اليمن الحر الأخباري

عامان على المجزرة!

د. طالب أبو شرار*

قبل عامين من اليوم، فجر الفلسطينيون المحاصرون في سجن كبير اسمه غزة إحدى العجائب العسكرية في تاريخ بني البشر. بإمكانيات بدائية لكن بعقول مبدعة وبإرادة لا تقهر، حققوا معجزة حرب غير مسبوقة حولوا فيها الجيش الذي “لا يقهر” الى شراذم من الجنود المذعورين الذين استسلموا بلا مقاومة فسيقوا كالأغنام الى غزة. ذهل قادة الكيان الصهيوني وتقاطر قادة الغرب لاحتضانهم ولبث الطمأنينة في نفوس قادتهم خاصة نتنياهو نفسه. كانت عيونهم زائغة وهيئاتهم مهتزة بل ومذهولين من هول الكارثة التي لحقت بهم فوعدهم قادة الغرب بكل الدعم العسكري لرد اعتبارهم وإعادة هيبتهم العسكرية المتشظية. ولأن الكيان الصهيوني بجُلِهِ، حكومةً ومعارضةً ومستوطنين، ليسوا سوى قطعانٍ من العنصريين المأفونين الذين لا يرون سوى أنفسهم فقد انتهكوا بعد ذلك كل المحرمات الإنسانية والقانونية الدولية بحق أهل غزة. هم شعب الله “المختار” ومن حقهم ارتكاب كل الأفعال الوحشية كما صرح نتنياهو آنذاك وأن من حقهم قتل أعدائهم العماليق وفق توراتهم. هم لا يرون أنفسهم يرتكبون أعمالا إجرامية شنيعة في غزة والضفة الغربية ومن قبل ذلك في فلسطين التي اغتصبوها وأقاموا عليها كيانهم العنصري. وباستمرار المجزرة تجاوزت فظائعهم في غزة نواميس الحياة الإنسانية فاستفزت الجماهير الحاشدة خاصة طلبة الجامعات عبر العالم. في بدايات الاستيطان الصهيوني في فلسطين وتحديدا منذ عشرينات القرن الماضي شكل المهاجرون الصهاينة الى فلسطين عصابات إجرامية هدفها ترويع الأبرياء ودفعهم للهجرة من وطنهم لتمكين موجات المهاجرين الجدد من الاستيطان في بلاد ليست بلادهم. كانت جرائمهم متناثرة في الزمان والمكان، يفجرون مبنىً حكوميا في يافا ثم يطلقون النار من سيارة مسرعة على المارة في أحد شوارع القدس أو يلقون قنبلة على حشد من الفلسطينيين في حيفا. كانت سلطات الانتداب البريطاني تعمل ظاهريا على احتواء تلك الأعمال الإرهابية فتعتقل بعض المشبوهين اليهود لكنها في المقابل كانت تنكل بالفلسطينيين ممن يثبت عليهم فعل مقاوم للسلطات البريطانية أو المستوطنين الصهاينة. آنذاك، شنَ البريطانيون تشريعات وحشية بحق الفلسطينيين كالإعدام وإطلاق النار بلا تردد على “المشبوهين” وأشكال أخرى من العقاب الجماعي كهدم بيوت المدانين بمقاومة الاحتلال ومحاصرة قرى بأكملها، أحيانا لأسابيع طويلة، وإغلاق الطرقات وهي كلها ممارسات تقوم بها حكومة الصهاينة هذه الأيام.
في تلك الفترة المبكرة من عمر المشروع الصهيوني كان التحالف الصهيوني مع القوى الاستعمارية في بداياته وكان هناك حماس وسباق بين القوى الغربية المنتصرة في الحرب الكونية الأولى من أجل دعم ذلك المشروع لما يمثله من مكاسب استعمارية لاحقة. من أجل ما سبق، أغمضت بريطانيا بل وكافة الأوروبيين، غربيين وشرقيين، عيونهم عن جرائم الصهاينة فلم ير أحد دماء الفلسطينيين المسفوكة أو قراهم ومدنهم المدمرة أو تهجيرهم القسري من وطنهم ولم يسمع أحد صراخ الموجوعين الذي بلغ عنان السماء. أنداك، كانت الصحافة والإعلام كلهما غربيين تقريبا. وبسبب ذلك التحشيد والتضليل الاعلامي انحازت بعض الشخصيات العربية الفكرية والثقافية لمشروع إنشاء الجامعة العبرية في القدس واعتبرته محاولة حداثية تستحق الاحتفاء. في حفل افتتاح تلك الجامعة في الأول من نيسان عام 1925، شاركت بعض الشخصيات العربية المشهورة جنبا الى جانب آرثر جيمس بلفور، صاحب الإعلان الاستعماري الهادف الى تمكين اليهود من فلسطين. والى جانبه، كان هناك نفر من عتاة الصهيونية العالمية مثل هربرت صموئيل المندوب “السامي” البريطاني الصهيوني في فلسطين وحاييم فايتسمان رئيس منظمة الصهيونية العالمية وأول رئيس لدولة الكيان. وعلى النقيض، رفض البعض العربي المشاركة في ذلك الحفل مثل مفتي الديار المصرية الشيخ محمد بخيت والدكتور أحمد زكي باشا.
ولأن الجيل الأول من المستوطنين الصهاينة كان الجيل الذي أوكلت اليه مهمة إنشاء الكيان الصهيوني فقد كان على دراية تامة بأهداف المشروع وبأساليب التحايل والتمويه الواجب اتباعها لتحقيق تلك الأهداف. كان جيلا متوحشا كجيل اليوم لكنه كان أكثر حنكة منه فاعتمد الكذب والخداع والإغراء لإخفاء الأهداف الحقيقية للمشروع الصهيوني وروج الوعود الوهمية بالازدهار الذي سيجلبه تحالف “أبناء العمومة” الى المنطقة. ومن أجل مزيد من التمويه، اعتمد قادة الحركة الصهيونية الفكر الاشتراكي فأسسوا التعاونيات الاشتراكية (الكيبوتس) وانتظموا في حزب العمل الذي ظل يحكم الكيان حتى حرب تشرين الأول 1973 وما جلبته من تحولات جذرية على عقيدة المجتمع الصهيوني. كان ذلك الجيل بحاجة الى حقن الجماهير العربية بالكثير من إبر التخدير لكنه بالمقابل كان مستعدا للبطش بمن يعارضه لكن دون ضوضاء أو اعتراف صريح بما تفعله أياديه. وبسبب كل ما تقدم لم يكن هناك وعي جماهيري عربي وعالمي بحقيقة وخطورة ذلك المشروع الى الحد الذي نادت بعض الشخصيات الفلسطينية بضرورة الموافقة على مشروع تقسيم فلسطين بين العرب واليهود وبما تحمله تلك الموافقة من وهم العيش بسلام مع ذلك الوحش الصهيوني بل وبإمكانية التعاون الاقتصادي والحضاري معه.

