د. جلال جراغي*
منذ عام 2012، ومع تصاعد الأحداث في عدد من الدول العربية والإسلامية إثر موجات الاحتجاجات، ولا سيما في سوريا، برز سؤال محوري حول روسيا وايران وهو أن روسيا أين تقف من الصراع بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة، والولايات المتحدة والكيان الصهيوني من جهة أخرى؟
فرغم ما يُقال عن علاقات وثيقة وتحالف استراتيجي بين موسكو وطهران، إلا أن الواقع الميداني والسياسي كان ومازال يشير إلى عكس ذلك. فرغم نشر منظومة الدفاع الجوي المتقدمة “إس-400” في سوريا منذ سنوات، لم تُسجّل أي حالة تصدٍّ للطائرات الإسرائيلية التي كانت تستهدف بانتظام مواقع إيرانية وسورية، وهو ما يؤكد أن الامتناع الروسي لم يكن ناتجًا عن عجز تقني بل عن غياب الإرادة السياسية.فيما يلي أبرز الأسباب التي تُفسّر تحفظ روسيا في دعم إيران عسكريًا:
أولًا: تباين الأهداف بين موسكو وطهران
رغم وجود تعاون شبه استراتيجي بين البلدين، إلا أن طموحات الطرفين في سوريا والمنطقة تختلف، بل وتتعارض أحيانًا، فروسيا تتبع سياسة توازن دقيقة بين الأطراف، وقد تعاونت ضمنيًا مع إسرائيل في استهداف النفوذ الإيراني بسوريا لتحقيق مصالحها الخاصة.
ثانيًا: انشغال روسيا في الحرب الأوكرانية
روسيا تُخوض معركة استنزاف قاسية في أوكرانيا، وهي حريصة على عدم فتح جبهة جديدة مع إسرائيل أو الولايات المتحدة، خشية التورط في مواجهة متعددة الأطراف تُنهك مواردها العسكرية والاقتصادية.
ثالثًا: الرد الإسرائيلي – الأمريكي المحتمل
أي دعم روسي لإيران سيُقابل على الأرجح بردٍّ إسرائيلي – أمريكي مباشر، من خلال تزويد أوكرانيا بأسلحة نوعية مثل منظومة القبة الحديدية لاعتراض المسيرات الروسية وهذا ما يريده الرئيس الاوكراني زلنسكي، وصواريخ “سبايك” المتطورة المضادة للدبابات وأنظمة التشويش الإلكتروني. وهذا ما يُمثل تهديدًا مباشرًا للجيش الروسي في جبهات القتال. اذن روسيا تخشى من انه اذا ما دعمت ايران فان اسرائيل وأمريكا ستدعم اوكرانيا خاصة بعد مجي ترامب الى البيت الابيض وفتح قنوات اتصال مع روسيا حيث كان يحاول أن يكون وسيطا لانهاء الحرب الاوكرانية.
رابعًا: تجنب التقارب بين أوروبا وأمريكا
روسيا تدرك أن دعمها العلني لإيران قد يُوحد الصف الغربي مجددًا خلف الولايات المتحدة في دعم أوكرانيا، بعد أن بدأت تظهر خلافات أوروبية أمريكية في هذا الملف. لذلك، تتجنب موسكو أي خطوة قد تُعيد هذا التحالف الغربي بقوة ضدها.
خامسًا: العلاقات الروسية الإسرائيلية
رغم الخلافات العلنية، فإن العلاقات بين موسكو وتل أبيب راسخة، خاصة في مجالات الاقتصاد والتقنية والتعاون الأمني. يُضاف إلى ذلك أن نحو 1.2 مليون إسرائيلي من أصول روسية يعيشون في الكيان الصهيوني، ما يجعل إسرائيل من منظور روسيا دولة صديقة لا ينبغي استفزازها.
سادسًا: حساسية العلاقات مع الدول العربية
روسيا تُراعي مصالحها مع الدول الخليجية النفطية كالسعودية والإمارات، التي لا تنظر بعين الرضا إلى تعاظم القوة العسكرية الإيرانية. كما أن هذه الدول تُشكّل حليفًا اقتصاديًا مهمًا لموسكو في ظل العقوبات الغربية، خصوصًا من خلال التعاون في “أوبك+” والالتفاف على العقوبات الأوروبية عبر شركات خليجية.
سابعًا: الخوف من تحوّل إيران إلى قوة نووية مكتفية ذاتيًا
رغم التعاون النووي السلمي بين موسكو وطهران، فإن روسيا لا ترغب برؤية إيران تتحول إلى دولة ذات دورة نووية مكتملة، لأن ذلك يُفقدها نفوذها عليها. من هنا، تكرّر موسكو استعدادها لتزويد إيران بالوقود النووي كبديل عن تطويره داخليًا.
ثامنًا: المصلحة الروسية في إبقاء إيران محاصَرة
بقاء إيران تحت العقوبات يُحقق لروسيا مكاسب مباشرة، منها الحفاظ على أسعار النفط، وتقليل المنافسة في الأسواق، فضلًا عن إبقاء طهران في حاجة إلى الدعم الروسي سياسيًا وتقنيًا. أي تقوية لإيران قد تُخلّ بهذه المعادلة.
قراءة خاطئة روسية في المرحلة الراهنة
كل هذه الحسابات الروسية كانت مناسبة في ظروف “الاستقرار النسبي”، لكنها لم تعد كذلك في ظل التطورات الأخيرة. إذ أن الكيان الإسرائيلي، بدعم مباشر من إدارة ترامب، يسعى لإعادة رسم خريطة المنطقة بالكامل، وإطلاق مشروع “الشرق الأوسط الجديد”، الذي يقوم على تفكيك الدول القوية وتحويلها إلى دويلات هشّة تدور في فلك إسرائيل.
وإذا نجح هذا المخطط في تفكيك إيران أو إضعافها، فإن روسيا ستكون الهدف التالي، تليها الصين. وبالتالي، فإن الدفاع عن إيران اليوم يعني الدفاع عن النفس في المستقبل، وهو ما يفرض على موسكو (وكذلك بكين) أن تسرع في تقديم الدعم العسكري الحقيقي لطهران، وتمكينها من الدفاع عن سيادتها ووحدة أراضيها، باعتبارها الخط الدفاعي الأول في وجه المخطط الأمريكي – الإسرائيلي.
اذن، تراهن روسيا على لعبة توازن دقيقة، لكن التحولات الجارية تُنذر بتغيير جذري في موازين القوى. وأي تقاعس في دعم إيران الآن، قد يُكلّف روسيا مستقبلها الجيوسياسي في المنطقة ويجعلها عاجزة عن مواجهة التهديدات المقبلة.
*مدير مركز آفاق للدراسات الإيرانية- العربية
