د. ادريس هاني*
في هذا الشّرق الأوسط، في بؤرة هذا الاحتراق، وفي ذروة الصراع، تتصادم كبرى المصالح، وتطفوا في الوقت بدل الضائع مفارقات السياسة الدّولية. هناك ينعقد لقاء بين قطبين، ويبدو السؤال الملح: ماذا في وسع واشنطن أن تقدم لروسيا والعكس صحيح؟ في لعبة المصالح الدولية وتحت تدفق إشارات التهديد والمطالب التي تبدو حمقاء، نتساءل عن طبيعة السلام القادم في سياق جروح غائرة لم تندمل، وآثار الإبادة لا زالت بادية في هذا الخراب العريض ومحيّا النازحين؟
وفي هذا يبدو أنّ الصين لا زالت تشكل معضلة متفاقمة، وهي في عين الغرب الأقصى تمثّل الخطر الدّاهم. في هذا السياق تشعر أوروبا بالخذلان، فأوكرانيا على طاولة نقاش قادم بالرياض، سيجعل أوربا تنكمش أكثر، فلقد نبّهها هنتنغتون يوم اعتبر أوروبا تجهل مخاطر تلك العلاقات الثنائية مع الصين. ترامب الذي يحمل تلك التخوفات نفسها، أي الهجرة والهوية الأنكلوساكسونية لأمريكا، والغرب الحضاري المعني بتأمين حدوده الطبيعية والتوجس بين الغرب الأقصى والشرق الأقصى. روسيا حتى في الآفاق الدوغينية هي جسر حضاري بين الشرق والغرب، أما الجسر الآخر في مستدرك ماكندر على الجزيرة العالمية أو بالأحرى الجسر بين القلبين، الذي يمثله العرب، فقد انهدم. والأحرى أن نقرأ مصير العرب اليوم في قصّة بنات آوى والعرب لفرانز كافكا.
ومع أنّ سردية ماكندر حول الهارتلاند قد تراجعت في وقت مبكّر بعد أن استنفذت أغراضها، فإنّ العرب في طموحهم الجيوسياسي لا زالوا عاجزين عن التفكير في الأبعاد الحضارية كجسر بين قلبين، شمالي وجنوبي. لا زال العالم حائرا بخصوص هوية النظام العالمي الجديد، عالم يشبه في خطاطته رسم أحمق.
في لبنان الصغير جغرافيا، الكبير بإرادته التحررية، سيشهد تدفق نهر من الجماهير هم بيئة المقاومة، في عملية تشييع لقائد المقاومة السيد حسن نصر الله ورفيقه السيد صفي الدين، وقد استشهدا في حرب إبادة شنها الاحتلال على بيروت. ستشارك قوى سياسية واجتماعية من لبنان وبلاد العالم في هذا الحدث الذي يحمل رسالة واضحة، بأنّ بيئة المقاومة لا زالت حيّة، وبأنّ الاحتلال زاد في تعقيد الوضع، وبأنّ اغتيال قادة المقاومة لن ينهي قصة كفاح طالت عقودا من الزمن. الانتصار الرمزي الذي تمثله عملية تشييع جثمان قائد المقاومة، تفوق كلّ أشكال الخراب التي تحوّلت إلى لعنة تطارد الاحتلال دون تحقيق أهداف العدوان.
تبدو المعضلة في لبنان معقدة، أن تترك الاحتلال يصول ويجول في ظل بلد تعتبر أزمته مزمنة، بل ثمة إرادات دولية تحرس وضعيته المعقدة، وتعرقل قيام حكومة قوية وجيش قوي، وتساهم في الحصار، كل هذا جعل اعتبار تناقضات المشهد تؤثر على مقاومة، هي قدر لبنان، منذ تعرّض للاجتياح، بينما لم يكن يومها قد قرر المقاومة.
ودائما في هذا الشرق الأوسط حيث تعيش سوريا وضعية تفاحشت بشكل كبير، وأخطر ما في هذه التجربة مفارقتها. لا شيء واضح، فالحرية التي شكلت العنوان الأبرز في الملف المطلبي لكل الائتلافات باتت آخر ما يُفكّر فيه، ومؤشرات الإلتباس واضحة: لا دستور، لا استفتاء، تصرف في القوانين المنظمة وتفكيك المؤسسات الاستراتيجية، كل شيء يمرّ من دون نقاش، في ظلّ احتلال التراب السوري وفوضى المسلحين، هناك آمال معقودة على أوهام، على مفارقات ممسرحة، أخرجوا خامس دولة في الأمان من نادي الدّول الآمنة، انهيار اقتصادي تقول الأمم المتحدة بأنّه وللعودة إلى وضعية ما قبل 2010، تحتاج سوريا إلى 55 عاما. تسليم سوريا لقادة القاعدة، لم يثر الرأي العام، مما يؤكد على دور الإعلام في إخماد الأحاسيس وقتل الرغبة في التّساؤل.
لا شيء من الجدية يبدو من كل الحركات المكوكية، أو الديبلوماسية الصفراء، في معارك يختفي فيها اللاعبون ويملأ المشهد فيها الوكلاء. ما يطبخ الآن هو إكمال عملية الإخضاع. وقد تبدو الدعوة إلى تهجير أهالي غ..زّة إلى مصر والأردن مسألة تتعلق بحلّ أزمة، لكن الهدف هو إعادة تأثيث الطوبوغرافيا، ومسح الأرض، وردم الأنفاق. هناك محاولة لتحقيق أهداف الحرب بوسائل تبدو سياسية. وكما قلنا مرارا، فالسياسة هنا هي نفسها امتداد للحرب، لأنّ الحرب قادمة، وستظل قائمة، ولكنها لن تحقق أهدافها. فبعد هذه الحرب لم يبق سوى اللجوء إلى السلاح النووي.
في ظل هذا النزاع الكبير، لا أهمية للأدوار المحورية، لأنّ اللاعب الكبير دائما غير آبه بمصالح المحاور الصغرى. لن نذكّر بفلسفة الصراع بالمعنى الهيغلي، حكاية المخاطرة والاعتراف، صراع لا هوادة فيه ولا وفاء.
*كاتب مغربي
حظوظ ضئيلة لسلام الشجعان!
