حماد صبح*
في سورة الإسراء أن الله – تبارك اسمه – أخبر بني إسرائيل في التوراة بأنهم سيفسدون في الأرض مرتين ، ويعلون علوا كبيرا . وفي الإفساد الأول سيبعث الله عليهم عبادا له أولي بأس شديد يجوسون خلال الديار التي يسكنها الإسرائيليون؛ إشارةً إلى سيطرة أولئك العباد على هذه الديار سيطرة كاملة .
وفي الإفساد الثاني يخبرهم الله بأن أعداءهم سيسوؤون وجوههم ، وجوه الإسرائيليين ، وأنهم سيهلكون ويخربون كل ما سيطروا عليه من ممتلكاتهم . ويختلف المفسرون والمؤرخون حول زمن الإفساد الأول وهوية العباد الذين سيبعثهم الله لمعاقبة الإسرائيليين على فسادهم ، فيرى بعضهم أنه تم فعلا ، وأن الإسرائيليين عوقبوا عليه إلا أن الاختلاف يقع بعد ذلك في هوية المعاقبين ، والمفسرون والمؤرخون هنا فريقان: الأول يرى أنهم المسلمون ، وأن ذلك حدث في فتح خيبر في المحرم من العام السابع للهجرة ، ويرفضون الرأي الذي يذهب إلى أن العقاب حدث على يد نبوخذ نصر الثاني الملك البابلي في 556 557، وحجتهم أن البابليين ما كانوا مؤمنين ، وهي الصفة التي يحددها القول الكريم ” عبادا لنا ” .
ويهمنا هنا أن نركز على التساؤل حول ما إذا كان ما تفعله إسرائيل في الحرب الجارية من قتل وتخريب وتجويع في قطاع غزة هو الإفساد الثاني ، وامتدادا يكون التساؤل الآخر: هل هو نذير بمجيء عباد آخرين لتدمير كيانها وإساءة وجوه مستوطنيها؟! في التاريخ أن البشر يلوذون زمن الشدائد بالقوى الدينية سواء أكانت وثنية وهمية أم توحيدية حقيقية، وفي حال المسلمين يكون اللواذ بالقوة التوحيدية الحقيقية مجسدة في الله الواحد الأحد. حدث هذا دائما في مفاصل التاريخ الإسلامي العصيبة، وأشقها زمن الحروب الصليبية حين كثر الزهاد والمتصوفة ، وغزرت الأشعار الدينية المستغيثة بالله وبالرسول _ صلى الله عليه وسلم _ ويحدث اليوم ذات الشيء، وعلى نطاق أوسع مساحة وأثرى تنوعا إفادةً من اتساع التعليم ووفرة المعرفة وسرعة ويسر وتنوع وسائل الاتصال والقدرة على المشاركة فيها . يتساءل الناس: هل ولجت إسرائيل ظلمة وهاوية الإفساد الثاني ؟! وهل يفتح هذا الولوج سبيل نهايتها دمارا وهلاكا ؟! ومن هم العباد الجدد الذين سيفعلون ذلك ؟! في الإجابة نقول: أحد تفسيرات العلو الكبير أنه الإفراط في العدوان والظلم، وهو ما تفعله إسرائيل اليوم في قطاع غزة . أكثر من مائتي ألف شهيد ومصاب، وتدمير وتخريب أكثر من 90 % من العمران المدني ، وتجريف المزارع والبساتين ، وموالاة القصف المدفعي والجوي وإطلاق الرصاص على أماكن مقصوفة ومدمرة وخالية وجرداء ، وتصنيف ثلاثة أرباع مساحة القطاع مناطق حمراء يحرم أهلوها من التواجد فيها تواجدا مامونا ، والطيران بكل أصنافه لا يبارح سماء القطاع ليل نهار ، يقتل ويقصف ويزعج ويشرد النوم من عيون الناس.
وتقتحم العقل قناعة عاتية أن إسرائيل يجتاحها منذ أول أيام الحرب إعصار جنون وانفلات سلوكي عاتٍ ، وانه لو قدر لكيان بشري أن يحشر كله في مستشفى للأمراض العقلية والنفسية لكانت إسرائيل هي المؤهل الأوحد لهذا الحشر ، وبداهة دون ومضة رجاء في شفاء . إنهم ينوحون توجعا من وفرة ضحاياهم في الحرب قتلى ومصابين من مقاومين لا يحوزون سوى بندقية أو رشاش و ” شبشب “.
وفي آخر أخبارهم أن مائة ألف جندي باتوا أسرى اضطرابات نفسية وعقلية وسلوكية ، وأن العدد جاهز للقفز زيادة بعد توقف الحرب ؛ صدمات نفسية وعقلية بفاعلية ارتدادية ، والانتحار ملاذ لبعض الجنود . ويولولون على انهيار سمعة كيانهم عالميا ، ويصف الكاتب الإسرائيلي يميني دروري هذا الانهيار بأنه لا شبيه له في تاريخ الدول ، ولا يتوقفون عن حرب القتل والتخريب والجنون ، فما تفسير هذا ؟! ربما هو حقا الإفساد الثاني والأخير المنذر بهلاك كيانهم ، وهو الإفساد المحتم ، ومن أصدق من الله حديثا ؟! فما من جدال في هذه الحتمية ، الجدال في التوقيت ، أزف أم لم يأزف؟!
والشواهد كثيرة على أزوفه ، وأظهرها جنون القتل والتخريب والتجويع الذي فجرت إسرائيل حممه الملتهبة الدموية في قطاع غزة ، والانهيارات المتعددة في داخلها ، والسقوط الكلي لسمعتها في العالم وفي أمنع قلاع نصرتها في الغرب الأوروبي وحتى بين الشعب الأميركي .ومن آيات انهيار سمعتها ومنزلتها كثرة الدول التي تعتزم الاعتراف بالدولة الفلسطينية ، وفي طليعتها فرنسا . وتلمح بريطانيا إلى إقدامها على هذا الاعتراف . والإعلانات الصريحة والتلميحات القوية قد تصير واقعا ساسيا ودبلوماسيا في سبتمبر القادم ؛ موعد انعقاد هيئة الأمم المتحدة السنوي. ودائما يحق الله العادل الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون .
*كاتب فلسطيني/ غزة
ما تفعله إسرائيل في قطاع غزة.. هل هو الإفساد الثاني؟!
