د. ادريس هاني*
مع شيوع الصبيانية السياسية وغياب الحدس الاستراتيجي فضلا عن ضبابية الرؤية، يستمر الهدر على كل صعيد، ويزداد السير في كل اتجاه، تعبيرا عن اضطراب الوعي وعدم استقرار الفهم وهروب الواقع من بين أيدينا منذ فكّرناه على نحو من التبسيط القاتل. يجب أن نعترف ببلاهتنا المزمنة، التي لم تفارقنا في كل خطواتنا، كأمّة تحلم من دون مراجعة، وأحيانا تتخلّى عن كل التزاماتها وتلوذ بالمظلومية والانفعال، ويكثر قيلها وعثارها.
الإمبريالية واعية بمكمن هذا الهُزال، وهي تتصرف بما تشخص لها من لواعج اللاّوعي الجمعي لأمة فقدت السيطرة على ملكاتها. ثق تماما بأنهم واعون جدّا بأدوائنا، وهو يتغلبون علينا مستغلين حماقتنا.
التحدي اليوم هو كيف نتحرر من مكامن عبوديتنا، فنحن عبيد في صورة أحرار. العلوّ هنا والخضوع هناك، عدم الثقة في الذات، التصاغر أمام البعيد والفرعنة أمام القريب، الجري الأحمق خلف السراب، لا يمكن أن تنتظر تسامحا من عبد، حيث فكرة الآخر تتطلب قدرا من الوعي بالحرية بوصفها تفترض وجود الآخر بالقوة. فكرة تقاسم الحقيقة والإنصاف، فضيلة الاعتراف، هذا العنف الرمزي الظاهر والباطن في حياة النوع، هو نابع من اختلال الآخرية في وعي الذات بذاتها.
وجب أن نتوقع الكثير مما قدمته أيادي الجهل، ضريبة الاستهتار بالوعي، بالاستشراف على أصوله متعددة الأبعاد، لا من حيث أنه كهانة كما تمارس اليوم في بيدائنا كدجل مفتوح وإنشاء مفروم، بل الاستشراف الذي يجعل المستقبل هو نفسه حاضرنا، بمقتضى تعقيد الزمن نفسه في وعينا بتخارجاته الثلاثة. متى نصبح جِدّيين في تِقْوَالنا وأفعالنا، متى نغير زاوية النظر ونحلحل المنظور قليلا لكي لا نسقط في أخطاء بارالاكس؟
ماذا يعني التفكير كعبيد؟ يعني أنّنا نبذوا في حالة فرار إلى الأمام، حالة بهلوانية قردية غير منتجة في الفكر والعمل، غياب الاستقرار النظري. لسنا مجبرين أن نغير أجهزة التلقي أمام من أجهزوا على القلاع العربية واضعين أيديهم في يد الإمبريالية والرجعية، ثم لما يجد الجد وينقلب السحر على الساحر، نتباكى ونحركّ دفوف المظلومية ونرقص رقصة المطر. لا يوجد هنا جديد فيما تشهده بيداؤنا غير القابلة للتصنيف، ثمة أمر لطالما نبهنا إليه، ولكن لات حين مندم، وهو أنّ اللعب التكتيكي في مجال جيوستراتيجي زلق، ينتهي بالخراب. مرحبا بكم في عصر العبودية المقنعة، مرحبا بالفوضى الخلاقة، مرحبا بالوباء الأفتك الذي يجتاح دنيا العرب، على الأقل، نحن لم نكن في ذلك شهود زور، أو كائنات مزيفة، لقد كنا أحرارا وسنبقى أحرارا مهما ازداد الوضع ضراما، مهما اتسع زمن التفاهة وطال مكر البغاث واستنسر.
*كاتب مغربي
