د.طارق ليساوي*
أفتتح هذا المقال بتهنئة أشبال الأطلس و معهم الشعب المغربي عامة و محبي كرة القدم خاصة بمناسبة تتويج المنتخب المغربي لأقل من 20 سنة بطلاً للعالم للمرة الأولى في تاريخه، بعد فوزه المستحق على نظيره الأرجنتيني بهدفين دون رد، في نهائي كأس العالم للشباب الذي جرى مساء الاثنين على أرضية الملعب الوطني “خوليو مارتينيز برادانوس” بالعاصمة التشيلية سانتياغو، ضمن مونديال تشيلي 2025..حسم “أشبال الأطلس” اللقاء منذ الشوط الأول بفضل تألق المهاجم “ياسر زبيري”، الذي وقّع هدفين رائعين في الدقيقتين 12 و29، مؤكداً مكانته كأحد أبرز نجوم البطولة.
الفايق بكري بالذهب مشري
و للأمانة العلمية لم أشاهد المباراة على المباشر، لأنها جاءت في وقت جد متأخر ، وأنا ممن يطبقون الحكمة القائلة : ” الفايق بكري بالذهب مشري”، فمن عادتي النوم والإستيقاظ باكرا ، فمواقيت النوم بالنسبة لي مقدسة، خاصة و أن لي إلتزامات مهنية و أكاديمية تتطلب مني الإلتزام الشديد بالوقت ، فبعض إلتزاماتي الأكاديمية تتطلب مني بداية اليوم مع الرابعة صباحا ..
النية و قلة النية
لست من هواة متابعة مباريات كرة القدم ، لكن أحب متابعة مباريات المنتخب و خاصة في التظاهرات الكبرى ، لكن للأسف قاطعت مشاهدة المنتخب قبل دعوات “جيل زد” بكثير و تحديدا من لحظة إسقاط “زياش” صاحب التدوينات البطولية و المواقف الإنسانية النبيلة و الرجولية، لم اعد أهتم بمتابعة مباريات المنتخب ..لان زياش و أمثاله من الشرفاء و النبلاء ينبغي أن يكرموا لا ان يعاقبوا و يحاصروا..انتهى زمن النية و بر الوالدين و غيرها من القيم النبيلة و الأصيلة التي تم دباجتها في قطر و اصبح هذا المنتخب حديث القاصي و الداني ، و دخلنا زمن أخر لاصلة له بما سلف ، و صدق من قال ” النية و قلة النية لا يجتمعان” . [i]
نعمتان عظيمتان
والواقع أن الوقت والصحة عملة جد ثمينة، لا ينبغي إنفاقها في سفاسف الأمور..هكذا أخبرنا و علمنا النبي محمد عليه الصلاة والسلام ، مشيرًا إلى أن الصحة و الوقت نعمتان عظيمتان يفرط فيهما الكثير من الناس. ففي حديث صحيح أخرجه البخاري، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ”. ويدعو المسلم إلى اغتنام هذه النعم فيما ينفعه في دينه ودنياه، بدلًا من إضاعتها في ما لا فائدة منه..
ما فــاز إلاَّ النُّـوَّمُ
ومادمنا إستحضرنا النوم فمن الجيد التذكير بمطلع قصيدة الشاعر معروف الرصافي و يقول فيها :
يا قـوم لا تتكلَّـموا إن الكــلام محـرَّمُ
ناموا ولا تستيقظـوا ما فــاز إلاَّ النُّـوَّمُ
وتأخَّروا عن كلِّ مـا يَقضي بـأن تتقدَّموا
ودَعُـوا التفهُّم جانبـاً فالخير ألاَّ تَفهـمـوا
وتَثبتُّوا في جـهـلكم فالشرُّ أن تتعلَّــموا
أما السياسة فاتـركوا أبـداً وإلاَّ تندمـوا
إن السياسـة سـرُّها لو تعلمون مُطـلسَمُ
ما بين السطور
أتوقع من القارئ الكريم، أن يقول لي يا دكتور و ما سبب إستحضارك لهذه القصيدة تحديدا، وسأجيبك عن سؤالك بعد قليل لا تقلق ، لكن قبل الإجابة، أراهن على ذكائك و قدرتك على قراءة ما بين السطور ..
