اليمن الحر الأخباري

مفارقات السياسة العربية!

د. خديجة صبار*
فلسطين جرح عميق في وجدان الشعوب العربية والمفهوم الأكثر إجرائية في وجدانهم وفي ذهنهم وأفعالهم وانفعالاتهم. أوجاعها من عمق تاريخ يصك صداها آذان العروبة والإنسانية، منذ أفل نجمها وغابت شمس جغرافيتها(=العروبة) بسبب الهزات المتتابعة إلا أنها لم تقض على نقطة الارتكاز، المقاومة التي تتصدى بجرأة للاحتلال المدعوم بالغرب الأطلسي وبعض “الإخوة العرب”؛ فجذور الصهيونية منبتة في التاريخ الغربي منذ تبني فرنسا فكرة توطين اليهود في فلسطين إبان حملة نابليون. ودولة الكيان الصهيوني أسسها الغرب لشرهه وشوفينيته للتكفير عن أكبر مآسي القرن العشرين، بعد أن أجبر اليهود على العيش في أوربة في مناطق لا يجوز لهم تجاوزها (الغبتو) لفشله في إعادة نقش الصهيونية داخل أوربة القرن التاسع عشر لحياة اليهود كشعب بلا دولة ورعايا استعماريين داخليين أثناء تفكك الملكية الأوربية وتهميش الكنيسة المسيحية وتشكيل الدولة القومية الشكل.
نشأ الكيان الصهيوني على أشلاء الضحايا وإذلال الفلسطينيين. ومنذ نشوئه وهو يمارس عدوانه ويقترف بسلوكه الإجرامي سلسلة من العذابات وجرائم الحرب بجميع السبل: عقاب جماعي، إبادة جماعية(génocide)، التطهير العرقي، الخراب وتحطيم المنشآت، تكسير عظام الأطفال، الحرق والحصار المطبق، تحديد السعرات الحرارية، الاغتيالات على الساحتين الإقليمية والدولية ومصادرة الأرض منذ عام 1948 وبالتالي فالأمر لا يتعلق بحدث السابع من أكتوبر 2023، ولم يكن الحدث منعزلا بل نتيجة طبيعية لوضع غير قابل للتعديل. ولا يكتفي الكيان الصهيوني بجعل حياة الفلسطينيين مستحيلة باستنزاف الموارد العامة لتوفير الأمن للمستوطنين، واضطهاد السكان وإعاقة حياتهم اليومية بالخنق التدريجي لجعلها غير قابلة للاستدامة وبناء المستوطنات فحسب، بل يقوم بالضغط على المزارعين للتخلي عن أرضهم لنزعته التوسعية وحرق المحاصيل وتدنيس المقدسات والاغتيالات الفردية وكلنا يتذكر انتقاد “هلاري كلينتون” ووصفها إطلاق الصواريخ من غزة بأنه عمل خسيس، زاعمة أن “أي دولة بما فيها دولة الكيان لا يمكنها أن تقف مكتوفة اليدين حين تتعرض أرضها وشعبها لهجمات بالصواريخ”، متناسية أنها تتحدث عن احتلال فهل على الفلسطينيين أن يبقوا مكتوفي الأيدي حين تنتزع الأرض منهم في الضفة الغربية؟

ad
ما لا شك فيه أن طوفان الأقصى المبارك، وهو من أشد معارك المقاومة والصمود، أبان عن حقيقة الكيان الصهيوني وجرائم حربه ووحشيته، تبدى الكيان كالغريق يجاهد ليتشبث بالمنهاج الوحيد الذي جبل عليه: الشر السياسي كتجسيد للشر المحض المخطط له، والشر فعل عنيف وسلوك عدواني يتم في المجال السياسي، ويسعى إلى تدمير الغير وإخضاعه والتحكم فيه، وهو ما مارسه الكيان عبر العذابات السالفة الذكر أضاف إليها الحصار المطبق للمدنيين مع التحكم في النزوح المفروض عليهم من منطقة إلى أخرى، والإثخان في قتلهم بالجملة، ومن أخطأته الأسلحة الفتاكة يلقى حتفه بالتجويع أمام نظر العالم في الألفية الثالثة ! يتجسد الشر المطلق في إشهار حرب التجويع ومنع دخول الماء والغذاء والدواء وترصد قتل الأطفال والنساء والشيوخ المنهكين في سعي دءوب للخلاص من الشعب الفلسطيني بجميع الطرق الممكنة، ناهيك عن صنوف الآلام والشقاء والحرمان ليخضعهم لإرادته لقبول كل ما يفرض عليهم.
