احمد الرجوب*
في ظل أنباء متضاربة عن اقتراب اتفاقٍ لوقف إطلاق النار في غزة، تبقى المشهدية العامة للمفاوضات بين دولة الاحتلال الصهيوني وحركة حماس – برعاية مصرية وقطرية وأمريكية – محكومةً بـ”التفاؤل المؤجل”، حيث تتكرر التصريحات عن “اختراقات وشيكة”، بينما تتعثر الخطوات على الأرض.
فما هي معوّقات الصفقة؟ وهل يمكن تحقيق هدنة مستدامة وسط تعقيدات الملفات العالقة؟
التكرار الذي لا يُنتج اتفاقًا:
منذ اندلاع الحرب، تكررت سيناريوهات التفاؤل الحذر، بدءًا من تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مرورًا بتسريبات وساطات متعددة، وصولًا إلى الزيارة الأخيرة لمبعوث البيت الأبيض، ستيف ويتكوف، إلى المنطقة.
لكن الواقع يشير إلى أن “الدخان الأبيض” لا يزال غائبًا عن الأفق القريب، كما يؤكد مراقبون.
“نسمع يوميًا عن هدنة لمدة 60 يومًا، لكنها تتبخر قبل أن تُنفَّذ”، يقول مصدر مقرّب من المفاوضات.
الاتهامات المتبادلة وإشكالية الرواية الواحدة:
في تصعيدٍ للخطاب الدبلوماسي، اتهم المبعوث الأمريكي لشؤون الرهائن، آدم بولر، حركة حماس بـ”تعطيل الاتفاق”، وهي رواية تتبناها واشنطن وتل أبيب.
لكن هذا الطرح يُناقَض بغياب الإشارة إلى الطرف الصهيوني، خاصة مع استمرار العمليات العسكرية في رفح وخان يونس، التي يصفها بعض المراقبين بـ”حرب الإبادة الجماعية”، وفقًا لتقارير من منظمات حقوقية.
الملفات الشائكة التي تعيد المفاوضات إلى الصفر:
حتى بعد الموافقة الأولية لدولة الاحتلال على مقترح الوساطة، وردّ حماس الإيجابي المشروط بتعديلات، تظل نقاط الخلاف جذرية:
قوائم الأسرى: من يحدد المعتقلين الفلسطينيين المُفرج عنهم؟ وكيف تُدار مفاوضات الإفراج عن 10 أسرى إسرائيليين أحياء و18 جثة؟
المساعدات الإنسانية: ما آليات إدخالها وتوزيعها؟ وكيف يمكن ضمان عدم تحويلها إلى أداة ضغط سياسي؟
الانسحاب العسكري: تطالب دولة الاحتلال بالاحتفاظ بثلث القطاع (مثل محور “موراغ”)، في حين يرفض الجانب الفلسطيني أي وجود عسكري دائم.
ضمانات إنهاء الحرب: من يضمن التزام الأطراف بعدم العودة للقتال؟ ومن سيدير غزة في مرحلة ما بعد الحرب؟
الزخم السياسي أم المماطلة؟
زيارة بنيامين نتنياهو الأخيرة إلى واشنطن، وتصريحات المسؤولين الأمريكيين عن “اختراق محتمل”، تثير تساؤلات حول ما إذا كانت الولايات المتحدة تسعى فعلًا لحلّ حقيقي، أم تستخدم المفاوضات كغطاءٍ لاستمرار العمليات العسكرية، لا سيما في ظل انحياز معظم مبعوثيها التقليديين للاحتلال.
خاتمة:
بينما يُطرح السؤال: “هل يمكن تحقيق هدنة قريبًا؟”، تبدو الإجابة مرهونة بتجاوز منطق “الرواية الواحدة” والضغوط الأحادية. فالتوازن في الرؤية – كما في المطالب – هو المدخل الوحيد لوقف نزيف الدماء في غزة. وحتى يتحقق ذلك، سيظل “التفاؤل المؤجل” هو السمة الغالبة، مع استمرار انزياح الأمل نحو المجهول.
كلمة أخيرة:
“لا دخان أبيض دون إطفاء النار أولًا”.
*باحث وكاتب أردني