و عودة إلى مباراة المغرب الأرجنتين، تابعت ملخص للمباراة فقط ، وكباقي المغاربة نريد أن نرى بلدنا في الصفوف الأولى، وقد أشرت في أكثر من مناسبة إلى أهمية تبني نموذج تنموي يوسع خيارات الناس في كل المجالات، فمن العيب أن نحتل المرتبة الأولى أو الثانية أو العاشرة في الكرة ، ولكن نحتل مراتب جد متأخرة في قطاعات و مجالات حيوية بل و مصيرية، فالبلاد تحتل المرتبة 120 من أصل 193 دولة، في مؤشر التنمية البشرية للعام 2025..
بطل العالم
كما احتل بطل العالم في كأس العالم للشباب لسنة 2025، المرتبة 94 من أصل 99 دولة في مؤشر الرعاية الصحية العالمي الصادر عن موقع نامبيو، بينما تختلف نتائج التعليم بناءً على التقرير، حيث وُضع في المرتبة 101 في مؤشر جودة التعليم ، وفي المرتبة 110 من أصل 182 دولة في مؤشر العدالة العالمية لعام 2024 ، واحتل المرتبة 104 عالميًا في مؤشر التنافسية المستدامة 2024..
خارج التصنيف
و لم يدخل المغرب التصنيف ضمن قائمة تقرير التنافسية العالمي 2024 الصادر عن المعهد الدولي للتنمية الإدارية ” IMD” في سابقة تاريخية ففي التقارير السابقة كان المغرب ضمن التصنيف ، وشمل التقرير 67 دولة على مستوى العالم، من بينها 6 دول عربية و4 دول إفريقية لأول مرة.و تصدّرت سنغافورة الترتيب العالمي بحصولها على 100 نقطة، تلتها سويسرا ثم الدانمارك وإيرلاندا.. ويركز التقرير في تصنيفه على أربعة محاور رئيسية تشمل:
الأداء الاقتصادي
الكفاءة الحكومية
كفاءة الأعمال
البنية التحتية
و ينقسم كل محور من المحاور الأربعة إلى 5 محاور فرعية، والتي تسلط الضوء على كل جانب من المجالات التي تم تحليلها، ويندرج تحت هذه المحاور 20 محوراً فرعياً تغطي 336 مؤشراً تنافسياً..
ماذا بعد؟
من حقنا الفرح بنصر كروي والأمر مستحب، و لكن فوزنا بكأس العالم[ii] هل سيغير من واقع البلاد التي عاشت طيلة الفترة الماضية على وقع إحتجاجات قادها “جيل زد”؟ [iii] إحتجاجات أسفرت عن سقوط 3 قتلى نتيجة إستخدام الرصاص الحي من قبل القوات العمومية في القليعة[iv] ، هذا إلى جانب اعتقالات و محاكمات لازالت جارية ، وجذور الأزمة مستشفيات الموت[v] و التعليم الرديء[vi] والفساد المستشري و ضعف المحاسبة[vii] ..
خارج البطولة
لأجل ذلك حرصت على التذكير بثلاثة قطاعات أساسية ومؤشراتها و رتبها المتأخرة و بلغة كرة القدم “خارج البطولة” ، فإحتلال مراتب متقدمة عالميا في هذه القطاعات كفيل بإحداث تغيير حقيقي و ملموس على أرض الواقع ، أتمنى أن نحقق مراتب جد متقدمة في هذه القطاعات الحيوية و الإستراتيجية، و التي تصب بإتجاه مباشر في توسيع خيارات الناس ..
