رانيا منذر ديب*
سوريا قلب الشرق الأوسط
سوريا ليست مجرد خريطة على الورق، بل قلب الشرق الأوسط النابض بحضارة وثقافات امتدت آلاف السنين. لكنها اليوم تواجه مشروعًا كبيرًا لتقسيم المنطقة، بدأ منذ أكثر من قرن مع اتفاقيات سايكس–بيكو، التي رسمت حدود المنطقة بطريقة تهدف إلى إضعاف الدول وجعلها رهينة القوى الكبرى.
سوريا كانت دائمًا الهدف الأول. من الساحل إلى الداخل، حاولت المخططات الخارجية خلق دويلات طائفية صغيرة، وجعل البلاد هشّة وسهلة السيطرة عليها. في الثمانينات، اقترح المؤرخ برنارد لويس تقسيم الدول إلى وحدات صغيرة على أساس الطائفة والعرق، فكرة تجاوزت الأكاديميا لتصبح خارطة استراتيجية لتفتيت سوريا وربط النفوذ بالقوى الأجنبية.
اليوم، يُعاد تدوير هذا المشروع عبر المخططات الإقليمية الحديثة والمشروع الإبراهيمي، الذي يسعى لإعادة رسم النفوذ السياسي والاقتصادي في المنطقة، وإضعاف الدول الوطنية، بما فيها سوريا ولبنان والعراق، لصالح تحالفات خارجية.
الإرهاب المسلح باسم الدين، بعيدًا عن الإسلام المعتدل، أصبح أداة لتفكيك المجتمع السوري. المدن الكبرى شهدت التدمير وأعمال العنف والسرقة. مجازر الساحل الأشد وحشية دمرت قرى كاملة وتهجّر سكانها. مجزرة مدينة السويداء والحصار المطبق عليها اليوم من قطع الغذاء والماء إلى حرمان السكان من أبسط مقومات الحياة، كلها أمثلة على هذا الإرهاب الممنهج.
حرائق الساحل لم تكن مجرد حرق للأرض والشجر، بل محاولة لإجبار من بقي على الرحيل، وتوثيق الانتصار على منصات التواصل، بهدف إعادة تركيب سياسي وديني يخدم مصالح خارجية. هؤلاء الإرهابيون خلقوا إسلامفوبيا مسيسة لضرب الإسلام الحقيقي، تمهيدًا لإحلال دين بديل، هو المشروع الإبراهيمي.
في لبنان والعراق، رأينا نماذج مشابهة: تقسيم النفوذ والطوائف، وترك الشعوب رهينة النزاعات والتدخلات الخارجية. لبنان، الذي وُلد بدولة طائفية ضعيفة، أصبح مثالًا على هشاشة الدولة، وموارده الطبيعية استُغلت بما يخدم مصالح القوى الكبرى. العراق شهد تقسيمًا بين الكرد والسنة والشيعة، وظهرت دويلات داخل الدولة الواحدة، ما خلق صراعات مستمرة وسهّل السيطرة على البلاد من الخارج.
سوريا اليوم تواجه نفس المحاولات، لكن موقعها الاستراتيجي ومواردها يجعلها قلب الصراع الأكبر.
الهوية والوطن فوق كل الاعتبارات
نحن السوريون، بكل مكوناتنا، ندرك الحقيقة: هذه ليست حربًا دينية، بل حرب على الأرض والهوية والسيادة. مواجهة الإرهاب وحماية الشعب هي حماية للهوية الوطنية والدينية الحقيقية. الحفاظ على سوريا موحدة هو الرد الطبيعي على محاولات تقسيمها وإخضاعها لمشاريع خارجية، سواء عبر القتل المباشر، حرق الأرض، أو التدخلات السياسية والاقتصادية.
سوريا ليست مشروعًا لأحد، ولا دينًا مزيفًا يمكن فرضه عليها. كل شجرة تُحرق، كل منزل يُهدّم، كل حي يُفرغ من أهله، هو تذكير بأن الوطن أغلى من كل مؤامرة. ومع كل اعتداء يولد الأمل من رماد الدمار، ويثبت السوريون أن الهوية والوطن لا يُباعان ولا يُقهران. سوريا ستظل حية، زرعها سيعود، صامدًا، حرًا، لا يُهزم.
*كاتبة سورية
