اليمن الحر الأخباري

إسرائيل تكتب نهايتها بيدها…!

العميد. محمد الحسيني*
من الثوابت التاريخية أن الأطماع الاسرائيلية في لبنان ليست حالة مرحلية، بل هي عقيدة متجذرة في الفكر الصهيوني منذ نشأته في أواخر القرن التاسع عشر، مدموغة بالتاريخ اليهودي وميثولوجيا كتبه المقدسة، كما أن الاعتداءات المتكررة لهذا العدو على لبنان وخروقاته المستمرة للحدود الجنوبية ليست بجديدة عليه، فقد بدأت منذ العام 1948 (تاريخ نشأة الكيان الغاصب على الأراضي الفلسطينية) عبر محاولات زرع الرعب في قلوب الجنوبيين باعتماد أساليب “العصابات المتفلتة” من قتل وخطف وزرع للالغام وإقامة الحواجز المتنقلة، ناهيك عن نسف المنازل وحرق المحاصيل وسرقة المواشي وردم الآبار… حيث أُحصي لغاية العام 1975 فقط (تاريخ اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية) حوالي 800 اعتداء، من ضمنها اعتداءات عديدة طالت الجيش اللبناني في مراكزه ودورياته، أبرزها واقعتان أولهما في اجتياح سبتمبر/ ايلول 1972 الذي استمر حوالي ثلاثة أيام تصدى خلالها الجيش للغزو الاسرائيلي, وثانيهما في مواجهة مايو/ أيار 1975 التي استمرت حوالي 15ساعة أسفرت عن إصابات فادحة في كلا الطرفين.
انتقل بعدها العدو بهذه الاعتداءات من مرحلة الدوريات القتاليّة داخل الحدود اللبنانية إلى مرحلة العمليات الهجومية واحتلال الأراضي، التي تراوحت بين غزو محدود واجتياح واسع، حيث بلغ عددها ست عمليات عسكرية قد تكون متغايرة في حجمها ومتفاوتة زمنياً ولأسباب مختلفة (حرب 1967 احتلال مزارع شبعا- احتلال الشريط الحدودي العام 1976- اجتياح الليطاني العام 1978- اجتياح لبنان العام 1982- حرب تموز العام 2006 وعدوان ايلول العام 2024)، إلا أن جميعها كانت بهدف واحد، هو إرهاب أبناء الجنوب وقهرهم بغية دفعهم إلى ترك أرضهم والنزوح عن قراهم، تمهيداً لإنشاء حزام أمني ضمن الأراضي اللبنانية القابلة للتوسع والاستيطان إذا قُدر له ذلك. فكانت البداية يوم 1976/8/8 حين أقدم لأول مرة على إقامة شريط أمني عازل على امتداد الحدود وبعمق 1-2 كلم عبر احتلاله وتمركزه في 21 موقعاً ثابتاً داخل الأراضي اللبنانية، وذلك مقابل بلدات وقرى: الناقورة، الضهيرة، يارين، البستان، مروحين، رامية، عيتا الشعب، رميش، مارون الراس، بليدا، ميس الجبل، كفركلا، تل النحاس والقليعة…
وانطلاقاً من هذه المنطقة العازلة بدأ العمل على التمدد شمالاً ليصل إلى جنوب الليطاني تنفيذاً لخطة حزامه الأمني وذلك منذ العام 1978 حتى العام 2000. من هنا أصبح غير مفاجئٍ على الإطلاق ما أقدم عليه العدو مؤخراً بانشاء شريط أمني عازل على امتداد الحدود الجنوبية مع مستعمراته بعمق 1-2 كلم داخل الأراضي اللبنانية، وذلك من خلال احتلاله لخمسة نقاط استراتيجية هي: تلة الحمامص وتلة العويضة وجبل بلاط واللبونة والعزية. عدا عن إمكانية سيطرته بالنيران المباشرة لمسافة تتراوح بين 4-5 كلم من خلال هذه النقاط على كامل الأراضي التي تعتبر محررة، مما يُتيح له زيادة عمق شريطه العازل إلى حوالي 7 كلم ضمن الداخل اللبناني اعتباراً من الحدود مع فلسطين المحتلة. حتى وإن ادعى العدو الاسرائيلي عن حاجته الاستراتيجية لهذه النقاط بغية ردع خطر “حزب الله” عن مستوطناته، وإعطاء مساحة من الأمان لمستوطنيه بغية دفعهم للعودة شمالاً، إلا أن الأسباب الحقيقية هي أبعد مما يظن البعض، إذ تكمن في محاولات العدو بذل جهوده بغية تنفيذ ما يلي:
إظهار الدولة اللبنانية بموقف “العاجزة” عن تحرير الأرض وإعادة سكان القرى الحدودية، مما يحقق غايته في تأجيج الصراع الداخلي بين مكونات الوطن، والأبرز هي نواياه المبيتة بطيّ صفحة النقاط ال13 المستولي عليها في الأساس عند الخط الأزرق والتي يطالب بها لبنان منذ العام 2000.

