زياد المجالي*
في خضم التصريحات المتدفقة من مصادر رسمية في إسرائيل، تتكرر عبارة أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قد حسم قراره بشأن غزة. لكن التدقيق في السياق يكشف أن ما يُعلن لا يتجاوز المناورة الإعلامية، بينما القرار الحقيقي لم يُتخذ بعد، لا على الورق، ولا في الميدان.
نحن أمام مشهد يذكّر بما واجهه رئيس الوزراء الأسبق أرييل شارون قبل عقدين. حينها، قرر شارون الانسحاب من قطاع غزة، رغم كل الاعتراضات التي واجهها من الداخل الإسرائيلي. قراره لم يكن عاطفيًا ولا مدفوعًا بضعف سياسي، بل بقراءة استراتيجية لما تُمثله غزة من عبء أمني وعسكري لا طائل منه.
ترك شارون القطاع، وترك خلفه سؤالا لا يزال يتردد حتى اليوم. هل انسحابه كان خطأ استراتيجيًا؟ أم أنه أنقذ إسرائيل من مقبرة كانت تُجهز لمن يواصل التورط في غزة؟
اليوم، يبدو أن نتنياهو لا يطرح السؤال، بل يهرب منه. يرفض الاعتراف بأن غزة باتت أكبر من مجرد ملف أمني. إنها أزمة وطنية إسرائيلية مفتوحة، تبتلع الوقت والجنود والسمعة الدولية. ومع ذلك، لا يجرؤ على اتخاذ قرار واضح، لا بالهجوم، ولا بالانسحاب، ولا حتى بالتسوية.
يلجأ إلى تسريب النوايا، وتضخيم الحديث عن الحسم، وخلق انطباع إعلامي مضلل بأن الأمور تتجه نحو قرار تاريخي. في الحقيقة، لا شيء من ذلك يحدث فعلا. ما يجري هو إدارة للغموض، وتأجيل للمواجهة مع الواقع.
غزة لم تعد كما كانت. هي اليوم ساحة مشتعلة، ولكنها أيضا مرآة تعكس مأزق إسرائيل الأخلاقي والعسكري. جيشها المتفوق محاصر في حسابات سياسية، وحكومتها تعيش تحت ضغط الشارع، فيما رئيسها يناور لإطالة عمر بقائه في السلطة، أكثر مما يناور من أجل أمن دولته.
من يفكر اليوم بالعودة إلى غزة، عليه أن يتذكر أن من غادرها قبل عشرين عاما، لم يفعل ذلك هربا، بل نجاة. العودة إلى المقبرة لا تعني سوى دفن المزيد من الجنود، والمزيد من الأوهام، في أرض لم تخضع يومًا للاحتلال الكامل، ولن تخضع.
المعادلة اليوم ليست في يد نتنياهو وحده. بل في ميدان تُرسم فيه الحدود بالنار، وفي عقول خصوم لم يعودوا كما كانوا. ومن يظن أن القوة وحدها تكفي، فليقرأ تاريخ غزة مع كل من ظنوا قبل نتنياهو أنه يمكن احتواؤها.
الاختبار الحقيقي ليس في الذهاب إلى الحرب، بل في الاعتراف بأن الحرب نفسها لم تعد خيارا. والزعيم الحقيقي لا يُقاس بما يعلنه في المؤتمرات، بل بما يجرؤ على الاعتراف به في لحظة الحقيقة.
قد ينام نتنياهو الليلة بوهم القوة، لكنه قد يصحو ذات صباح على مشهد مختلف. مشهد يخبره أن غزة، التي قاومت الاحتلال عشرات السنين، لا تنتظر أحدا. بل تبتلع من يستهين بها، وتعرّي من يتجاهل دروس التاريخ.
غزة لا تُنسى، ولا تُستعاد. ومن يتوهم السيطرة عليها، لا يملك إلا أن يدفع الثمن مضاعفا، كما فعل الذين جربوا من قبله، ثم غادروا بصمت أو بندم.
*كاتب اردني
