هدى صبر*
من هنا مررنا بشارع التحرير..وتنفسنا على أرصفته رائحة البن..وعطر الكتب المستلقية تحت وهج النور.. تنثر العلم المبين في كل زاوية.
هنا في قلب صنعاء..عانقنا التاريخ عناق المحبين والعاشقين،،وسافرنا مع سفر الأولين،،وصلّينا صلاة الموحدين لمدينةٍ أقدس من أن تُوصف، مدينةٍ هي البدء والتكوين.
وهنا بكينا وضحكنا، وصرنا شهودًا على تفاصيل حياتنا اليومية التي كانت تنبض بالمدينة : صياح أصحاب الباص، تفحيط السيارات، أغاني أيوب، والسنيدار، وأمل عرفة… كل شيء كان يتنفس المدينة، وكان قلبنا ينبض معها.
لكن اليوم، نقف على ركام كل شيء تكونت منه هويتنا: صحيفة 26 سبتمبر، والشارع العام ، وفرزة الباصات، والمحلات، والبيوت المبنية من ياجور وطين، والجدران التي اتكأنا عليها وشهدت على ضعفنا وقوتنا… كلها تحولت إلى صمت مرعب.
أي لغة تستطيع أن تجسد وجعنا؟
أي حروف تقدر أن تحيط بهذا الخراب المتناثر في الأزقة والبيوت؟
إننا نمشي بين الركام كمن يمشي فوق قلبه، نشيّع أحلامنا قبل أجسادنا، ونحصي أسماء لم نكن نتخيل أنها ستُكتب على جدار الفقد بهذه السرعة. كل خطوة على الحصى المحترق كانت كنبض مفقود، وكل صرخة كانت صمتًا جديدًا في سجل الإنسانية.
لم تقصف صواريخ العدو الإسرائيلي بيوتًا فقط، بل قصفت ذاكرة حيّة، وأرادت أن تقتل روح مدينةٍ عمرها أقدم من إسحاق ويعقوب، وتدفن ملامح تاريخ وحياة وذاكرة شعب بأكمله.
ففي الرابعة وسبع وأربعين دقيقة مساء يوم الأربعاء، العاشر من أيلول المجيد ٢٠٢٥م، تحولت صنعاء إلى لوحة محترقة من التاريخ والذكريات، كل حجر فيها يئن كما يئن قلب أم على طفلها.
هذا الشارع، الذي كان قلب النبض ومسرح الحياة والذاكرة، لم يعد سوى ركام ودخان. كأن المدينة نفسها تحترق في صمتها، وكأن الحروف الميتة تنهض من الرماد لتصرخ: “كنا هنا… كنا أحياء!”
في تلك اللحظات الأشبه بالكابوس، تنفسنا خوف المدينة معها، وشعرنا برجفة الأرض تتسلل إلى صدورنا، وشاهدنا الدخان يبتلع الأزقة القديمة كأنه يلتهم ذاكرة آلاف السنين.
إنه حقًا شيء لا يُحتمل مشاهد منازل اندثرت بكاملها، وعائلات طُمست من الوجود، وطرقات غمرتها الدماء بدل أصوات الباعة وضجيج الأطفال. إنها جريمة لا يمكن أن تُختزل في أرقام، لأن كل رقم هنا هو حياة، وقصة، وحلم لم يُكتب له أن يكتمل.
رحل عنا إثنان وثلاثون صحفيًا وإعلاميًا، صعدوا شهداء، أقلامهم انكسرت تحت الركام، ومئات من المدنيين بين شهيد وجريح، بيوت بكاملها انهارت على ساكنيها، لتكون جريمة كاملة لم تترك للنجاة إلا حزنًا يتكاثر في صدورنا.
يا لهذا الوطن، كم يدفع من دمه كي يظل قائمًا على الخريطة!
ويا لهذا القلب، كم يتشظى كلما سمع ارتطام صاروخ أو صرخة طفل لم يُكمل بعد لعبة المساء.
اليوم، وكل يوم، نكتب لا لأن الكتابة تداوي، بل لأنها تشهد. نشهد أننا كنا هنا، أننا رأينا، أننا بكينا، وأن هذا الوجع لم يكن خيالًا ولا مبالغة. نكتب لأن الحزن إذا ظل صامتًا يتحول إلى موت آخر، وإن تجاهلنا العالم، فإن التاريخ لن يغفر له صمته.
سيبقى صوتنا، ولو جريحًا، شاهدًا على أن الأرواح التي سقطت لم تكن أرقامًا، بل كانت حياة كاملة، وبيوتًا عامرة، وأحلامًا صغيرة قُتلت بلا ذنب، إلا للاستباحة وسيظل الوجع يتسلل إلى كل حجر، وكل زقاق، وكل نفس في هذه المدينة التي أحببناها منذ ألف عام، واعتنقناها حتى صرنا هي..
*نقلا عن رأي اليوم
صنعاء… حين احترقت الذاكرة الحية.. كنا من الشاهدين..!
