اليمن الحر الأخباري

التمدد العسكري الإماراتي في إفريقيا.. دوافع خفية ومآلات غير محسوبة!

 

د. محمد تورشين*
تعيش جمهورية إفريقيا الوسطى على وقع تحولات استراتيجية غير مسبوقة، تتجلى في تعزيز تحالفاتها مع قوى إقليمية ودولية خارج نطاق الشركاء التقليديين. وفي هذا السياق، يبرز الدور الإماراتي المتصاعد في البلاد، إذ تسعى أبوظبي إلى توسيع نفوذها العسكري والأمني في قلب القارة الإفريقية، مستفيدة من الانفتاح السياسي الذي يبديه نظام الرئيس فوستان أركانج تواديرا. وتشير معلومات متواترة إلى أن الإمارات بصدد الحصول على موافقة رسمية لإنشاء قاعدة عسكرية في مدينة بيراو الواقعة في شمال شرق البلاد، وهي منطقة استراتيجية تقع على تقاطع الحدود مع السودان وتشاد، وتُعد ذات أهمية كبرى في الحسابات الجيوسياسية.ويأتي هذا التوجه الإماراتي في ظل تحولات إقليمية متسارعة، لا سيما في ظل تراجع أدوار بعض القوى الغربية التقليدية في مستعمراتها السابقة، مقابل صعود لاعبين جدد في مقدمتهم روسيا التي باتت تحتفظ بنفوذ واسع في إفريقيا الوسطى عبر مجموعة “فاغنر”، ثم “أفريكا كوربس”. في المقابل، تسعى الإمارات إلى لعب أدوار موازية لروسيا وفرنسا، من خلال تقديم الدعم السياسي والعسكري واللوجستي لنظام بانغي، مع التركيز على مشاريع إعادة الإعمار والتنمية، وتزويد الجيش بالأسلحة والمعدات، علاوة على التمكين العسكري المباشر عبر البعثات التدريبية وتشييد البنى التحتية العسكرية.
ويُفهم من التحركات الإماراتية أن أبوظبي تنظر إلى إفريقيا الوسطى باعتبارها نقطة ارتكاز جديدة لمشروعها الإقليمي في العمق الإفريقي، خصوصاً في ظل تصاعد التوترات في إقليم دارفور المجاور، وتدهور الوضع الأمني في الحدود الشرقية لإفريقيا الوسطى، حيث تنشط جماعات مسلحة وتنظيمات متمردة. كما أن السيطرة على منطقة بيراو تعني فعلياً التمركز قرب مسارات تهريب الأسلحة والبشر والذهب، مما يوفر للإمارات نقطة مراقبة متقدمة لمصالحها الأمنية والاقتصادية في منطقة الساحل والبحيرات العظمى.
ويتّسم التحرك الإماراتي في إفريقيا الوسطى بطابع مزدوج، إذ يتراوح بين دعم النظام الحاكم وتقديم المساعدات الاقتصادية، وبين الاستثمار في البنية الأمنية والعسكرية للبلاد، وهو ما يمكن أن يثير مخاوف قوى دولية أخرى من تحوّل البلاد إلى ساحة تنافس بين عدة أطراف، لا سيما في ظل حساسية موقعها الجغرافي وتعقيدات توازنات القوى فيها. ولا تخرج هذه التحركات عن السياق الأوسع للسياسة الإماراتية في إفريقيا، حيث عمدت أبوظبي في السنوات الأخيرة إلى إنشاء قواعد عسكرية ومراكز نفوذ في عدد من الدول الإفريقية، من بينها إريتريا، والصومال، وجنوب السودان، وذلك في إطار ما بات يُعرف بمشروع “التمدد الهادئ” الذي يجمع بين الحضور العسكري والتغلغل الاقتصادي.
في ضوء ذلك، يُمكن قراءة النشاط الإماراتي في إفريقيا الوسطى كجزء من مشروع أوسع لإعادة صياغة خارطة التحالفات في القارة الإفريقية، وتثبيت موطئ قدم استراتيجي في منطقة مضطربة وغنية بالموارد الطبيعية، مثل الذهب واليورانيوم. كما أن هذه التحركات توفر للإمارات منفذاً برياً إلى مناطق نفوذ تقليدية لفرنسا وروسيا، ما يعزز من موقعها كفاعل غير تقليدي في التوازنات الجيوسياسية للقارة. ولا يبدو أن هذا الدور سيمر من دون تبعات، خاصة أن التمدد الإماراتي في بيراو قد يُنظر إليه كاستفزاز ضمني لبعض القوى الإقليمية، لا سيما تشاد والسودان، وهما البلدان اللذان يشهدان أصلاً أزمات أمنية وسياسية معقدة.
في النهاية، فإن التحركات الإماراتية في إفريقيا الوسطى تمثل فصلاً جديداً من فصول التنافس الدولي في القارة، وتطرح تساؤلات حول مستقبل التوازنات الإقليمية، ومدى قدرة الحكومات الإفريقية على الحفاظ على استقلالية قرارها السيادي وسط تصاعد النفوذ الخارجي، وتعدد مراكز الضغط والمصالح.
*باحث وكاتب في قضايا والصراعات والأمن في افريقيا

Exit mobile version