اليمن الحر الأخباري

نزع السلاح أم نزع الكرامة؟!

د.محمد تركي بني سلامة*
في إعلان غير مسبوق، اجتمعت أصوات عربية وإسلامية بارزة ـ وعلى رأسها السعودية وقطر ومصر ـ لتطلق موقفًا موحدًا يدعو حركة حماس إلى نزع سلاحها والتخلي عن السلطة في غزة. جاء ذلك ضمن مؤتمر دولي احتضنته الأمم المتحدة، وشاركت في تنظيمه باريس والرياض. وإذ رحّب البعض بهذه الخطوة باعتبارها مقدمة لحل سياسي طال انتظاره، فإن السؤال الأهم الذي يفرض نفسه اليوم: هل كانت هذه صفقة تاريخية… أم خسارة استراتيجية للفلسطينيين؟

بظاهره، يبدو الإعلان العربي المشترك وكأنه أول اعتراف جماعي عربي بضرورة وحدة القرار الفلسطيني تحت مظلة السلطة الوطنية، مع دعم دولي لإعادة هيكلة الحوكمة في غزة، تمهيدًا لتحقيق هدف طالما حلمت به الشعوب العربية: دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة. كما أن بعض البنود، مثل التنديد العلني بهجمات 7 أكتوبر، ونية إرسال قوات استقرار دولية تحت مظلة الأمم المتحدة، قد يُفهم منها أنها محاولة جادة لوقف نزيف الدم، وإنهاء كارثة إنسانية أودت بحياة عشرات الآلاف وأحرقت الأرض والكرامة في القطاع المحاصر.
لكنّ هذا “الانفراج الدبلوماسي” له ثمن. وثمنه باهظ. إن الطلب من حماس أن تسلّم سلاحها وتتنازل عن الحكم في غزة، دون ضمانات واضحة تحفظ حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال، هو ببساطة تفريغ للحق من مضمونه. فالمقاومة ليست بندقية فصيل، بل هي مبدأ وحق مشروع كفلته كل المواثيق الدولية. ومتى أصبح نزع سلاح الضحية شرطًا للسلام، في حين أن المعتدي ما يزال يواصل التوسع، ويصادر الأراضي، ويقصف الآمنين، ويحتجز آلاف الأسرى؟ أليس الأجدر أن تبدأ المطالب بنزع سلاح المحتل أولًا، لا تقييد يد المحاصر الجريح؟

إن هذه الخطوة، التي قُدّمت تحت غطاء التسوية، قد تُستخدم لاحقًا كذريعة لإنهاء أي شكل من أشكال المقاومة المسلحة، بما فيها تلك التي لا تنتمي لحماس أصلًا، مما يُحوّل المقاومة من “حق” إلى “جريمة”، ومن “كرامة وطنية” إلى “إرهاب إقليمي”.
من المؤسف أن الإعلان العربي لم يتضمن أي ربط واضح بين نزع سلاح حماس ووقف الاستيطان الإسرائيلي، أو الاعتراف الفوري والفعلي بالدولة الفلسطينية على حدود 1967، أو حتى جدول زمني ملزم لإنهاء الاحتلال. بل على العكس، فإن غياب هذه الالتزامات الجوهرية يُثير الخشية من أن يُستخدم هذا الموقف العربي لتبرير تصفية القضية الفلسطينية باسم الواقعية السياسية، والتمهيد لتطبيع أوسع مع إسرائيل، دون ثمن حقيقي يدفعه الاحتلال. فهل أصبحت إقامة دولة فلسطينية مكتملة السيادة مجرد حلم مؤجل، بينما تُختزل الحلول في سلطة منزوعة القوة، تدير شؤون الناس تحت مظلة الأمن الدولي؟
لكن في المقابل، لا يمكن أيضًا تجاهل الحقيقة المُرّة: استمرار الوضع القائم، وبقاء غزة تحت إدارة منفردة، ومواصلة المواجهة العسكرية المفتوحة، لن يقود سوى إلى مزيد من الدم، ومزيد من الدمار، ومزيد من عزلة الفلسطينيين عن العالم. لقد دفع الفلسطينيون ثمنًا إنسانيًا هائلًا منذ اندلاع الحرب الأخيرة، فيما تراجع الزخم الدولي، وتآكلت قدرتهم على التأثير، وارتفعت أصوات تُحمّلهم وحدهم مسؤولية التصعيد، في تجاهل فجّ لجوهر الصراع.
وعليه، فإن البديل عن التفريط ليس التصعيد الأعمى، بل التمسّك بالثوابت بذكاء، وتوظيف الدبلوماسية النشطة، وتوحيد الصف الفلسطيني، ضمن استراتيجية مقاومة متكاملة، سياسية وشعبية وقانونية، لا تكتفي بالصراخ من فوق الركام، ولا تتنازل عن الحقوق التاريخية تحت ضغط “الواقعية”.
إن ما حدث في الأمم المتحدة هذا الأسبوع ليس نهاية المعركة، لكنه منعطف حساس في مسار القضية الفلسطينية. فإما أن يُستغل لفرض حل عادل يُنهي الاحتلال ويكرّس الحق، وإما أن يتحوّل إلى منصة لتجريد الفلسطينيين من أدواتهم، وتقييدهم بسلاسل الشرعية الدولية، بينما يظل الاحتلال حرًّا طليقًا. الخطر لا يكمن فقط في تسليم السلاح، بل في تسليم الإرادة. ولا في فقدان السلطة، بل في فقدان البوصلة. وإذا كان العرب صادقين فعلًا في دعم فلسطين، فليكن مطلبهم الأول: إنهاء الاحتلال… لا إنهاء المقاومة.
*كاتب اردني

Exit mobile version