فؤاد البطاينة*
تهديد وابتزاز الولايات المتحدة وكيان الإحتلال في الحالة العربية لا يكون إلا شخصياً لمُلك يمينهم من الحكام بالإيذاء الجسيم والتبديل بغيرهم، وليس لدولهم ومقدراتها ومصالحها. وهذا إن لا يعرفه هؤلاء الحكام فعليهم معرفته.. فدولنا تحت سيطرة هذا الأمرو-إسرائيلي بمضمون يتجاوز المنطق الإستعماري والسياسي إلى المنطق الاحتلالي باسم الدين والتاريخ الديني. وحكام هذه الدول منفذون برتبة شاهد زور على وجود دول مستقلة. بمعنى أن استعمارها باتجاه ينتهي بتقنين احتلالها وتسويغه،
ومن هنا فإني أخاطب مصالح هؤلاء الحكام الخاصة عندما تتهدد وجوديا وتصبح هناك إمكانية لتشكل نقطة لتقاطع المصالح مع شعوبهم.. أمّا إذا كانوا يتجاهلون هذا بدافع من الثقة بهذا العدو، فعليهم أن ينتبهوا بأن لا صداقة ولا تبادل مصالح ولا ثقة ولا تحالف يُمكن أن يكون بين عميل وسيده ولا بين صاحب قوة غاشمة وضعيف سمين. إنها وتحت أي ظرف ليست سوى علاقة الذئب بالخروف، وأن يوم الذبح قادم مع الإحتياجات المتطورة، ويوم الإنتهاء من منظومة ملك اليمين وصندوقها قادم بإسدال الستارة..
فمن سخريات القدر أن تهان العقول حين يُلَبّسون خضوعهم ومهانتهم وعمالتهم للأمرو-اسرائيلي لبوس التحالف والصداقة، بين مستعمرات ومستعمِر، وعبيد وسادة، وتكون القواسم المشتركة أجندات معادية، والسلطان الداخلي خارجياً. والمنتوج توافق على خديعة مفضوحة، بيئتها قاتلة. فهذه العلاقة لأي سبب كان هي من حيث المبدأ علاقة محرمة، ومدمرة لهم ولشعوبهم ودولها، وتبريرهم لها يقوم على مغالطات وأسس غير سليمة، ولا تخدم مصالحهم الشخصية. لنحتار عندها في سبب خيانتهم.
أما ما أسعى اليه بهذا المقال فهو وضع اليد على السبب الحقيقي وراء هذه العلاقة التي صورتها أمريكا مؤخراً على أنها تقوم على حماية الأنظمة بأجر. وتحديد الجهة الحقيقية التي تهدد هذه الأنظمة للأهمية البالغة. لأنها جهة بالضرورة تهدد أيضاً أمريكا والكيان. فالأسماء والجهات التي تطرح غير صحيحة بالبرهان الدامغ. وكما في هذا المقال كلمة في مؤتمر الدوحة الذي كان مؤتمر إشهار لعجز وعبودية وعمالة هؤلاء الحكام.
وبداية فإن الجهة التي نبحث عنها ليست الكيان المحتل الساعي للتمدد، كما يُفترض، طالما يحالفها هؤلاء الحكام استراتيجياً ومن طرف واحد. لذلك نبدأ بنقاش الجهة المعلنة كمصدر خطر مزعوم على الدول العربية وهي إيران، حيث يدفع الحكام العرب من أجل حماية أمريكا لهم من خطر هذه الذريعة المختلقة أثماناً مفتوحة التنوع وغير محددة ولا محدودة بسقف أو حدود.
بهذا أقول، إنه ادعاء ساقط ومعيب ومُذل. ففي حالة صحته يصبح على هؤلاء الحكام الإجابة على سؤال واحد هو ماذا تقولون لأنفسكم ولشعوبكم من تبرير لهذه الحماية الأجنبية المستأجرة بالتريليونات خوفاً من إيران وانتم تفوقونها مالاً ورجالاً وتمتلكون المجال الجغرافي الواسع وكل العوامل الاستراتيجية الطبيعية والصداقات الدولية الواسعة؟ ليصبح المفترض في هذه الحالة أن إيران هي التي عليها أن تخافكم وتحذركم.
أما إن كانت الحماية هي من التطرف والإرهاب فهذا قول ساقط أيضاَ لأن هؤلاء الحكام يعترفون ويتحالفون ويتعاونون مع كيان احتلال يمتهن الإرهاب على أمتنا ومقدساتنا خاصة وما زالوا يقفون لجانبه رغم أنه مدان دوليا ومطلوب قضائيا بإرهاب دولة ومجازر الإبادة. بينما أن هؤلاء الحكام لا يعترفون بالمقاومة الفلسطينية ويصفونها بالإرهاب وهي مكون فلسطيني سياسي ومقاوم لاحتلال أراضيه. ودول العالم تقر بوجود هذا الإحتلال، والأمم المتحدة تقر به من خلال قراراتها وتشرعن المقاومة لأي احتلال.