نحن أمام جزار طاول عدوانه الإنسان والشجر والحجر كما ينقل بالصوت الصورة عبر سائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، يتلذذ بشهوة وغواية التدمير:لم يكن نيرون المثل الوحيد من سفاحي الإغريق والرومان !! جرائم فاقت تلك التي ارتكبها النظام النازي وحشية، ويدار وقف العدوان الذي يشرف علية الرئيس الأمريكي ترمب بطريق مطاطية لربح الوقت وللمريد من الضحايا وليس لوضع حد لبربرية الحكومة اليمينية الصهيونية المتطرفة. فأي سلام مع الكيان الاستعماري الاستيطاني الذي يخطط سياسيوه لإجبار سكان الأرض الأصليين بكل أطيافهم على الرحيل قسراً عن وطنهم سلام مغشوش، وأي سلم معه سلم جائر ومزيف. العملية مدبرة منذ عقود، وتتكرر باستمرار طيلة أثنى وعشرين شهراً؛ حتى أن دولاً أوروبية أطلقت أخيرا على دولة الكيان “دولة الإبادة”، دولة مارقة فوق القانون الدولي والبلد الوحيد في العالم الذي يرفض المثول أمام محكمة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة.
حدث طوفان الأقصى جعل شعوب العالم تهتم بالقضية الفلسطينية بعد ما كاد يطويها النسيان، وتنكب على دراسة تاريخ الكيان و سرديته الملفقة مع العلم أن تفكيك الصهيونية أكاديميا أفرغ الزعم بالحق في الأرض الفلسطينية من محتواه بل أقر اليهود المناهضون للصهيونية حول العالم بالظلم الواقع على الشعب الفلسطيني. ولا زالت سياسة الكيان الإجرامية التي جلبت العار والشنار ليهود العالم المناهضين للصهيونية يجاهرون برفع شعار “ليس باسمنا” علما أن المعارضة اليهودية للصهيونية رافقت المقترحات التأسيسية التي قدمها هرتسل في المؤتمر الصهيوني الدولي الأول المنعقد عام 1897 في بازل. نقصد بتفكيك الصهيونية المطالبة بالعدالة للفلسطينيين، ضحايا أجهزة الدولة الميتافيزيقية والوجودية اللاهوتية والنيو-ليبرالية المسخرة لإبقاء آخرين، المحتقرين المعدمين، مشوهي السمعة بلا دولة وبالتالي بلا أثر، منذ الشعار المفترى عليه”أرض بلا شعب لشعب بلا أرض.”