ad
وبانتهاء عصر الاشتراكية الصهيونية الذكية ابتدأ عصر المجرمين الحمقى الصهاينة أمثال البيلاروسي مناحيم بيجن الذي ابتدأ مجرما يرأس منظمة الأرجون (إيتسل) الإرهابية ثم مطلوبا للعدالة البريطانية لكنه، وللمبكاة العربية، انتهى بفوزه مع الرئيس المصري أنور السادات بجائزة نوبل للسلام في العام 1978. لم تكن مفارقة فوز السادات-بيجن بجائزة نوبل للسلام حالة منفردة في تاريخ الحركة الصهيونية فقد اعقبتها جائزة ثانية لمجرمين آخرين في ثلاثية من اسحق رابين وشمعون بيريز وياسر عرفات عام 1994 إثر توقيع اتفاق أوسلو. بطل السلام اسحق رابين هو بطل تكسير عظام الفتية الفلسطينيين عندما كان وزيرا “للدفاع” في العام 1988. لكن بالنسبة للقيمين على جائزة نوبل، ليس مهما بالنسبة لهم التاريخ الدموي للصهيوني انما المهم هو ثمار خاتمة إنجازاته المتمثلة بتركيع الخصم العربي وموافقته الضمنية على المشروع الصهيوني. هنالك تاريخ أسود ودموي لشمعون بيريز فهو الذي نسق مع الفرنسيين خطة الهجوم على قناة السويس في العام 1956 وهو أيضا عراب المشروع النووي الصهيوني مع الحكومة الفرنسية في العام 1958 فكان بذلك أول من أدخل السلاح النووي الى الشرق الأوسط. وبسبب تلك الإنجازات، حصل شمعون بيريز على جائزة نوبل “للسلام” الى جانب “محلل” عربي. لم تردع تلك الجائزة ذاك المجرم فيكتفي بسجله الاجرامي السابق بل توجه وهو رئيس للوزراء بارتكاب الجيش الصهيوني مجزرة قانا في 18 نيسان عام 1996 أي بعد عامين من تتويجه بطلا للسلام. كانت تلك المجزرة عرفانا منه بقيمة الجائزة فقتل في قانا ما يزيد عن مائة مدني من ضمنهم نساء وأطفال.
أتساءل اليوم ” عن ماهية إنجازات ترامب السلمية ونحن نشهد مباحثات “تقنية” هشة لفرض شروط استسلام على الفلسطينيين في غزة. تحت مسمى وقف إطلاق النار وانهاء “الحرب” نُظِمت تلك المباحثات “برعاية” وتهديد ووعيد الرئيس الأمريكي الراغب أيضا في الحصول على جائزة نوبل “للسلام؟ هل أوقف ترامب فعلا ثمانية حروب وهمية؟ وهل تندرج ضمن إنجازاته تهديداتُه المستمرة للفلسطينيين المعايشين للجحيم منذ عقود وليس عامين فقط بفتح أبواب الجحيم عليهم إن لم يستسلموا للصهاينة بلا قيد أو شرط؟ هل ما زالت أبواب الجحيم مغلقة بعد كل ذلك الأعظم من الجحيم ذاته والذي يكابدونه كل ساعة؟ لا أعرف إن كان ترامب يدرك أنه يتحدث كوسيط سلام أم كصهيوني عتيد. لا أعرف أيضا إن كان مدركا لاصطفافه الى جانب نتنياهو وما يمثله ذلك من شراكة في جرائم الكيان الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني ليس في غزة وحدها بل وفي الضفة الغربية أيضا! هل مثل تلك المواقف تليق بمن يسعى للفوز بجائزة نوبل للسلام! عندما لا يرى ترامب قبح ووحشية الممارسات الصهيونية ويستمر في دعمها وتبريرها فهو شريك في الجُرُم. عندما