د.محيي الدين عميمور*
أظن أن المسافة من حي السيدة زينب إلى حي الحسين في القاهرة هي حوالي كيلومتر ونصف، يمكن قطعها سيرًا على الأقدام في حوالي 15 أو 20 دقيقة، وبالسيارة في حوالي 10 دقائق أو في أكثر من ساعة ونصف، حسب زحام المرور.
ad
والذي جعلني أتوقف عند هذا الأمر هو دردشة هاتفية مع صديقة مصرية كريمة بدرت منها خلالها ملاحظة ساخرة تناولت الفنان المصري الكبير محمد عبد المطلب، وغلبني الفضول فسألتها عن السبب، وكان مضمون ردّها هو أن عبد المطلب تعامى عن وجود جميلات كثيرات في حي السيدة، الذي تقطنه الصديقة، وراح يتغزل في أخرى تعيش في حي الحسين البعيد.
ورغم أنني أُقرّ بأن هذا الأمر في حقيقته لا يهم قراء “رأي اليوم”، وهو بالتأكيد ليس من أسبقيات عمنا عبد الباري عطوان، فإنني اعترف بأن الصورة “المضادة” له كانت وراء ترددي في الكتابة منذ عدة أسابيع، حيث تفاديت أن يعتبرني الأعزاء كالجمل الذي يسخر من ذلك النتوء على ظهر جمل آخر.
كان آخر ما كتبته وما تراجعت عن إرساله للعزيزة “مها”، الأمينة على تحرير الجريدة، هو مقال ساخر يندد بعجز أحزابنا السياسية في الجزائر عن تنظيم تظاهرات متضامنة مع معاناة “غزة” الجريحة ومع وقفة الأحرار من أبناء اليمن.
ورحت أتخيل الأعذار التي يمكن أن تكون وراء هذا التقصير في الجزائر، مقارنة بالتظاهرات الحاشدة التي عاشتها بعض عواصم الغرب، وأهمها أن هذه التظاهرات كانت في واقع الأمر إدانة لتواطؤ حكوماته مع الكيان الصهيوني، وهو ما يمكن أن نفهم منه أن جماهيرنا ترى أن قيادتها قامت بكل ما يمكن القيام به لنصرة القضية، ولم يكن أقله تشجيعها لمشاركة جزائريين في قافلة الصمود التي انطلقت من المغرب العربي، والتي عرقلتها اعتبارات أمنية هلل لها الإعلام الشقيق، الذي تفنن في السخرية من أبناء المغرب والجزائر وتونس وحتى ليبيا.
وبرغم أن مواقف المندوب الجزائري في مجلس الأمن، والتي عرضتنا لسخط قوًى دولية معروفة، لم تكن بعيدة عن ذهني وأنا أخط تلك السطور، إلا أنني لم أكن مقتنعا بأن كل ذلك يمكن أن يبرر عدم قيام مظاهرات حاشدة في الشوارع الجزائرية، على غرار تلك التي شهدتها إثر هزيمة 1967، رغم أن الجزائر الرسمية يومها لم تقصّر في التعبير عن تضامنها العملي مع الأشقاء في المشرق العربي.
ورحت أقول لنفسي أنه لم يكن عسيرا على السلطات الجزائرية أن تنظم تجمعات شعبية هادرة وراقصة وصاخبة على غرار ما رأيناه على بعض شاشات التلفزة منذ أيام، لكنني قمعت تلك الخواطر لأنني كنت سأكون أول من يُندّدُ بكل المسرحيات التي لا يمكن أن تنجح في إخفاء خلفياتها الحقيقية، والتي تثير سخرية الأعداء قبل أن تفشل في أن تستجدي احترام الأصدقاء.
ولآن من قال “لا أدري” فقد أفتى كتبت سطور اليوم اعتذارا عن التقصير.
*كاتب ومفكر ووزير اعلام جزائري سابق
