عبد المجيد الادريسي*
لم يعد المواطن المغربي بحاجة إلى تقارير المنظمات الدولية أو التحليلات الأكاديمية ليكتشف حجم الكارثة التي تغرق فيها البلاد. يكفيه أن يفتح عينيه، أن ينظر حوله، ليجد وطنًا تتآكله الفوضى، ينهشه الفساد، ويُدار بعقلية النهب والاستبداد.
حوادث صادمة تتكرر بلا خجل: الطفلة سلمى تموت في مستشفى بلا تجهيزات بمضيق الذل، أستاذة تكابد الحياة في جبال الموت، قوافل الهجرة تتدفق من الفنيدق بحثًا عن فرصة للنجاة، ضحايا زلزال الحوز يُتركون في العراء، في انتظار تعويضات لن تأتي إلا في خطابات التلفزيون. إنه وطنٌ يُداس فيه الإنسان، وتُزهق فيه الكرامة، ويُذبح فيه الأمل كل يوم.
مغرب السقوط الحر: حين يصبح الفقر سياسة دولة
لسنوات، ظلت السلطة تسوق لنا “خطاب التنمية”، و”الرؤية الاقتصادية الطموحة”، و”الإصلاحات العميقة”. لكن، هل التنمية تعني أن يموت المرضى على أبواب المستشفيات؟ هل الإصلاح أن يتحول حلم المواطن إلى قارب موت؟ هل التقدم أن تستنزف الملايير في مهرجانات التفاهة بينما يعاني المغاربة من أبسط مقومات الحياة؟
الحقيقة الصادمة أن ما يجري ليس أزمات عابرة، بل هو نتيجة مباشرة لعقود من السياسات النيوليبرالية المفترسة، حيث تسيطر أقلية نهمة على الثروة، بينما يترك الشعب بين مطرقة الفقر وسندان القمع.
الفساد لم يعد استثناءً، بل صار القاعدة.
المحسوبية ليست انحرافا، بل أصبحت هيكلا إداريًا مقدسا.
الاستبداد لم يعد انحرافًا سلطويًا، بل صار عقيدة للحكم.
إنه وطن يحكم بمنطق الغابة، حيث القانون هو القوة، والعدالة حبر على ورق، والكرامة مجرد شعار أجوف الردة السياسية: حيث تدفن الديمقراطية ويعدم الحق لم يعد المغرب يدار حتى بواجهة ديمقراطية زائفة، بل أصبح المشهد أكثر وقاحة:
برلمان بلا سلطة، وحكومة بلا قرار.
قضاء خاضع، وإعلام خادم.
اقتصاد يرهن للخارج، وسيادة تباع على طاولات المفاوضات.
أما المواطن، فهو مجرد رقم في معادلة حسابية، يستخدم عند الحاجة، ويرمى عند انتهاء الصلاحية. يطالبونه بالصبر وهو يحترق بأسعار قاتلة، يحدثونه عن الإصلاح بينما يتزايد القمع، يطلبون منه الأمل وهو يرى وطنه يباع قطعة قطعة لمافيات السلطة والمال.
المغرب بين الانفجار أو التغيير: لا خيار ثالث
ما يحدث اليوم ليس مجرد أزمة، بل هو قنبلة موقوتة. إن المغرب يقف على مفترق طرق خطير: إما إصلاح جذري يعيد توزيع الثروة ويضمن العدالة الاجتماعية، أو استمرار هذا العبث الذي لا يقود إلا إلى الغرق والانفجار.
لكن، ليعلموا جيدا: الشعب المغربي ليس قطيعا، وليس غافلا. قد يتحمل، قد يصبر، لكنه يرى ويسجل. والأيام دول. قد يتأخر التغيير، لكنه آت لا محالة.
*كاتب واعلامي مغربي
