الياس فاخوري*
مقاومون حسينيون على العهد وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا .. فلسطينهم من النهر الى البحر ومن الناقورة الى ام الرشراش (27027 كم²) .. ووطنهم عربي من المحيط الأطلسي غربًا وحتى الخليج العربي شرقًا، ومن بحر العرب جنوبًا وحتى تركيا والبحر الأبيض المتوسط شمالًا (13 مليونا و487 ألفا و814 كم²)!
مقاومون حسينيون على العهد وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا .. “صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ” ويعيدون اليه ادارة الشرق الأوسط بعد ان اغتصبها الشيطان كما ظنّ ديفيد هيرست.
ارتقى الملايين منهم في مقاومة انواع الاحتلال والانتداب والاغتصاب الصهيوني والملايين تَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا .. ارتقوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَحْيَاءً عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ!
مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (الاحزاب – 23)
وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (ال عمران – 169)
مقاومون حسينيون على العهد وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا .. باركوا الحياة فوق الارض، لا تحت الطغاة، يُحِبُّون الحياة، يُحَيّونَ الحياة، ويرون في الأفق أفقاً آخراً، ويعرفون الشهداء جميعاً، والذين سيُولدون .. تحت الشجرْ، تحت المطرْ، من الحجرْ، من الشظايا، من المرايا، من الزوايا، من الهزائم، من الخواتم، من البراعم، من البداية، من الحكاية، بلا نهايةْ، يولدون , ويكبرون , ويرتقون’، ويولدون , ويولدون ’ ويولدون ..
ويبقى العربي (الفلسطيني واللبناني- مثلاً) ممتلئا من الروح المقاوم مهما فعلت أبالسة القرن وشياطينه فمكتوب أَنْ لَيْسَ بِالْمال والسلطان والمجد الصهيواروبيكي وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَل بكل حبة تراب تخرج من ارضنا وكل قطرة ماء تنزل من سمائنا ولن يتعب هذا الطين ولن يرحل، ولن يبدل تبديلا حتى وان طرحتموه من اعلى الأجنحة او الشرفات او القمم الى أسفل فمكتوب أيضاً ان رجال الله في الميدان يتلقفونه ويحملونه على الأكف .. لا تجربوا صاحب الارض العربي (الفلسطيني واللبناني – مثلاً) المقاوم، فالارض أرضنا ولبنان لنا، والقدس قدسنا والبحر بحرنا والشمس شمسنا والسماء لنا .. و “على هذه الأرض ما يستحقّ الحياةْ .. ومحمود درويش ابننا، و
“على هذه الأرض ما يستحقّ الحياةْ،
على هذه الأرض سيدةُ الأرض،
أم البدايات أم النهايات،
كانت تسمى فلسطين، صارتْ تسمى فلسطين،
سيدتي: أستحق، لأنك سيدتي، أستحق الحياة”!
مقاومون حسينيون على العهد وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا.. مقاومون يؤمنون ان الجنة اقرب من الذلة والاستسلام وقد اعلنتها الطفلة الشريفة “شامُ أنس الشريف” .. أعلنت حُبها لغزة ورفضت فراقها الى قطر، الى الاردن، الى مصر، الى تركيا، والى اي مكان في العالم — أبداً “بالمرة”!
نعم، الطفلة الشريفة “شامُ أنس الشريف” بذاتها وبما تُمَثِّلُ تَكشف عن نقطة الضوء في صراع اليوم حيث المقاومة الزينبية جاهزة لإجهاض الحلم الصهيوني ة، وكانت ديانا فاخوري قد دَأَبت على الدعوة لتٓمٓثُّل النفحات الملكوتية في الترنيمة الملائكية فنرى عاشوراء في اللوحة الزينبية: “ما رأيت الا جميلا”!
لنتأمل كلمات السيدة الحوراء الأربعة: “ما رأيت الا جميلا” .. قالتها وقد رأت مصرع سبعة عشر من أهلها وفيهم ولدين من أبنائها وفلذة كبدها، وخمسة من إخوتها لا سيما أخوها الأكبر وسيدها ومولاها وإمامها وشقيق روحها التي كانت لا تستطيع أن تعيش “إلا أن تراه من شدة حبها له (الإمام الحسين) مقطعاً بتلك الطريقة والوحشية، وليس ذلك فقط بل انتدب اللعين عمر بن سعد القرشي عشرة من خيول الأعوجية فداست صدره وظهره وسمعوا تكسر أضلاعه وعظامه، كما أمرهم ابن مرجانة”!
