اليمن الحر الأخباري

بائع الزهــور!

خالــد شــحام*
على طرف مبنى تجاري ثمــة متجرٌ صغيرُ المساحة معروضٌ للإيجار على مدى شهور طويلة، تقلب على هذا المتجر عدد لا بأس به من المجدفين في الرزق، كانت أولى المحاولات متجرا للهواتف الخلوية والبطاقات، استمر شهرا ثم أغلق، جاءت بعدها محاولة تحويله إلى محل للكهربائيات فصمد بضعة شهور ثم اغلق، استلمه عقب ذلك شاب مثابر لبيع الوجبات السريعة وراح يطارد بدراجته ليلا ونهارا في التوصيل لتثبيت العمل ثم استسلم بعد شهور وأغلق، أسرع المحاولات فشلا كانت عندما اجتهد فيه فاشلٌ آخر لعمل متجر للسجائر ومشتقات الآرجيلة فقام بعمل الديكورات والتهليلات والافتتاحات فلم يكمل أسبوعين وهرب في ليلة بلا قمر.
منذ ما يقارب الشهر لاحظت نشاطا دَبَّ في المحل المغلق حيث شرعت ديكورات جديدة تُنصب فيه ولوحة إعلانية بالانجليزية تحمل الإسم مع رقمي هاتف لشابين لتُعلن عن افتتاح متجر لبيع الزهور والورود والهدايا.
عقب أسبوع من ذلك مررت من جانب المتجر لأجد الواجهة مليئة بمنتجات الأزهار والبالونات الملونة وعلب الهدايا، وامام المحل تتكوم كومة كبيرة من الزبالة والعلب الفارغة ومخلفات العمل، وبالقرب من هذه الكومة كان الشابان صاحبا المتجر يجلسان مسترخيين وهما يشفطان الدخان من أرجيلتين بطول مدفع الهاون، ويبدو الأمر عال العال ولا حرج من شيء، على الواجهة الزجاجية تم تعليق دميتين لدُبٍّ بلون أحمر وآخر بلون أزرق وطول الدمية الواحدة لا يقل عن طول صبي بالغ، الملفت في الأمر أن عملية التعليق كانت من الرقبة بما يشبه عملية الشنق، يدا الدب تتدلى نحو الأسفل ورأسه مطأطىء ولو كان له لسان لخرج من فمه!
بعدها بعدة أيام وقبل اقترابي من المجمع التجاري الذي يقبع فيه هذا المتجر كانت موسيقى مرعبة تندلع من بعيد مع أغنية من فئة النهيق والزعيق، تبين لي خلال دقائق قليلة ان المتجر المذكور يضع مكبرا للصوت على فوهة متجره لجذب الزبائن أو لفت الانتباه وفقا لما يتوقعه في زمن الشقلبة، عقب اقترابي من المتجر كانت مجموعة من الصبايا وطالبات الدراسة يشترين زهورا، كل واحدة منهن تحمل زهرة ما وتغادر ظافرة بهذه الأيقونة الملونة وتذهب الى حال سبيلها والشاب الموهوب يمازحهن ويلعب معهن.
في مرة تالية كانت مجموعة من الرعاع الذين يضحكون ويصيحون على مسمع الشارع يدخلون المتجر وتبدأ الضحكات بالعلو والخيلاء حيث يبدو أن صاحب الزهور صديق لهذه المجموعة، راقبت هؤلاء الشبان من دخولهم وحتى خروجهم وقاطرة النفايات من اعقاب السجائر وعلب الريد بل والمشروبات تتبع خطاهم، كل واحد منهم يوحي بأنه خارج لتوه من سجن البلدة أو عائد من حاوية كبيرة أو من رحلة البراري واصطياد الضفادع.
أروع المشاهدات التي رصدتها على مدى أيام متفاوتة كانت تتمثل في نوعيات الزبائن الذين ينزلون للشراء من هذا المتجر، أصحاب الوشوم السوداء المقززة على الذراعين، شباب يمتلكون لحية تشبه المكنسة المصنوعة من القش اليابس وحليقو الرأس ينزلون ليشتروا باقات من الورد الحزين برفقة بالونات حمراء، أطرف الملابسات وقعت يوم الفالنتاين العظيم حيث شاب بعمر لا يتعدى العشرين عاما يخرج مثل المتلصص وهو يحمل دمية مع باقة ورود وبصحبته صبية ربما لا يتعدى عمرها ستة عشر عاما، لسوء حظه يبدو أن والد الطفلة يمر بالصدفة فيلمح الإثنين فينزل من شاحنته وينهال باللكمات على الشاب ويتحول الشارع إلى مهرجان سياحي.
