اليمن الحر الأخباري

لماذا يُحاصَر الفعل التضامني المغربي مع غزة؟!

أنس السبطي*
معركة أخرى لا تقل أهمية عن معركة صمود الفلسطينيين بغزة وثبات مقاومتهم، تلك المتعلقة بتحريك الجماهير العربية والإسلامية والعالمية بغية الضغط على الأنظمة الداعمة للكيان الصهيوني التي تسند عدوانه على القطاع، والتي لولاها لاختلفت الصورة جذريا ولما استطاع الصهاينة الاستمرار في مسلسل إبادتهم.
لذلك لم يكن مفاجئا أن يتجند خصوم القضية الفلسطينية لمواجهة أية خطوات احتجاجية تفضح إجرامهم وتمنعهم من صياغة سردية تبرر ممارساتهم. ولئن عُمِدَ إلى تشويه كل فاعل إعلامي أو ميداني في المجتمعات الغربية وصولا إلى الاستهداف المباشر لصعوبة إخفاء تأثيرهم، فقد كان التعتيم الخيار الأنسب في الحالة المغربية.المتأمل في الحراك المغربي، ورغم أنه الأكثر تحشيدا واستمرارية عالميا بعد اليمن الذي انخرط نظامه السياسي في معركة طوفان الأقصى بشكل عضوي، فإنه قد تعرض لتعتيم إعلامي وقح، إذ ليس من المهنية أو الموضوعية في شيء أن يدير الإعلاميون ونشطاء التواصل الاجتماعي ظهرهم لكل تلك الأمواج البشرية التي لم تمل أو تكل من التعبير عن مؤازرتها لأهل غزة وعن غضبتها من الموقف الرسمي المغربي المساند للكيان الصهيوني في حربه الغادرة على قطاع غزة.
حصار الفعل التضامني المغربي مقصود من طرف من تغيظه حركية الجماهير، فبعد العجز عن منع المغاربة الذين لم يكن سهلا انتزاعهم لحقهم في التظاهر، حيث واجهتهم السلطة بأدواتها الخشنة مشككة في وطنيتهم فقط لأنهم رفضوا الاختراق الصهيوني لبلدهم واستخدام مقدراتهم في التآمر على فلسطين، والذين هبوا بالآلاف لكسر فيتو المنع من الخروج للشارع حتى أذعنت السلطة في الأخير لقرار الجماهير بعد أن أدركت أن قمعها مكلف وغير مأمون العواقب، فاضطرت لمسايرتها ريثما تضع الحرب أوزارها أو تتعب لوحدها.
وهذا ما لا يستحضره المتابع من بعيد للشأن المغربي الذي يظن أن التظاهر منة مخزنية، فيفرط البعض في تمجيد مجاني للحكمة الرسمية ويستهين آخرون من الحراك برمته لنفس السبب متجاهلين استمرار حضور القمع في المناطق التي يقل فيها الزخم أو التي ترفع سقف حراكها ولو قليلا. ومع ذلك فقد كثف الجانب الرسمي من حملاته سواء بالتسفيه والتشكيك من جدواه وتخوين أصحابه أو باختراقه بنخب ساندت اتفاقية التطبيع في السابق، والتي تم الدفع بها من أجل كبح جماح المتظاهرين وتحوير غضبتهم باتجاه فاعلين هامشيين في سلم السلطة المغربية.
إلى جانب الأطراف الداخلية شهدنا تواطؤا عربيا في حجب الضوء عليه، وذلك مجاملة للمغرب الرسمي من جهة، ومن جهة أخرى فإن المظاهرات الحاشدة المغربية تنسف الدعاية التي مررتها عن تحول المغرب إلى “إسرائيل ثانية” في المنطقة، والتي ما فتئت تتغنى بنجاحها في عبرنة المغرب الذي أريد له أن يعتبر أنموذجا ناجحا قابلا للتعميم في المنطقة، فإذ بغضبة ما بعد السابع من أكتوبر الشعبية تقضي على أوهامهم، الشيء الذي جعلهم يعمدون على طمس هذا الصوت عالي النبرة.
النموذج المغربي يراد تجاهله، لأنه بمثابة عدوى قد تصيب باقي الشعوب العربية والإسلامية، فالجماهير سرعان ما تتأثر ببعضها البعض فالذي دفع المغاربة إلى التظاهر سيشجع غيرهم أيضا، ولا غرو إذن أن تتنقل بين جل المحطات العربية فلا تجد إلا ذكرا عابرا للحراك في أحسن الأحوال. كذلك نشير إلى ذبابهم الإلكتروني الذي يشوش عن الإعلام البديل الذي يكسر حصار الإعلام الرسمي العربي، فتتمادى في التنقيص من الأصوات المغربية الحرة وتحويل هذه النافذة إلى مكان لاحتراب عربي – عربي يبعد الجميع عن جوهر القضية.
الأخطر في حصار الفعل التضامني المغربي مع القضية الفلسطينية هو تيئيس أهل غزة من محيطهم العربي والإسلامي، حيث يسعى الكثيرون بخبث إلى الترويج المكثف للفعاليات الغربية المناصرة لفلسطين على حساب أي فعل عربي (المسيرات المليونية المغربية، قافلة كسر الحصار المغاربية، المعتقلون العرب المناهضون للتطبيع العربي، الانخراط في الدعم المالي الشعبي …) وعقد مقارنات مجحفة بين الفعلين. والحق يقتضي إعطاء كل ذي حق حقه، ثم بعد ذلك يمكن أن نقدم نقدا موضوعيا لمجمل سلوكنا فيما بعد السابع من أكتوبر.
*كاتب مغربي

Exit mobile version