عادل حويس
في بلدٍ تنهكه الحرب وتطحنه الأزمات، لم يعد الراتب مكافأة على الجهد، ولا وسيلة للعيش الكريم، بل صار “نصف راتب” يأتي بعد طول انتظار، ويذهب في لحظة، تاركًا خلفه شهرًا كاملًا من العذابات اليومية التي لا تنتهي.
الموظف اليمني اليوم لا يحلم بالثراء، ولا يطلب امتيازات، كل ما يريده هو راتبٌ يكفيه لشراء حاجيات أسرته الأساسية. ولكن كيف له أن يعيش بنصف راتب، في زمنٍ تضاعفت فيه الأسعار، وتراجعت فيه كل مقومات الحياة؟ كيف له أن يدفع الإيجار، ويؤمّن الغذاء، ويوفر العلاج، والملابس، والمواصلات، والمدرسة، وكل ذلك من نصف حقه فقط؟
لقد صار نصف الراتب “منّة” تُمنح على فترات، لا موعد لها ولا انتظام، ويتعامل معها البعض وكأنها فضلٌ لا استحقاق، بينما يعيش الموظف مع كل يوم من الشهر صراعًا بين ما يريد وما يستطيع.
في بداية كل شهر، يدخل الموظف في دوامة القلق:
هل سيُصرف الراتب؟
هل سيكون نصفًا كالعادة؟
هل سيسبق موعد المدرسة أم يتأخر عنها؟
هل سيكفي لسداد الدين؟
أم سيدفعه ليقترض من جديد؟
تحوّل الموظف من إنسان منتج إلى كائن مرهق، مشغول دائمًا بتدبير الفُتات، حتى فقد لذة العيش، وراحة البال، والشعور بالأمان الوظيفي.
الراتب حق، لا منّة، والنصف لا يُطعم أسرة ولا يحل أزمة.
والدولة – أيًا كانت ظروفها – مسؤولة أمام الله وأمام التاريخ عن كرامة موظفيها، لا يجوز أن تُدار الحياة العامة على حساب قوت الناس وأمانهم الاجتماعي.
إن الاستمرار في هذا الواقع المرير يهدد بانهيار نفسي واقتصادي واجتماعي لقطاع واسع من الناس، ويزرع الإحباط، ويكسر الإرادة، ويدفع بالكفاءات إما للهجرة أو الانطواء أو التدمير الذاتي.
فهل من يُنصف الموظف؟
هل من يُدرك أن الكرامة تبدأ من رغيف الخبز، ومن حق العيش الكريم؟
وهل من نهاية لهذا العذاب الشهري الذي صار قدرًا جماعيًا؟
نصف راتب.. وعذابات كاملة يعيشها الموظف اليمني!