قبل عدة أيام وفي غمرة اللهو مع موضة عيد (الفالنتاين ) الطازج، كانت المفاجأة الكبرى حيث طرأ ازدحام في طول الشارع وعرضه على هذا المتجر وتسبب في عمل اختناقات مرورية واضحة بسبب الحب ! لم أكن أعرف حقيقة أن لدينا كل هذا القدر من العشاق والمحبين في هذه المدينة ولم أعلم أن العشق يمكنه إغلاق الشوارع، لقد اضطر المتجر لجلب شاحنة صغيرة من دمى الدببة الحمراء وكمية هائلة من البالونات والأزهار لتلبية قلوب العاشقين وتم بيعها بسرعة قياسية وكأن هنالك ندرة في العشق والمحبة .
المضحك في الأمر أن فضولا غريبا دب في عروقي لمراقبة السلوك العام لحال المتجر في (عيد الحب ) وكأنني أراقب تجربة علمية في المختبر المفتوح، كانت هنالك ملاحظتان اساسيتان، الأولى هي تفاوت كبير في أعمار الزبائن الذين يرتادون المتجر، كبار وصغار السن لهم حضور واضح وغريب، الثانية أن حجم الإقبال والمبيعات يؤكد وجود دوافع ومحركات تتفوق على حالة الركود الاقتصادي الشاملة التي تعبر البلاد والأهم من كل ذلك، ما هي دلالات ما نراه ولو بالمقياس الصغير؟ والأكثر أهمية هو السؤال اللحوح المؤلم : ألم تزلزل غزة قلوب أصحاب الفالنتاين ؟ ألم يتمكن أحمر غزة من استحياء أحمر الفالنتاين العربي الرخيص ؟
تأكدت بيني وبين نفسي أنني كنت أراقب وأتابع بالتقسيط مشهدا من مشاهد الغربة، قطعةٌ صغيرة جدا تنوب عن فسيفساء الهزيمة الاجتماعية الكبرى التي تتأكد كل مرة، لم أعد أعلم من هو الذي يكاد يفقد عقله، أنا هذا المجنون الوحيد المتأمل أم هذه المجتمعات التي تبتلع حبوب الشهوة بصحبة آلاف الأرواح البريئة المزهقة ؟
ذات مرة في سنوات منثورة في القصة المسحورة، كنت أحضر مؤتمرا علميا في تونس العاصمة الجميلة، التقيت على هامش المؤتمر وعلى مدى اسبوعين بصبية تونسية جامعية كانت من المنظمين للمؤتمر، تملكت قلبي بكل جوارحه رغما عني بسبب أخلاقها ومثابرتها وبراءتها وجمالها الفائق وعذوبة روحها، كانت تعشق كل شيء فلسطيني مثلها مثل شعب تونس العروبي، عرضت عليها الزواج فوافقت دون تردد، لكن والدها المقيم في قرطاجة رفض الفكرة قلبا وقالبا، ليس لشيء إلا لأنه يأبى أن يفارق ابنته، عقب ذلك اضطررت لوادعها والاعتذار منها بخجل بشراء باقة من الورد المتواضع من متجر للزهور يقع في قلب تونس، كانت تلك المرة الأولى التي أفعل بها مثل ذلك، كانت تلك الباقة تحمل كسرة قلبي ومشاعري لتنوب عنها بين يدي شيراز، الأهم من ذلك كان صاحب متجر الزهور الذي كان فيلسوفا في عشق الزهور والورود حيث قدم لي محاضرة موجزة تكاد تشعر معها بأن هذا البائع حكيمٌ هادىء يتحدث مع الزهور ويفهم لغتها وألوانها ويتفهم بتلاتها وكل جزء منها، وطبعا كالعادة لم أفهم عظمة هذا الرجل إلا بعد طي السنين .
اليوم رحلت شيراز ورحلت أنا ورحل المتجر الصغير في وسط تونس العاصمة وما بقي خلفنا جميعا هو مخلفات القناني الفارغة وأعقاب السجائر الرخيصة وأكياس النايلون والكاندوم الملقى في شوارع الوحدة وزقاق الوعي ومساحيق التجميل البذيئة التي أوردها لنا أمثال بوش وبايدن وترامب وماكرون وأصحاب الأخدود وبئس الوِرد المورود.
حرفة بيع الورد التي تمنح صاحبها شخصية زكية في خلقها ورفعتها وطهر قلبها تحولت اليوم إلى وقودٍ في محرقة البحث عن الجنس البحت الذي انفجرت علبته في وجه الأجيال العربية المنغمسة في الرذيلة أو مشتقاتها بوصفها حبا أو عشقا، بائع الزهور الطارىء عليها الذي عاينته ويقبل بالنفايات أمام متجره ومن يدي زبائنه ويستوعب أصحاب الوشوم والشعر المنفوش والشياب الذين جددوا عقدهم مع الخطيئة في سن متأخرة مقابل البيع وتحقيق المال، هو مجرد طفيلي صغير ناهش على فوهات مجارير الرأسمالية التي تغلغلت في كل المسامات وأفسدت أجمل وأطهر الأشياء، طبعا وكالعادة لا يمكن اطلاق التعميم ولا التأويل على كل المرتادين، فكل هذه المشاهدات الصغيرة لا يمكن تحويلها إلى مصدر تأويل مطلق، لكننا نصبح ونمسي كل يوم مع غصة من ظاهرة الانقلابات الأخلاقية والانحدار السريع على منزلق العالم المادي الذي يحكمه أمثال ترامب ونتانياهو وسائر العصابة المجرمة التي تسعد بهكذا عالم وتتمنى أن يعم وينتشر قبحه وانحطاطه.
