اليمن الحر الأخباري

تبقى فلسطين هي البوصلة!

الياس فاخوري*
من “الحزام الإمبريالي الشمالي المترامي على شكل قوس” الى “ممر زنغزور”: تبقى فلسطين هي البوصلة!
تطرّقتُ بعدد من مقالاتي لنظرية العام 1941 حول الحزام الإمبريالي الشمالي المترامي على شكل قوس (Northern Arc-shaped Belt Theory) وحرب الولايات المتحدة/إسرائيل على إيران!
وكانت القوى الإمبريالية قد جمعت عام 1941 باكستان وإيران وتركيا في قلب ما عُرف بـ”نظرية الحزام الإمبريالي الشمالي” حيث تقع هذه البلدان في منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة وأمنية عازلة يمكن ان تُشكِّل سدّاً حصيناً، وجداراً واقياً، ودرعاً في مواجهة تنامي النفوذ السوفيتي – ولاحقًا الصيني .. حيث قامت بريطانيا والولايات المتحدة بإنشاء “حلف السنتو”
للتصدي ل”خطر التوسّع السوفيتي” نحو منطقة الشرق الأوسط الغنية بالنفط .. وتساءلتُ اكثر من مرة: هل كانت ثورة عام 1979 الايرانية وانفكاك ايران من طوق الحزام الإمبريالي الشمالي، هي السبب الكامن وراء الحرب الأمريكية/الإسرائيلية على إيران؟ واضفتُ:
منذ الحرب العالمية الثانية والهيمنة الأميركية حاضرة خاصة بعد استدارة أيزنهاور بانذاره لوقف العدوان الثلاثي .. ولكن مصر عبد الناصر شكّلت استثناءً مُشرِّفاً، فوقعت هزيمة 1967 ليتسيَّد المشروع الأميركي على المنطقة .. وجاءت انتفاضة 1973 المحدودة بمحاولة حرب لم تكتمل بالتعاون مع الاتحاد السوفييتي فاسترد الأميركي زمام المبادرة من خلال كامب ديفيد التي اكتملت معالمه عام 1979 ضمن سعي جاد لتأبيد السيطرة الأميركية .. ففاجئتهم الثورة الاسلامية في ايران لتقوم أميركا باشعال وادارة الحرب العراقية على ايران لازالة الثورة والقضاء على تأثيراتها (قادسية جديدة بافتعال الفتنة السنية الشيعية) من ناحية، والغزو الاسرائيلي للبنان من الناحية الاخرى بهدف الإطاحة بالمقاومة الفلسطينية، واقامة دولة صديقة لإسرائيل، وبالطبع محاصرة سوريا فتركيا الأطلسي في الشمال و”إسرائيل الحبيبة” في الجنوب .. ثمّ كان ان زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا لقيام ساعة المقاومة التي وُلِدَت بدعم سوري/إيراني وتمكنت من “فرملة” المشروع الصهيوامريكي في لبنان .. وفي العام 2000، اكتملت هزيمتهم وتُوِّجت بالانسحاب من لبنان ليأتي الرد الأميركي بدخول المحافظين الجدد الى البيت الأبيض الذين قاموا باستثمار “Sept 11” لجرِّ أميركا الى المنطقة (حرب أفغانستان 2001، وحرب العراق 2003، وحرب لبنان 2006، وحرب غزة 2008)، كما صنَّعوا الربيع العربي للتلاعب بالأولويات بعيدا عن فلسطين وتحرير الاراضي المحتلة وهذا ما يحدث اليوم في سوريا ..
ويأتي لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ولاية ألاسكا يوم الجمعة المقبل في إطار مساعي الحل الدبلوماسي للحرب في أوكرانيا وربما اعلان التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب المستمرة بين روسيا وأوكرانيا منذ أواخر فبراير/شباط 2022 بشروط روسيا (بقاء القوات الروسيّة في المناطق التي تتمركز فيها عند وقف إطلاق النار، وشرعنة هذا البقاء ضمن أي اتفاق سلام) .. في هذه الأثناء يرعى ترامب في البيت الأبيض اتفاقاً بين رئيس أرمينيا والرئيس الأذربيجاني يحقق المطالب الأذربيجانية التاريخيّة من أرمينيا، ويضمن خروج أرمينيا من منطقة التوازن بين الغرب والشرق ربما مقدمةً لإقفال القاعدة الروسية فيها.
ad
اما الحدث الجيوسياسي الابرز والأهم فيكمن في تمكّن المبعوث الرئاسي الأميركي توماس باراك من تضمين هذه المصالحة اتفاقاً على ممر زنغزور (The Zangezur Corridor) الذي يقوم على الأراضي الأرمنيّة ويربط جزءين منفصلين من أذربيجان، لكنه يقطع تواصل إيران وروسيا عبر الأراضي الأرمنية – – وذلك من خلال تأمين شراكة عقارية لاستئجار منطقة الممر لمئة عام بمئة مليار دولار من أرمينيا، وتطويرها عقارياً لجعلها منطقة استثمارية، الامر الذي سرّع حسم الموافقة الأرمنية رغم عِظَم الضغوط الروسية والايرانية! هكذا تقترب واشنطن وحلفاؤها من حدود روسيا وتتبدى خطوط موازين جديد في الإقليم، الذي لطالما اعتُبر إحدى “الحدائق الخلفية” التقليدية للنفوذ الروسي في فضاء ما بعد الاتحاد السوفياتي .
