د.محسن القزويني*
ما كان لمؤتمر حل الدولتين لينعقد و يتوج باعتراف 149 عضو في الامم المتحدة بدولة فلسطين لولا العملية الباسلة التي قامت بها فصائل المقاومة في السابع من اكتوبر من عام 2023 ، والتي أخرجت القضية الفلسطينية من تحت الركام، بعد ان دفنتها الاتفاقيات المذلة التي سلَّمت الشعب الفلسطيني للمراهنات الدولية فادخلت القضية الفلسطينية في عالم النسيان ، وباتت ملفا من الماضي لا يهتم بها احد، حتى جاء السابع من اكتوبر قبل اقل من عامين ليقول العالم بان هناك قضية شعب لا زال يبحث عن وطن سليب، وليقول للدول الكبرى ان هذا الشعب مستعد للتضحية من اجل كرامته مهما كلفه ذلك من ثمن، وليقول لاسرائيل إنَّ شعبَ فلسطين شعبٌ لا زال ينبض بالحياة على عكس ما كان يتصوره بنيامين نتنياهو بانه استطاع ان يدجّن الشعب الفلسطيني ، ويقضي على ثورته، فاخذ يتجاهل وجود هذا الشعب وتناسى كل القرارات التي وقعها في اوسلو.
وعلى رغم مرور 700 يوم على العمل البطولي الذي قامت به المقاومة الفلسطينية الباسلة فلا زال الشعب الفلسطيني في غزة يقاوم المحتل ، وعلى رغم اتساع التضحيات التي قدمها لازال يكتب باحرفٍ من نور على صفحات وسائل الاعلام العالمية عن بطولاته و عن عجز نتنياهو في القضاء على المقاومة بل حتى عجزه عن تحرير رهينة واحدة من الرهائن الاسرائيليين .
وكان من نتائج احداث غزة أن تعرَّت اسرائيل عن جميع الاقنعة التي تلبّست بها خلال العقود المنصرفة، وايضا انفجار الغضب العالمي في اكثر عواصم العالم ، والتي مارست ضغوطا شعبوية على حكوماتها باعادة النظر في القضية الفلسطينية واعطائها الاولوية من الاهتمام والاعتراف بفلسطين كدولة، ذلك القرار الذي كان يجب ان تتخذه تلك الدول منذ سنة 1948 عندما اعترفت باسرائيل وكان لزاما عليها ان تعترف بالدولة الفلسطينية حسب قرار التقسيم الذي اطلقته الجمعية العامة التابعة للامم المتحده برقم 181 بتاريخ 29 نوفمبر 1947 لكنها ومع الاسف نظرت الى القرار بعينٍ واحدة فاعترفت باسرائيل ولم تعترف بفلسطين الا في 22 سبتمبر من عام 2025 من خلال الاجتماع الذي دعت اليه فرنسا والمملكة العربية السعودية في نيويورك والذي جاء ليعبر عن نصرٍ دبلوماسي حققه الشعب الفلسطيني نتيجةً لتضحياته الجسام.
وجاء المؤتمر المنعقد في الحمعية العامة للامم المتحدة في نيورك بمفارقات كثيرة منها؛ جاءت كلمة الرئيس محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية في المؤتمر مملوءة بالتناقضات ، فهو من جانب شكر الدول التي اعترفت باسرائيل ومن جانب اخر أدان احداث السابع من اكتوبر وما قامت به المقاومة بالهجوم على الثكنات والمعسكرات الاسرائيلية وقد تجاهل الحقيقة التي لا تغيب عن احد: إنَّ الاعتراف الدولي بدولة فلسطين هو احد نتائج السابع من اكتوبر وما اعقبه من تضحيات فلسطينية فلولا ذلك الجهاد وتلك التضحيات لبقت القضية الفلسطينية في ثلاجة الموتى لعشرات السنين القادمة.
واليوم ماذا على الفلسطينيين القيام به حتى يصبح الاعتراف الدولي حقيقة واقعة وليس حبرا على ورق ؟.
فعلى الفلسطينيين وبمساندة الامة العربية والاسلامية استثمار هذا النصر الدبلوماسي ، والتحرك من اجل اقامة الدولة الفلسطينية الحقيقية على ارض فلسطين وعاصمتها القدس الشريف. فاية دولة لا تقوم الا باركان ثلاثة: الشعب, والارض, والسيادة.
فعلى الشعب الفلسطيني ان يُوحد صفوفه فلا فرق بين من يسكن القدس او غزة او رام الله او الناصرة فهذا الشعب يُشكّل بمجموعه كتلة بشرية متراصة تفوقت حتى على عدد الاسرائيليين ، وهم في زيادة عددية مستمرة على رغم الشهداء الذين يسقطون كل يوم من ابنائه .
واما الارض الفلسطينية فيجب ان تكون ارضا واحدة لا يفصلها حدود ولا سدود وعلى العالم ان يمارس ضغطا كبيرا لمنع اسرائيل من التلاعب بالجغرافيا الفلسطينية بقيامها بانشاء المستوطنات ، والتي تهدف الى تقطيع الجسد الفلسطيني الى اشلاء متناثرة. اما السيادة فلا تتحقق على الارض الفلسطينية الا بوجود القوة الرادعة ،فدولة منزوعة السلاح تعني دولة مصنوعة من ورق تتقاذفها الريح في كل اتجاه ، فدعوة الرئيس محمود عباس في خطابه الذي القاه من رام الله وليس من قاعة الجمعية العامة للامم المتحدة بنزع سلاح المقاومة ما هي الا دعوة الى دولة فلسطينية بصناعة اسرائيلية، بينما لا يقبل الشعب الفلسطيني والامة الاسلامية و العربية من ورائه بعد كل تلك التضحيات الجسام الا بدولة ذات سيادة شاملة، ولن تكون ذات سيادة الا بوجود المقاومين مع كامل اسلحتهم، فهم الذين صنعوا تاريخ فلسطين بدمائهم وتضحياتهم وهم سيصنعون المستقبل المشرق لدولة فلسطين في القريب العاجل باذن الله.
*كاتب عراقي