بائع الأزهار ليس إلا أيقونة مرحلة من أعمارنا حيث تبدلت الأشياء الجميلة إلى مستبدلات من القبح وتم تحويل الورود الطبيعية بمعناها الفلسفي الواسع إلى ورود بلاستيكية عديمة الحياة والرائحة تناسب أرواحا بلاستيكية لا تحمل قيمة ولا خلقا ولا جمالا، وتناسب شعوبا متطفلة على الحضارة تتنكرللزهر البري الذي ينبت في حقول بلادها، هذه الأيقونة لدينا منها اليوم بائعو ورود مثل هذا بمستنسخات مماثلة، لدينا اليوم بائعو الوطنية، هؤلاء استبدلوا الوطنية الشريفة المقاتلة المعطرة بزهر البلاد بوطنية تبيح لهم قتل أبناء جلدتهم وأخوتهم والهجوم على قراهم ومدنهم بمعاونة قوات الشر الاسرائيلي ليحظوا ببعض متاع الورد البلاستيكي وبالفالنتاين الاسرائيلي في ليالٍ حمراء بحمرة دم الشهداء .
لدينا بالمثل بائعو عروبة وقيم قومية كاذبة استبدلوا مكانة بلادهم العربية والقومية ومسحوا إرث عبد الناصر وجلبوا مكانه إرث السلام مع اسرائيل والديون والبنك الدولي وتسول الاقتصاد وحولوا بلادهم وجندهم الى باب مكافحة الهوية العربية والإسلامية تحت شعار (مكافحة الآرهاب) الى الحد الذي وصل بهم لتخطيط بيع ورودهم البلاستيكية داخل غزة واستبدالها بالزهور الطبيعية التي زرعتها المقاومة وزرعها ابناء غزة الشرفاء .
فكرت جيدا في البحث عن الصورة العكسية لهذا القبح وهذه الإساءة البليغة إلى الورود وأين يمكن أن توجد الرومانسية المفقودة التي تترجمها ألوان الزهور والورود وتعبر عنها بفرح وسعادة دون إثم ولا خطيئة، لم أجد أمامي سوى ذكريات هربت مني وضاعت في زحام السرعة والزحمة، ولكن مهلا!
لقد تذكرت للتو أنني على خطأ كبير وأن هنالك وجود لهذا الشيء وبقوة أكبر من كل ذكرياتي وما أتمناه، إنها في غزة العزة، في كل يوم من معاركها وبطولاتها، في كل حارة وبيت، حتى فوق الركام وفي وجوه الشهداء، عودوا إلى مقاطع الفيديو المصورة التي تظهر لكم استقبال الزوجة أو الخطيبة لزوجها الأسيرالحبيب وكيف أن سعادة كل الدنيا ورومانسيتها استضاءت بهذا الاحتضان وربما لو كان فالنتاين حاضرا لبكى بحرقةٍ وتَعلم سر العشق والحب في أرض الضفة وأرض غزة، شاهدوا سيدات وفتيات غزة وتعلموا منهن حب الورود وزينة الحياة الدنيا وهن يعدن كنس الحطام وإعادة تهيئة بيوتهن المدمرة بكل بواعث الحياة، شاهدوا أعظم درس في الحب والرومانسية وعيد الحب الأكبر لهؤلاء المقاتلين الذين يقرأون الشهادة ويحبون الله وبلادهم وكتابهم ويلقون تراتيل الرحيل حبا وكرامة بأعلى ما تجود الرومانسية.
علمتنا غزة من بين الركام ورفات الشهداء بأن الزهور الأصيلة تنمو حرةً وتشق برعمها رغما عن الدمار والرماد بعيدا عن لوث كل هؤلاء، وتتنفس الهواء الحر وتمنح عطرها الخالـــد لمن يحسن عشق الزهر والورد، علمتنا غزة أن المقاومة وحدها من تعيد إلى الزهر عطره ولونه وسحره وتعيد صناعة الفالنتاين الحقيقي وصناعة باعة الورد الرومانسيين، أولئك الذين كانوا يقفزون من بين الركام ليرجموا أعداء الورود والأزهار بحبوب اللقاح من عيار 105 ملم .
*كاتب فلسطيني

Exit mobile version