كيف لها ان تصف ذلك كله بالجمال .. هل رأت الجمال في الخسارة والمرارة والأسى، ام في السخرية والغل والحقد والتشفي!؟ أين الجمال في كل ذلك!؟ وكيف نفهم معنى الجمال في هذه الدرة الزينبية؟
لم ترى السيدة زينب في الجانب المأساوي والمؤلم خسارةً، بل تضحية ضئيلة ثمناً للعز والخلود بالمقاومة صاحبة النصر اليقين .. وفي هذه الإجابة البليغة التي لم تزد على أربع كلمات تبرز عدة معان:
١) الفصاحة التي غرفت من بلاغة أبيها أمير المؤمنين(ع) صاحب نهج البلاغة وفيلسوف الإسلام: سرعة الإجابة من غير تردد او تلكؤ وهي الأسيرة .. الإيجاز فلو حذفنا (ما وإلّا) تبقى كلمتان فقط، لكنها وظّفت أداتي الحصر للتوكيد فحصـرت ما رأت كلَّه بصفة الجمال.
٢) الجسارة الأدبية التي تربت عليها في حضن أمها المعصومة فاطمة الزهراء(ع).
٣) قوة الحجة التي لا جواب لها والتي ضربت لسان ابن زياد بالعيّ وأعمَت منطقهُ.
موقف صعب جابهته الحوراء برباطة جأش وتحدٍ اذ رأت في ابن زياد مجرد “صنم بشري وضيع لا تؤثر فيه الإهانة”، فقررت أن تستكمل جلده بسياط عباراتها البليغة: “ثكلتك أمك يا ابن مرجانة”! تحدثت بما يشبه الزلزال وَهِي القابضة على الموقف، تُمسك بكلّ حبال الموضوع وتحرّكه بالطريقة التي تشاء فقلبت المشهد (مشهد الأسير) وأعلت قيم الامام علي (كرَّم الله وجهه) كما رفعت شعلة حقوق المرأة بوجه ومواجهة ابن زياد .. وهكذا زرعت في تربة النفوس بذرة المقاومة والثورة وبلورت كينونة الحياة في الموت، والسطوع في الانطفاء، والجمال في القبح، والسعادة في الثكل!
ما سرّ هذه الفلسفة التي جاءت بها السيدة زينب عليها السلام؟ ألِأَنَّ الجمال (جميل) من اسماء الله الحسنى؟ فهل رأت في الجمال شيئاً إلهياً يرادف الخير، ومعنىً مطلقاً مجرّداً غير قابل للتغيير؟ هي، لا بد، رأت “اللانهاية” في الجمال .. وحاصل قسمة اي عدد حقيقي على “اللانهاية” يساوي صفر: أ ÷ ∞ = 0 .. ومن هنا لم تر السيدة الحوراء في الجانب المأساوي والمؤلم خسارةً، بل تضحية ضئيلة ثمناً للعز والخلود بالمقاومة صاحبة النصر اليقين .. هذه رياضيات زينبية: كل ما تقدمه يعادل صفراً مقابل جمال اللانهاية كما يتبلور في لوحة المقاومة الزينبية .. وعليه: “ما رأيت الا جميلا”!
كيدوا كيدكم – فما ايامكم الا عدد، وما جمعكم الا بدد .. الم تصلبوا المسيح قبل سلسلة “الارتقاء والصعود” الاخيرة وكنتم قد تسببتم “بقتل جَمِيعَ الصِّبْيَانِ الَّذِينَ فِي بَيْتِ لَحْمٍ وَفِي كُلِّ تُخُومِهَا مِنِ ابْنِ سَنَتَيْنِ فَمَا دُونُ” (إنجيل متى 2: 16)!؟
الأرض الآن كربلاء .. وها هم المجاهدون اولو البأس في خيبر الجديدة، يكرّون ولا يفرّون .. يهزؤون بالمنايا ولا يبالون بالموت .. ويضمّدون بجراحهم جروح الأرض!
اما اللحظة التاريخيّة فقد اكتملت بتوقيت ساعة السابع مِن أكتوبر/تشرين الاول 2023. لم تبدأ في تلك الصبيحة عند تخوم غزّة، بل اكتملت هناك، وكانت اللحظة التي نودّع فيها عالم ما قبلها لنفتح صفحة جديدة مِن التاريخ: “بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ”(القمر – 46) .. وهنا سنوقظ هذه الأرض التي استندت إلى دَمنا// سنوقظها ونُخرجُ من خلاياها ضحايانا .. فهل تمكن الأميركيون من البقاء في فيتنام او في أفغانستان، ام انهم فروا تحت جنح الظلام!؟ كيف إذن لـ “الاسرائيليين” البقاء في غزة او لبنان، وحيث الكلام حيناً عن “مراقصة الجحيم”، وحيناً عن “مراقصة المستحيل”؟ فلا شرق أوسط جديد!
” الا وإنّ الدعي بن الدعي ـ قدْ ركز بين اثنتين، بين السلة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحُجور طابت وحجور طهرت، وأُنوف حمية، ونفوس أبية، من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام، ألا وإنّي زاحف بهذه الأسرة على قلّة العدد وخذلان الناصر”!
مقاومون حسينيون على العهد وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا.. مقاومون جعلوا المقاومة عملاً علميّاً وفعلاً هادفاً، لا عملاً انفعالياً عاطفيّاً .. يأبى الله لنا الذلة، وكذلك تفعل الانوف الحمية والنفوس الابية!