ad
قطاع غزة “أكبر معسكر اعتقال في عالم اليوم”، تمارس فيه جريمة الإبادة الجماعية (génocide) بمنهجية مستمرة تعتمد أساسا على العنف العسكري منذ نشأت دولة الكيان وخروجها إلى حيز الوجود، ضمن الأفق الاستعماري للحداثة، بدعم من الدول الإمبريالية الغربية، ليدفع الفلسطينيون ثمن خطايا الغرب ضد اليهود وتستهدف، في الأساس، قتل روح الشعب الصامد، والعنصر المركزي الذي يميزه ويستمد منه قوته ويستنهض عزيمته ليحافظ على هويته وكينونته على أرضه. فظائع الأراضي المحتلة هزت العالم الغربي على المستوى الشعبي بشكل خاص؛ من عالم مأخوذ بدعاية الكيان كأول ديمقراطية في المنطقة إلى مستنكر للممارسات المتوحشة بحق الشعب الفلسطيني الأعزل، فتعالت أصوات أحرار العالم الرافضة للأفعال والسلوكيات التي يرتكبها الصهاينة بحق المدنيين، ولسياستهم الإجرامية التي تجاوزت الكرامة الإنسانية، مطالبة بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم المستقلة فوق ترابهم الوطني: مظاهرات شبابية لجيل واعي ومستوعب لحقائق عصره، يفيض آمالا غير محدودة في أن يكتشف قبل فوات الأوان، أن بعض آماله ستنتهي إلى أحلام غير قابلة للتجسد والتحقق، طلاب أعرق الجامعات الأمريكية في نيويورك والعاصمة واشنطن وديترويت ولوس أنجلوس، ومئات الآلاف من الأمريكيين بعدة مدن، في تعبير صريح عن رفض واقع الانتهاكات الصهيونية السافرة التي تجاوزت كل الحدود. وضع لم يجد صداه لا في الجامعات العربية وضمنها الجامعات المغربية التي تعرضت منظومتها للخلل والضغوط والكساد، ولا حرك المنظمات النسائية والأحزاب السياسية، أساسا الجمعيات النسائية التقدمية وأخص منهن المدافعات عن حقوق المرأة وتكريس قيم حقوق الإنسان، وضع يتطلب طرح السؤال المؤرق: لماذا لم تُعر بالا لحقوق المرأة الفلسطينية المعدومة أصلا من قبل العدو، وعلى رأسها الحق في الحياة، وتجاهل هذا الحق تجاهل للبعد الإنساني؟ حتى أن أحد الأحزاب مررت في ندوة “التسامح الديني” و”التعايش اليهودي المسلم” طقوسا صهيونية بحمولة عقدية توسعية، إذ نفخ في البوق ألتلمودي المرتبط في عقيدتهم بعودة المسيح وبناء الهيكل الثالث على أنقاض ثالث الحرمين “المسجد الأقصى” وقيام إسرائيل الكبرى وطالب ممثل الطائفة اليهودية البرلمان المغربي بترسيم رأس السنة اليهودية عيدا وطنيا وعطلة رسمية للسنة العبرية! فهل تحول مفهوم الصهيونية إلى إبهام أم أن الإبهام وباء أصيب به المهرولون نحو التطبيع أصحاب الشعار المعروف “كلنا إسرائيليون”؟ هل أصبحنا ركام جماهير تتفاعل طبقا لعوامل مصلحية مادية لا تمت إلى الوجدان أو الضمير بوشيجة أو صلة؟ هل اختلت موازين القيم؟ (أشير إلى أن العمل السياسي في ظل الحكومة اليوم أفرغ من معناه وتحول إلى رجع صدى إدارة خارجية تصنع منه ما تشاء).
من المحطات الأسوأ في حياة البشرية ما مورس ويمارس على سكان غزة: أسر بتمامها محيت من السجل المدني، نساء ترملن ومورس عليهن النزوح وقهر المسافات، نساء قدمن فلذات أكبادهن شهداء، أخريات يململن أشلاء أطفالهن في صبر واحتساب، مشاهد صراخ أطفال من تحت الركام، آخرون فقدوا الأم والأب والإخوة، صبايا واجهوا الموت بعيون ذابلة وأجساد نحيلة أهلكها الجوع، آخرون يغالبون الأخطار على أمل الحصول على كيس دقيق وقد يتحولون إلى أجساد ممزقة(مشروع المساعدات الإنسانية الذي هو مصيدة مقصودة للمزيد من التقتيل) ما جعل إحدى الأمهات تصيح “هل يملك الطيار الذي يقصف أطفالنا أطفالا”؟ وطفلة تصرخ “لم آكل أنا وإخوتي يومان، نشرب فقط الماء، ومشهد الدكتورة الأم آلاء، التي فوجئت وهي تمارس واجبها الإنساني أن من بين الشهداء تسعة من أطفالها، تتراوح أعمارهم بين ستة أشهر و12 عامًا ” تفحموا” جراء القصف وبشكل متعمد، بعد معرفة وجودهم ووالدهم مع شقيقهم العاشر الذي سيلتحق بهم. مئات الشهداء والجرحى في مدن وقرى قطاع غزة، ومثلهم في مخيمات الفلسطينيين في شتى أنحاء الضفة الغربية، ويتبدى نماذج جبارة للتحمل والانتصار على العدم واللامعنى. فأين اختفى صوت المنظمات النسائية ألم تؤلمهن الضربات الموجعة وتدمير شروط الحياة الاجتماعية، والقتل العشوائي والمنظم والتقتيل الممنهج والدمار الشامل، وكلها جرائم ضد الإنسانية ترتكبها الآلة الصهيونية؟ لماذا لم يستفزهن استهداف أخواتهن الفلسطينيات، والهولوكوست الصهيوني اليومي الممارس على غزة ما بقرب من سنتين في حين انتفضن ونددن واجتمعت التنسيقية لتصريح لرئيس وزراء سابق؟ هل انساقت أكثريتهن نحو التقدير الفائق لتراث الغرب وتصوراته الكونية والأخلاقية بناء على المشاريع الممولة المتبنية لتبعيته، والهادفة في العمق لتغيير التركيبة الاجتماعية السائدة؟ لا أروم من طرح هذه الأسئلة الحارقة سوى الوضوح والحقيقة وهما من أكبر الفضائل العلمية، فالمجتمعات الإنسانية تتطور بواسطة نخبها، بثقافة الكفاح ونبذ الهوان، أقصد هنا الهشاشة في قوة جل الأحزاب والمنظمات، كمفهوم تحليلي نقدي لا يستند على خلفية فلسفية وتاريخية وأدبية صلبة.
وأين صوت العالم العربي والإسلامي، صوت أمة المليار وزيادة من حقيقة الوعي الإنساني لمشاهد القتل والتدمير الذي تعرض ويتعرض له أبناء جلدتنا؟ وما بقي من عمران في مدنهم ومخيماتهم، وتأثير ذلك على الحياة اليومية: أسلوب مأساوي يمارس وانتهاكات صارخة لحقوق الإنسان، وسرقة جيش الكيان الصهيوني الشاحنات المُحمّلة بالمساعدات الإنسانية في طريقها إلى الجوعى من الأطفال الذين تضرعوا جوعا قبل أن يستشهدوا لفقدان التغذية، مع العلم أن انتهاك حياة المدنيين جريمة حرب ضد الإنسانية وتشكل انتهاكاً غير مسبوق للقوانين والأعراف الدولية. أين اختفى صوت خمس البشرية وضخامة القدرات المادية التي وحده الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يعرف طريقة قطفها وفي زيارة واحدة ! لماذا لم يحركه الضمير الإنساني وهو يشاهد جرائم بالجملة ترتكب يوميا في حق شعب بأكمله، بإرادة القوة الكامنة في جوهر المدنية الغربية؟ لا شك أنها حقائق تشهد على الانحدار والعجز وضعف الهمة وفقدان النخوة وانعدام الشهامة. نساء غزة تحملن فوق طاقة البشر وسجلن ملاحم من الصمود والتضحية والإباء من أجل التحرر والحرية بقناعة راسخة وتشبث بالأرض والعرض والهوية. أيمكن الحديث، بعد هذه المأساة، عن العالم العربي والإسلامي لا يمكن الحديث سوى عن هذه البطلة الفلسطينية التي ضحت بكل شيء وبقيت سامقة كالصفصافة، بمقومات العزيمة والصمود في وجه البطش والعدوان والاستمرار في المقاومة مؤازرة لفرسان الطوفان، ليقينها الواثق من حقيقة النصر وعشقها الحميم لتراب أرضها. أخيرا إن تحليلا دقيقا للعولمة والصهيونية يبين أنهما تمثلان أخطر ظاهرتين في التاريخ على مصير الوطن العربي والإسلامي بوجه خاص، وبالتحديد فيما يتعلق بوجوده وبرسالته الإنسانية وبقيمه الأصيلة التي شكلت مناخا سليما للبرية طيلة عهود. إن العالم كواقع مبني على “الأنا” بوصفه جهدا تحقق، فمتى يتحقق الجهد العربي والإسلامي ليكون تعبيرا عن شيء حي، يجب مواجهة الحقيقة الصارمة وجها لوجه فنحن العرب والمسلمين علينا أن نعتبر أنفسنا مسافرين جميعا في مركب واحد، إن غرقنا فسنعرق جميعا وإن نجونا فسننجو جميعا.
*كاتبة مغربية

Exit mobile version