اليمن الحر الأخباري

الوطن كائن حي

 

 

/ عدنان باوزير

الوطن ليس جغرافيا أو مجموعة تضاريس معينة، نعم هذا جزء أساسي من الوطن، ولكنه جزء جامد أخرس، ولكن تفاعل الإنسان مع البيئة المحيطة (الجامدة) هذا المزيج هو ما ينتج عنه (روح الوطن)، بالإضافة طبعاً الى مكونات وتأثيرات أخرى.
لو فرضنا مثلاً أنه تم نقل جميع هذه التضاريس مثلاً الى مكان آخر، فهل سيعني هذا المكان الجديد بالنسبة اليك وطن؟ أو تم نقل البشر أنفسهم الى أمكنة أخرى فهل سيتوفر في موئلهم الجديد مقومات وطن؟ لا أعرف أنا، أنا هنا أطرح أسئلة وحسب.
عملوا مرة تجربة تمثلت في نقل مجموعة من خلايا النحل من مكان مقفر في وادي (دوعن) بحضرموت الى مزرعة في (هولندا) ومعروفة هولندا فهي بحق بلاد الزهور، فهل أعطى النحل نفس نوعية منتوج العسل التي كان ينتجها في (دوعن) ؟ سيقول قائل : بالطبع لن يتحقق ذلك لأن مراعي النحل قد تغيرت، حسناً فلنفرض أنه تم أيضاً مع نحل نقل مجموعة من أشجار السدر الى أوربا ، فهل سيكون المنتوج نفسه؟ أشك أيضاً في هذا، لأن النحل صحيح قد نُقل، والبيئة –المراعي- كمان قد جرى نقلها، ولكن أين روح الوطن؟ وهي شيء ينتج عن تمازج هذا مع هذا.
لو أضجعت أنت مثلاً على ظهرك في ليلة دامسة بأحدى قرى أرياف اليمن، وقبضت قبضة يد من النجوم، ثم كررت هذه الحركة في مكان آخر، ستجد أن النجوم نفسها لم تتغير هنا وهناك، ولكن احساسك بهذه الحركة يختلف تماماً ، وهذه بالضبط هي روح وسحر الوطن التي لا أستطيع تفسيرها.
والأوطان بالطبع لا تُباع أو تشترى، لأن الأوطان أغلى من أن تباع أو تشترى كسلعة، ولأنها أملاك جماعية لا يستطيع أي فرد أو مجموعة أو كيان أن يبيع مثلاً نصيبه فيها، أنتبه .. فيمكنك بالتأكيد أن تشتري جنسية أخرى أو تحصل عليها بموجب قوانين التقادم، ولكنك هنا تشتري أو تحصل على وثيقة أو جواز سفر وليس وطن، لحصول ذلك يلزمك أجيال متعاقبة، وقد يحصل هذا لاحقاً وقد لا يحصل.
أنه شعور غريب بالفعل، حيث قد تجد شخص ما يعيش في سويسرا مثلاً وما يزال الحنين يؤرقه ويفسد جمال لحظاته، ما يزال يحن لتلك البقعة الغبراء التي أتى منها، هل هو شجن الذكريات؟ أم الشوق لثقافة ما، أو هو تأثير الجغرافيا، الحقيقة أنه كل هذا المزيج متداخل مع بعضه وهو ما يدعونه بالوطن، هو نتاج ذلك التفاعل بين البشر ومحيطهم، تفاعل الناس مع الجغرافيا في نطاق زمني معين وهو التاريخ، وما التاريخ غير قصص عن يوميات البشر في قالب الجغرافيا.
ليس هذا كلام طوباوي واليمن ليس فردوس يُرجى، فكلنا وخصوصاً في أوضاعنا الصعبة جداً الراهنة في اليمن ، ونتمنى أن نطير وأن نمارس لعبتنا الأزلية في الهجرات والترحال، ولكني – وأتكلم عن نفسي هنا- مستعد أن أرضى بنصف أو حتى ربع ما سوف أناله في الخارج وأبقى هنا.
الأوطان يا سادة كائنات حية تشعر وتتفاعل مع أهلها، نعم الأوطان تئن من المعاناة وتبتهج في الأفراح ، وتحزن وتفرح وتسعد، ونحن بالمناسبة أبناء هذا الوطن الذي كان الجميع يدعونه حينها (سعيدا) .
فرفقاً يا سادة بالوطن، رفقاً باليمن، الوطن الذي يحنو علينا لماذا نمزقه وندميه بالصراعات، وهو يتسع لنا جميعاً، وهو من أغنى الأوطان وأجملها، لماذا نقتل بني جلدتنا من أجل مشاريع الآخرين؟ لدينا من التجارب والحكمة والذكاء والخبرة ما يمكنا أن نكسر هذه الدوامة الرهيبة التي ندور فيها منذ سنوات ونخرج من دائرة العنف، ارفعوا أيديكم عن يمنا وحسب ودعونا وشأننا.
الأمر بمنتهى البساطة أنك أخي العزيز قد كان لك أسلوبك وطريقتك وتجربتك في الحكم منذ عقود، وكلنا كنا نجرب معك، ولكن هذه التجربة فشلت ولن تؤتي أكلها، فلا ضير أن تتقبل الآن أنت مشروعي أنا وأن تعطيني الفرصة وبعدها ان لم تعجبك النتائج فلك ذلك، الأمر كله بهذه البساطة الشديدة الى درجة التعقيد ، ولا يحتمل كل هذا الضجيج والهراء.
والآن دعني اسألك أخي : نحن اليمنيون هل نحن يمنيون مسلمون؟ أم مسلمون يمنيون؟ لابد أن نتفق على هذه لأنها مهمة للغاية

Exit mobile version