سيرمي بكل ذلك من أجل نتنياهو؟
لنكن واضحين اذا: تهجير سكان غزة قد يكون شرارة لإشعال حرب جديدة في الشرق الأوسط، قد تطال الوجود الأمريكي نفسه…
ثمانية عشر دولة عضوا في حلف شمال الأطلسي، دخلوا حربا ضد يوغوسلافيا عام 1999، بحجة منع التطهير العرقي. لكن الآن، أمام مشروع الترانسفير الذي يطرحه ترامب، يبدو أن هذه الدول قد أصيبت فجأة بالصمم، أو ربما قررت أن تنظر في الاتجاه الآخر، وكأن شيئا لم يكن!
سواء سماه ترحيلا، تهجيرا طوعيا، أو “تسليما من قبل نتنياهو”، فالحقيقة واحدة: تطهير عرقي على الطريقة الأميركية. ونسخة محدثة من المجازر التي صنعت تاريخ الاستعمار الأميركي… تماما كما تم طرد الهنود الحمر من أراضيهم، وسُلبت حياتهم وثقافتهم تحت شعار “التوسع”. لم يكن الأميركيون بحاجة إلى مبررات أخلاقية عندما أبادوا الهنود الحمر، وها هم اليوم، بنفس المنطق الوحشي، يتحدثون عن غزة وكأنها شعب يمكن التخلص منه بإعادة توطينه قسرا في أي مكان آخر.
ومهما حاول ترامب أن يلبس الترانسفير ثوب “التنمية فإن جريمة بهذا الحجم لن تُمحى بتلاعب المصطلحات. أمام هذا المخطط، هناك حقيقة واحدة: ما يُسمى “الترحيل الطوعي” هو جريمة ستظل تلاحق مرتكبيها حتى أبواب لاهاي.
نتنياهو، الذي يُلقبه الشارع الاسرائيلي بـ”بيبي ملك إسرائيل”، حقق نصرا دبلوماسيا مصطنعا بصوره في البيت الابيض، قابل به النصر الاعلامي لحركة حماس في صفقة تبادل الأسرى. بابتسامة عريضة، ظهر إلى جانب ترامب، ضاحكا مبتهجا، بينما تُنشر صور لقاءاته في كل أنحاء العالم. لقد تم استقباله في البيت الأبيض كقائد محترم، فرش له السجاد الأحمر، قُصَّت له الشرائط، وكأن التاريخ قد غفر فجأة لمجرم حرب مطلوب دوليا.
لكن دعونا لا ننسى أن رئيس وزراء إسرائيل لا يزال سجينا سياسيا بطريقة غير مباشرة. فنتنياهو، الذي اعتاد التفاخر بأنه يستطيع السفر إلى أي مكان في العالم، لم يتمكن حتى من الذهاب إلى بولندا لإحياء ذكرى تحرير معسكر أوشفيتز، لأنه ببساطة مطلوب للعدالة الدولية … صحيح ان الولايات المتحدة ليست طرفا في نظام روما الأساسي، مما يعفيها من تنفيذ مذكرة توقيفه، إلا أن هذا لا يمنع القضاة الفيدراليين الأميركيين من استخدام هذه المذكرات لملاحقته إذا قرروا ذلك.
باختصار، نتنياهو يعيش في حالة انعدام الامن القانوني المطلق. لا يعرف بالضبط متى وأين قد يجد نفسه في ورطة قانونية، ولا يستطيع التنبؤ بسلوك حلفائه تجاهه، حتى داخل الدول التي لطالما اعتبرها “ملاذا آمنا”. فهو اليوم رئيس حكومة، لكنه أيضا رئيس مطلوب للعدالة، يمكنه أن يبتسم في الصور، لكن لا يمكنه التحرك بحرية….
*أستاذة جامعية، باحثة في العلاقات الدولية والقانون الدولي لحقوق الإنسان – باريس
من قال إن الإبادة الجماعية تُفسد الصور التذكارية؟
