اليمن الحر الأخباري

عن صفقة السلام المصرية الإسرائيلية!

د عبدالله الاشعل*

تحل الذكرى السنوية لصفقة السلام بين مصر واسرائيل فى ٢٦ مارس من كل عام فقد وقعت اتفاقية السلام فى واشنطن بين مصر وإسرائيل وكان السؤال الاول هو هل المعاهدة هى الحاكمة لعلاقات مصر مع اسرائيل كما ترى اسرائيل ومصر أيضا ؟ الإجابة على هذا السؤال من واقع الخبرة العملية .
وأعتقد أن التقارب بين السادات واسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية هو الأساس السياسي الذى أنتج معاهدة السلام وكافة المعاهدات الأخرى وليس صحيحا أن المعاهدة قيدت رؤساء مصر وفرضت اسرائيل وامريكا عليها كما أنه ليس صحيحا ما يردده الجانب الاسرائيلى غير أن السلام بين مصر وإسرائيل يرجع الفضل فيه الى المعاهدة وكان أنصار الرئيس مبارك يرددون أن المعاهدة ضمنت السلام للبلدين وحقنت دماء جنود الجيش المصري وأعتقد أن هذا الوضع غير دقيق فى ضوء أن اسرائيل تجري وراء مصالحها ولن تتردد فى انتهاك المعاهدات والقانون الدولي عموما اذا لم يحقق ذلك مصالحها .
وعندما قال السادات أن اكتوبر هى اخر الحروب بين مصر وإسرائيل كان ذلك ينطوى على فرضية غير مقبولة وهى أن مصر هى التى كانت تعتدى على اسرائيل فمصر طول تاريخها منذ عصر الفراعنة لم تعتدى على أحد وانما كانت ضحية العدوان الإسرائيلي عليها .
وعندما ذهب الجيش المصري لكى يساند الفلسطنيين ضد هجمات العصابات الصهيونية عام ١٩٤٨ كان ذلك لإدراك مصر بأن اسرائيل زرعت فى المنطقة وتهديد للأمن القومي المصرى ولذلك فإن الجيش المصرى من الطبيعى أن يصد اى عدوان من جانب اسرائيل
وكلام السادات يعنى أن الجيش المصري يجب ان يقف متفرجا على عدوان اسرائيل على مصر وهذة الفرضية مستبعدة تماما والواقع أن السادات قبل فى كامب ديفيد عام ١٩٧٨ والسلام عام ١٩٧٩ فرضيات وأكاذيب اسرائيلية انتهت إلى صياغة المعاهدة بحيث تبدو مصر وكأنها هى المعتدية على اسرائيل علما أن المرة الوحيدة التى بادرت فيها مصر بالعمل العسكرى فى ٦ اكتوبر ١٩٧٣ كان ضروريا لتحرير سيناء واستعادة كرامة مصر التى نالتها احداث يونيو ١٩٦٧
كانت حرب أكتوبر حرب تحرير ثم إن التسليم مع اسرائيل بان سيناء تستخدم لعدوان مصر على اسرائيل زورا وبهتاناا أدى إلى أن المعاهدة نزعت سلاح سيناء مما يعرض سيناء لخطر العدوان الإسرائيلي مرة أخرى علما بأن القرار الصادر من مجلس الأمن رقم ٢٤٢ عام ١٩٦٧ ينص على مبدأ واضح في القانون الدولي وهو عدم جواز اكتساب اراضي الغير بالقوة وهذا يعنى أن اسرائيل هى التى اعتدت على مصر ولم يقبل هذا القرار زعم اسرائيل بانها كانت تمارس ما يسمي حق الدفاع الشرعي الوقائي .
واذا كانت هذة المعاهدة هى ثمرة من ثمرات تقارب السادات مع أمريكا واسرائيل فإن السادات اورث مصر هذا الوضع لمن اتوا خلفه .
وقد أحاطت الولايات المتحدة مصر وإسرائيل بالمزايا الهادفة إلى ارتباطهم بالمعاهدة فى صورة المعاهدات الثنائية الجانبية بين واشنطن وكل من اسرائيل ومصر ، فقد تقررت المعونات الأمريكية لمصر وإسرائيل ولا يمكن أن نقارن مصر بإسرائيل فى القرار الأمريكى وقد ثبت أن اسرا ئيل