يصب جام وعيده على الضحية مبرئا جلادها من كل جرائمه هو شريك ذلك الجلاد. عندما لا يرى سوى عشرين جنديا صهيونيا أسيرا ويغمض عينية عن مئات الشهداء والجرحى الفلسطينيين يوميا هو مجرم كنتنياهو. عندما يزود ترامب الكيان الصهيوني بكل أسلحة القتل والدمار ويوفر لمجرميه الحماية من المساءلة القانونية الدولية فهو شريك لذلك الكيان في جرائمه. عندما يعادي ترامب الشعب الفلسطيني المظلوم ويعمل على إخراج الصهاينة المجرمين من بحر الدماء الفلسطينية بلا مطالبة بأثمان تلك الدماء والأرواح والخراب الذي صنعته أيديهم بل ويغفل أي عقاب دولي أومساءلة قانونية فهو متواطئ مع الصهاينة ومدان مثلهم. عندما يتحدث ترامب عن حق “إسرائيل” الصهيونية في الوجود هو يعني تلقائيا حق الفلسطينيين في “الفناء”. يتناسى ترامب قتل الصحافيين والأطباء والممرضين والمسعفين وأساتذة الجامعات. ربما ظن الرئيس ترامب أن أياديه بيضاء وأنه صنع سلاما كما يقول إثر هجمته الجوية المدمرة والمتزامنة مع هجمة حليفه نتنياهو على إيران؟ ربما لا يظن أنه هو من أشعل فتيل الفاشستسة اليمينية في أمريكا والعداء المجنون للجامعات الأمريكية وطلبتها المناصرين لفلسطين والمنددين بالإجرام الصهيوني وحرب إبادة ذلك الشعب المناضل من أجل حريته واستقلاله؟ حقا لا أعرف ما هي معايير ترامب للحصول على بطولة السلام! هل يظن نفسه في وزن رؤساء سبقوه وفازوا بجائزة نوبل للسلام أمثال تيدي روزفلت الذي أنهي الحرب الروسية-اليابانية سلما أو وودرو ويلسون الذي ساهم في تأسيس عصبة الأمم وأنهى الحرب العالمية الأولى أو جيمي كارتر “المسالم” أو باراك أوباما “المفكر” أو حتى مارتن لوثر كينج بطل الحقوق المدنية الأمريكي الأسود. ربما تعلم ترامب من حلفائه الصهاينة أن أقصر الطرق للوصول الى تلك الجائزة يتمثل بتمكين الصهاينة من الاستمرار في ارتكاب جرائم حربهم في غزة والتلويح بإبادة الشعب الفلسطيني ثم التحدث عن السلام! المفارقة المضحكة في هذا الصدد أن مجرم الحرب نتنياهو رشحه للفوز بتلك الجائزة! نتنياهو ذاك يصف الكيان الصهيوني بأنه إسبرطة الجديدة التي ستعيش بحد السيف! ينسى ذلك الأحمق أن إسبرطة كانت مدينة يونانية وكانت تطمح لتوحيد المدن اليونانية في نسيج دولة قوية لأنها كانت تدرك أن لا فرصة لها لمواجهة الغزو الفارسي بلا وحدة مع شقيقاتها اليونانيات. هل يطمح كيانه وهو عدونا السرطاني في الاندماج مع محيطه العربي في دولة واحدة! في عصر ترامب كل شيء جائز ولعلنا نرى حليفه نتنياهو وهو مجرم الحرب المدان دوليا مرشحا أيضا للحصول على جائزة نوبل للسلام في العام القادم! كل ما يحتاجه ترامب أو نتنياهو للفوز بتلك الجائزة هو العثور على محلل عربي لاختلاق نصر سلام مزعوم سرعان ما يديران ظهريهما له.
*كاتب ومفكر أردني

Exit mobile version