وقبل، وبعد، هل فشلت الدعوة بموت صاحبها صلى الله عليه وسلم!؟
الم ينهض ابو بكر قائلاً: ان كنتم تعبدون محمد فان محمدا قد مات وان كنتم تعبدون الله فان الله حي لا يموت!
مقاومون حسينيون على العهد وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا .. فمن كهف “يهوه” الى كهوف تورا بورا، مازال الأعداء يسعون لتقديمنا قرباناً للغاز والنفط .. وإذا كانت مذبحة “دير ياسين” عام 1948م تمثل عنواناً لنزف الدماء، فقد صارت “غزة” و”الضفة” و”لبنان” اليوم رموزاً لشلالات الدم .. كان موعد فلسطين مع أول مذبحة يوم 6-3- 1937م في سوق حيفا حيث استشهد 18 مدنياً وأصيب 38 على يد عصابة “الإتسل”، وكان موعد لبنان مع أول مذبحة في عام 1948م وهي مجزرة “مسجد صلحا” بالجنوب .. وفي السجل المتخم بالمذابح الصهيونية في فلسطين ولبنان ومصر تطول القائمة التي تحوي حوالي 300 مجزرة بدءاً بالعام 1937م ومروراً بمجازر ومذابح الشيخ، ابو شوشة، الطنطورة، قبية، قلقيليه، كفر قاسم، خان يونس، المسجد الأقصى، المسجد الإبراهيمي، مخيم جنين، قانا الاولى، قانا الثانية، وقرية “مروحين” وصور وبنت جبيل ومارون الراس وصريفا وصبرا وشاتيلا، مذبحة الأسري المصريين في حرب 1967م، ومذبحة مدرسة بحر البقر .. وها هي وتيرة المذابح تتسارع يومياً على أرض فلسطين من جنين وطول كرم، والخليل ونابلس إلى غزة .. هذا ولم تُشر الوقائع والبيانات المسجلة إلى أن مجزرة واحدة قد وقعت بطريق الخطأ، بل تؤكد التدبير لكل منها مع سبق الإصرار والترصد.. وليست هناك مجزرة واحدة وقعت بحق مقاومين أو مقاتلين، بل كانت كلها بحق مدنيين أبرياء وعلى حين غرة منهم؛ في الأسواق، والعيادات، وفي الأحياء والبيوت – وبعضهم نيام..
الم يحدث هذا في جنوب لبنان، بالأيدي العارية، لا بالقاذفات ولا بالدبابات، حيث تمكن المقاومون من اجتثاث أي اثر للاحتلال عام 2000؟ ثم الم يتكرر المشهد عام 2006 ببكاء الميركافا؟ واليوم ترون كيف يواجه المقاومون اياهم محاولات “التوغل” بعد “التغول” بالأرمادا العسكرية الاسرائيلية، بالأسلحة الأميركية عظيمة التطور وشديدة الفتك، وبالترسانة الالكترونية التي “ترصد حتى دبيب الملائكة في العالم الآخر” .. وهنا لا بد من بابلو نيرودا فنستعير قوله عن حرب فيتنام: “حيث أزهار الاقحوان تكسر ضوضاء الأعاصير”!
انهم، لن أملَّ تكرارها، مقاومون حسينيون مستمرون يَرَوْن “النتن ميلكوفسكي” مجرد هيكل عظمي كما قدّمته لافتة احدى تظاهرات “تل أبيب” – وان ببهرجةٍ سِيبرانية! لا يغرنّك انتفاش الطغاة، ففي قمّة ثقتهم بالنصر يقلب الله الموازين وتأتي الهزيمة من حيث لا يحتسبون وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ العداةُ ليهزموكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ: “وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ” (الأنفال -٣٠)!
واذ يطالعنا الشهداء الذين “صعدوا” والسماء ووجه “ديانا” ببسمة لكأنها بسمة انبياء، نستذكر القاسم و”نعيم”ه حيث أزهرت الدماءُ نصراً اذ رَسَنْت المقاومةُ الوحشَ وأَرْسَنْتهُ وأَجررته الى حظيرة القاسم!
إذن، “اسرائيل الى زوال” كما وكم بشَّرت ديانا ..من زيتون فلسطين إلى أرز لبنان: صفر هي المسافة الى النصر بزوال اسرائيل؛ سَّمَاءُ الكيان “كَالْمُهْلِ”، وجِبَالُ الكيان “كَالْعِهْنِ”!
فاذهب الى “المعارج” واقرأ: “فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (5) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (7) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (8) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (9)”!
وهنا يأتي القاسم الاخر (سميح):
“هنا سِفرُ تكوينهم ينتهي.
هنا .. سفر تكويننا .. في ابتداء!”
الدائم هو الله، ودائم هو الأردن العربي، ودائمة هي فلسطين، كما الوطن العربي ..
نصركم دائم .. الا أنكم أنتم المفلحون الغالبون ..
*كاتب أردني