قاعدة متقدمة للولايات المتحدة وهو ليس نفس الوضع مع مصر كما أن المعاهدة أجبرت مصر على التخلى عن حقوقها السيادية عندما أثرت اسرائيل على أن تضمن المعاهدة الاعتراف بها وإقامة العلاقات الدبلوماسية معها وفق جدول زمني وان الاعتراف ورفع حالة الحرب والمرور فى قناة السويس وإقامة العلاقات الدبلوماسية وكذلك إبرام المعاهدات التجارية والاقتصادية هى ثمن انسحاب اسرائيل من الأراضي المصرية وكان يمكن أن تدفع مصر ثمنا أقل لهذا الانسحاب لو لم تلح واشنطن على تمكين اسرائيل وواشنطن فى هذة الحالة ليست وسيطا نزيها لأنها تعهدت فى معاهدات جانبية مع اسرائيل لان تضمن تنفيذ مصر التزاماتها فى المعاهدة دون أن يقابل ذلك إرغام اسرائيل على تنفيذ التزاماتها فى المعاهدة ولذلك تعثر الانسحاب الاسرائيلى من سيناء عدة مرات وباشرت مصر والولايات المتحدة الضغط على اسرائيل للانسحاب واضطر الرئيس كارتر الي منح إسرائيل تعهدا بأن واشنطن توافق على عودة اسرائيل مرة أخرى الى سيناء إذا قامت فى القاهرة حكومة تعادي اسرائيل وبرر الأمريكيون هذا التعهد بانه قصد منه تشجيع اسرائيل على تفكيك مستوطناتها فى سيناء ولكن الواقع أن القوات الاسرائيلية انسحبت وبقي هذا التعهد مؤرقا لمصر وسيفا على حكوماتها.
اذا كانت المعاهدة تخدم السلام الاسرائيلى وتقيد مصر فى مواضع مختلفة الرد على ذلك :
أن المعاهدة ثمرة للتقارب وليس التقارب هو ثمرة المعاهدة وبالتالى لا جدوى من إلغاء المعاهدة مادام التقارب قائما فى الأصل هو التقارب وليس المعاهدة و ردا على الذين يعتبرون المشكلة فى المعاهدة بأن مصر ابرمتها فى ظروف معينة وتستطيع أن تفسخها استنادا إلى مبدأ التغير الجوهرى فى الظروف الذى ورد فى المادة ٦٢ من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات .
واخطر مافى هذه المعاهدة بالنسبة لمصر أنها امنت اسرائيل من ناحية مصر ووفرت عليها ٧٠٪ من ميزانيتها العسكرية رغم أن اسرائيل تعتبر مصر عدوا وتتصرف على هذا الأساس ,
وليس معنى ذلك أننى ادعو إلى فسخ المعاهدة وانما إلى ترشيد العلاقات بين مصر وإسرائيل والولايات المتحدة فى ضوء المصالح المصرية التى جارت عليها اسرائيل كثيرا واخطر ما فى هذه المعاهدة بالنسبة لمصر أنها حرمت مصر من مكانها الطبيعى فى قيادة العالم العربى .
وشجعت اسرائيل على اختراق العالم العربى وهو ضد المصلحة المصرية الخالصة ولا شك أن كافة المأسي العربية فى سوريا واليمن وليبيا والسودان تنال من المصالح المصرية وتعتبر تحديا للأمن القومي المصرى .
وكالعادة انتهز ذكرى المعاهدة لتبصير المواطن المصري والعربى بخطر التقارب مع اسرائيل.
فلا شك أن اسرائيل تزرع الأشواك فى طريق مصر ، وهى المسئولة عن تعقد مشكلة سد النهضة مع إثيوبيا كما أنها اتهمت بالمساس بالمصالح المصرية فى أفريقيا رغم تضحية مصر الكبيرة فى تحرير معظم الدول الأفريقية من الاستعمار الغربى فى العصر الناصرى ولذلك تضامنت يوم ٦ اكتوبر ١٩٧٣ كل الدول الأفريقية مع مصر فقطعت ٢٣ دولة منها علاقتها الدبلوماسية مع اسرائيل فى يوم واحد ومما يؤسف له أن مصر أصبحت اضعف لاعب فى السياسات الافريقية وتركت الباب مفتوحا لدول أخرى مثل اسرائيل والصين وتركيا وإيران .
ومصر هى أكثر الدول تأهلا لقيادة افريقيا ولذلك فى هذة المناسبة اطالب الحكومة المصرية بأعادة النظر فى وضع مصر الإقليمى والدولى بحيث توضع فى المكان المؤهلة له لأن مصر هى القائد الطبيعى للمنطقة العربية وأفريقيا .
*كاتب ودبلوماسي مصري

Exit mobile version