إسقاط اتفاق الحدود البحرية بينه وبين لبنان، موحياً بانهيار وعد “الاستقرار والأمن الشامل” الذي أُعطي له من قبل “واشنطن” خلال مرحلة التفاوض على الاتفاق، مما يعني ذلك العودة إلى نقطة الصفر في مفاوضات الحدود البحرية. وما يتبعها من تداعيات على ملف الحقوق البحرية المتنازع عليها في “كاريش”، إن لم يكن محاولة مستقبلية للسيطرة أيضاً على حقل “قانا”، وبمباركة أمريكية ضمنية التي وافقت على احتلال العدو لهذه النقاط الخمس.
التحكم بمصير القرى الحدودية عبر إبقائها مدمرة وغير صالحة للحياة في أقصى ما يسعى إليه، أم في أدناها ربط عملية إعادة الإعمار وعودة الأهالي بموافقته الأمنية المسبقة، وذلك من خلال اجراء مسح أمني صهيوني لأبناء القرى الحدودية المسموح عودتهم بالتنسيق مع قيادة الأمم المتحدة العاملة في جنوب لبنان.
ربط المنطقة العازلة في الجنوب اللبناني بالجنوب السوري المحتل، واعتبارهما مسرح عمليات واحد يضم ثلاثة ميادين أولها جنوب لبنان وثانيها الجولان ومزارع شبعا المحتلة وثالثها جنوب سوريا حيث تشترك في الحدود مع الأردن.
قد يسعى الكيان المحتل اليوم إلى الاحتفاظ بمناطق عازلة في جنوب لبنان وسوريا وربما قد تشمل في الغد الحدود الأردنية من بعد ترحيل جزء من سكان غزة إلى المملكة الهاشمية، وربما أيضاً قد يعمل تباعاً على ربطها بالحدود العراقية الغربية، عبر انشاء شريط عازل يتصل بالقواعد العسكرية الاميركية المنتشرة بمحافظات الحسكة، دير الزور وريف دمشق. هذه المغامرة الاسرائيلية في التعامل مع البلاد العربية، عبر اعتماد استراتيجية التوسع على حساب هذه الدول والعزف على الوتر المذهبي، أصبح يُنذر بمصير أسود وقاتم لمنطقة الشرق الأوسط أكثر مما هي عليها الآن، ومن ضمنها مصير الكيان المحتل بحد ذاته، الذي سيُصاب حتماً “بتخمة التوسع” إن هو استمر في تطبيق النصوص التوراتية على أرض الواقع، وذلك مهما مَلكَ من تكنولوجيا حديثة وتلقى من دعم أمريكي لا محدود ، لأن حجم أطماعه التوسعية ستفوق قدراته الديموغرافية والجيوسياسية على احتوائها، والمصير الطبيعي لهكذا مسار هو التفكك والهلاك؛ كما تفككت من قبل مملكة اسرائيل وهلكت على أيدي أبنائها قبل أعدائها…
*كاتب لبناني

Exit mobile version