وبهذا السياق فإن المهزلة التي تعفنت قبل أن تدفنهم، أنهم يعزون خضوعهم لأمريكا وتطبيعهم على أنه وسيلة استراتيجية للسلام ولاستعادة الأراضي المحتلة والحقوق الفلسطينية والدولة الفلسطينية. بينما أن ما حققه هذا النهج خلال مسيرة عقود هو تكريس الإحتلال وإفشال الدول العربية وبناء واقع في الأراضي المحتلة يستحيل معه قيام دولة، وإلى إنكار ورفض قوة الإحتلال جهاراً لأي حق فلسطيني بأرضه وبدولته وطرد السلطة الفلسطينية المتعاونة..
ولا بد من التذكير بحقيقة نعتقدها جميعنا على أنها وراء كل أساسيات وتفاصيل ما جرى ويجري بنا والأساس في العلاقة المحرمة وإليها يعزي أيضا طلب الحماية. وهي ” خيانة وعمالة الحكام. فهل هذا صحيح؟ الأمر ليس كذلك والجواب لا. فالخيانة موجودة، وموجودة في حالتنا بمستويات متقدمة وغير مسبوقة وبها قُطفت وتُقطف ثمار العدو. ولكنها لا تُسقط دولة ولا تُذل أمة ولا تستمر وتبقى بوجود شعوب حرة لم نشاهدها بعد.
وهنا نضع اليد على الجهة الحقيقية التي تشكل الخطر الوجودي على هذه الأنظمة بعروشها ومصالحها ومخلفاتها الإستعمارية. إنها شعوب هذه الأنظمة العميلة وطلب الحماية منها، حيث إن وعت وانتفضت لقضي الأمر. ومن هنا ابتدأت هذه الحماية مجاناً وعلى حساب العدو وبتعاون حثيث مع الحكام إلى أن تمكن. فاستهداف الأوطان لا يكون ولا يبدأ ولا يتم قبل أو بدون استهداف شعوبها وتجنب خطرها. فهل هذا يكفي لتعلم شعوبنا بأنها المستهدفة بهجمة الحماية وبأنها تصبح شريكة لأنظمتها على أوطانها ودولها مالم تبدأ بنفسها كصاحبة للقضية وتتحرك لمواجهة حكامها بانتفاضات تعلن فيها رفضها وعزمها ؟ فهذا وحده الذي يبرر لحكومات وشعوب العالم وعلى رأسها أمريكا بالإنصياع للإرادة الشعبية ولخطابها، فكل ما نراه من تعاطف هو في إطار العطف الذي لا يحاكي قضيتنا وأهدافنا بل ولا نرضاه لأنفسنا.
وفي الختام.
لا يُمكن وصف مؤتمر الدوحة في ظل ما يجري في غزة وفلسطين والمقدسات إلا “بمؤتمر إشهار لاستسلام وعجز وعبودية وسقوط أنظمة ودول العرب والمسلمين ” إنهم يريدونه إشهاراً لسقوط الأمة، ونحن نرفضه ونصر على أن يكون لنا إشهاراً بنهوض الأمة على جثثهم. العالم كان ينتظر من زعماء الأمة مجرد قرار بفعل عمل سياسي ضاغط على كيان الإرهاب كي يجد لنفسه مبررا وفرصة للتدخل، لكن زعماء الأمة أبوا وطالبوا العالم أن يفعل هذا. ما أنذلهم وما أعمقها من عمالة وردة.
ولتعلم وتدرك شعوب الأمة بأنهم حين اجتمعوا بهذه النذالة والكفر وفقدان كل قيمة خلقية وإنسانية تحت يافطة الدول الاسلامية والعربية فإنما اجتمعوا برعاية صهيونية ليواروا الجريمة الإرهابية باستهداف القيادة السياسة الفلسطينية المفاوضة، وليوحوا بأنهم ضد المقاومة وأن استهدافها مباح، وبأن ما يجري في غزة ليس شأنهم، اجتمعوا يوارون هذا بانتهاك سيادة قطر المهتوكة والمنتهكة كما سيادتهم هكذا من أساسها الى رأسها وعلى أسطح المعمورة.
اجتمعوا وهم منزوعين من ملح الرجال والعار يلبسهم، عبيداً أنجاساً مقادون بسوط شياطين الكفر، اجتمعوا ومروا عن مذابح ومحارق، بحق حرائر وأطفال وشيوخ غزة، وليسجل التاريخ بأن هذا اليهودي الصهيوني هو الأجبن بين المخلوقات يدوس على رؤوس حكام الأمة. وليسجل أن الفلسطيني وحده يقف بوجه القوة الطاغية التي تُذل العالم، وأن اليماني وحده لجانبه ليتأكد أن في الأمة خيراً، إنهما جذرا الأمة، وليسجل رسالة خذلان كبير مسبقة للأردن على ما ينتظره بعد غزة من ارتدادات متوقعة.
ولكن، لماذا يعرف القاصي والداني أن رؤساء الأنظمة العربية هم الذين يتحملون بالتكافل والتضامن مسؤولية الفظائع بالدم الفلسطيني أطفالا ونساء وشبابا وشيباً ومقاومين، عن سبق الإصرار والترصد لأنهم لو قاموا فقط بقطع علاقاتهم الدبلوماسية مع كيان الإرهاب كعلامة للعالم وأمريكا بأن ما يقوم به الكيان ليست إرادتهم، لما حدث ما حدث.
*كاتب اردني