ويرى خبراء روس أن ممر زنغزور يمثل نقطة تصدع محتملة قد تضعف موقع روسيا في جنوب القوقاز، وتقلص في الوقت نفسه من قدرة الصين على احتكار طرق مبادرة “الحزام والطريق” .. وقد يتحول الممر إلى شريان ضخم لنقل البضائع من آسيا الوسطى وأفغانستان إلى أوروبا والشرق الأوسط عبر تركيا متجاوزا الأراضي الروسية، كما يتيح الممر المرتقب لحلفاء واشنطن -وفي مقدمتهم جورجيا – منفذا اقتصاديا جديدا، ويقرب البنية التحتية اللوجيستية لحلف شمال الأطلسي (ناتو) من الحدود الجنوبية لروسيا في خطوة توصف بـ”الخطيرة”.
وماذا عن تركيا التي تحاول تحويل الممر إلى منصة تعاون إقليمي تخدم رؤيتها لـ “الممر الأوسط” الذي يربط الشرق بالغرب عبر آسيا الوسطى! وماذا عن محاولات الكيان “الاسرائيلي” اللقيط ربط ممري داود وزانغزور عبر تركيا بما يتيح لـ”إسرائيل” طريقاً برياً إلى أذربيجان وحدود إيران! وكما اسلفتُ، ها هو توماس باراك (المبعوث الأميركيّ إلى سورية ولبنان والسفير الأميركي في أنقرة) الذي يساهم في إدارة التفاوض السوري الإسرائيلي في باكو، يظهر مجدداً على خط المقترحات التفاوضيّة حول الممر، مقدماً حلّه الاقتصادي باستئجار مساحة الممرّ لمئة عام!
ووفقاً لوثيقة سرية كشفتها صحيفة “بيريوديستا ديجيتال” الإسبانية، فقد تم التوصل إلى اتفاق ثلاثي مثير للجدل بين أرمينيا وأذربيجان والولايات المتحدة، يقضي بوضع ممر زنغزور تحت السيطرة الأمريكية لمدة 99 عاماً، وتحمل الوثيقة المسربة عنوان “مذكرة تفاهم بشأن إنشاء ممر النقل/جسر ترامب”، وتنص على أن شركة عسكرية أمريكية خاصة ستتولى إدارة الممر وتأمينه، مع نشر حوالي 1000 عنصر من المقاولين العسكريين الأمريكيين.
وقد حذر الايرانيون من الأهداف الحقيقية للمشروع حيث يَرَوْن أن ممر زنغزور المقترح هو مخطط جيوسياسي “يُنفذ كغطاء لمشاريع أوسع” تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل وحلف شمال الأطلسي والحركات القومية التركية، بهدف تقويض الأمن القومي الإيراني، وإضعاف محور المقاومة حيث يتم قطع ارتباط إيران بالقوقاز، وفرض حصار بري على إيران وروسيا في جنوب المنطقة . ولا ينفى الدور الإسرائيلي في المعادلة حيث تشير التقارير الاستخباراتية إلى أن إسرائيل لعبت دوراً محورياً في دفع هذا المشروع قدماً، وكانت قد استخدمت المجال الجوي الأذربيجاني لشن هجمات على الأراضي الإيرانية وهذا ما يؤكده مركز بيغن-السادات للدراسات الدولية الإسرائيلي (أذربيجان واحدة من “أعمدة” البنية الأمنية الإقليمية لإسرائيل وقاعدة لعمليات الاستخبارات الإسرائيلية)!
من هنا جاء اعلان المقاومة ورجال الله في الميدان عن فشل الحروب “الإسرائيلية” كما أكد ذلك طوفان الأقصى على ساعة السابع من اكتوبر/تشرين الاول 2023 لتسقط الثقة بقدرة الجيش “الاسرائيلي” على الحماية وقد عجز عن التقدم في الحرب البرية ولم يتمكن من الوصول الى الليطاني، وانهارت القبة الحديدية بازدياد عدد صواريخ المقاومة وتوسع دائرتها .. فشل جيش الاحتلال في استعادة الأسرى، وفشل في اعادة مستوطني الشمال وغلاف غزة .. فشل في سحق المقاومة كما في الرهان على التهحير (غزة ولبنان) .. وهكذا يتوقف مستقبل/بقاء “اسرائيل” على تحقيق النصر الحاسم ومشروع المقاومة يتمثل في منع “اسرائيل” من تحقيق النصر الحاسم .. وفي هذا السياق انبعث طوفان الأقصى؛ لم يكن حرب تحرير او استنزاف، بل كان اقرب الى انفجار كبير قَلَبَ الطاولة الإقليمية والدولية واجهض البدء بتنفيذ مشروع الرئيس الأميركي جو بايدن الذي أُعلن في قمّة العشرين (نيودلهي) تحت شعار طريق الهند إلى أوروبا مروراً ببعض دول المنطقة و”إسرائيل” وكان من متطلباته القضاء على المقاومة في غزة ولبنان بحرب مفاجأة استبقتها ساعة السابع من اكتوبر/تشرين الاول 2023!
اما غزة فقد جعلت بطوفانها الاقصى وفلسطين بقدسها وأقصاها وقيامتها و”يَمَنِها” و”يسارها” لأمتي منبراً للسيف وآخر للقلمِ!
الدائم هو الله، ودائم هو الأردن العربي، ودائمة هي فلسطين بغزتها وقدسها و”الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ” ..
سلام الأقصى والقدس لكم وعليكم تصحبه انحناءة إكبار وتوقير لغزة واهلها – نصركم دائم .. الا إنّكم أنتم المفلحون الغالبون ..
*كاتب أردني

Exit mobile version