بصدق شديد وبموضوعية المغرب أمام مفترق طريق حاسم وخطير ، و تواجهه تحديات هيكلية وكبرى، وأيضا فرص ناذرة وواعدة إذا ما حسن فعلا إستغلالها ، فمن الجيد أن نحقق إنتصارات كروية ، فهذا يدعم صورة المغرب وتسويق البلاد في الخارج و الكرة مدل مهم لعملية التسويق الناجع و الفعال بالنظر إلى جمهور محبي كرة القدم في كل أنحاء العالم فالكرة لعبة ذات جمهور كبير جدا .. من الجيد أن نبني ملاعب لكرة القدم و فتح مراكز لتكوين و تأطير المواهب الصاعدة ، لكن لاينبغي ان نهتم ببناء الحجر و نهمل البشر ، ولا يمكن أن نركز على التسويق و نهمل المنتج والمحتوى المراد تسويقه ..
المشهد العام في المغرب معقد لدرجة كبيرة، هناك دورة الأزمات المتراكمة، كالجفاف الذي يدخل عامه الثامن، هناك معضلة التفاوتات الاجتماعية وضعف الإدارة العمومية..
فالتقارير الدولية والإقليمية الصادرة ما بين 2024- 2025 ، تؤكد على ضرورة تبني سياسات عمومية مغايرة ، تصب في إتجاه تحسين البنية التحتية، وتعزيز القدرة التنافسية في مختلف المجالات الاقتصادية، وتطوير النظام التعليمي والصحي بما يتناسب مع التحديات المستقبلية. كما أوصت التقارير بتعزيز الشفافية والمساءلة في إدارة الموارد العامة، مع ضرورة الانفتاح على الحلول التكنولوجية.
الذكاء الاصطناعي
فالمغرب يحتل المرتبة 101 عالميًا في مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي لعام 2024، حيث يُظهر التقرير أن المملكة تمتلك إمكانات غير مستغلة في هذا المجال، حيث سجلت أداءً متوسطًا في محور البيانات والبنية التحتية بإحرازها 53.82 نقطة من 100، لكنها تواجه ضعفًا في محوري الحكومة (34.82 نقطة) والتكنولوجيا (36.70 نقطة).
لتعزيز جاهزيته، يحتاج البلد إلى استثمارات كبيرة في تطوير البنية التحتية الرقمية وتعزيز الأطر التشريعية اللازمة لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي. وشدد التقرير أيضًا على ضرورة تحسين المهارات البشرية من خلال إدماج الذكاء الاصطناعي في المناهج التعليمية وإطلاق برامج تدريبية تستهدف الشباب.
رأس المال الطبيعي
و في مؤشر رأس المال الطبيعي لعام 2024 إحتل المغرب المرتبة 173 عالميًا، مما يعكس حجم التحديات البيئية التي تواجهه، بما في ذلك ندرة المياه، تدهور التنوع البيولوجي، وضعف إدارة الموارد الطبيعية. وتحسين الوضع البيئي يتطلب استثمارات جادة في مشاريع مثل تحلية المياه، إعادة التشجير، وتعزيز الزراعة المستدامة.
كل شاة تعلق من عرقوبها
أدرك جيدا أني أثقلت بعض القراء بالأرقام و المؤشرات ، و البعض سيتهمني بأني سوداوي و يحول كل لحظة فرح إلى غم، لكن المغاربة يقولون كلمة معبرة جدا ” اتبع ليبكيك ولا تتبع ليضحكك”، و هذا المعنى هو ذاته الذي نسب إلى الامام محمد الباقر ويقول فيه ” اتبع من يبكيك وهو لك ناصح ولا تتبع من يضحكك وهو لك غاش وستردون الى الله جميعا فتعلمون”
و حتى لا نغش أوطاننا و شعوبنا، و حتى لا نقف أمام رب العالمين يوم العرض و نحن في أعناقنا شهادة الزور، نحرص على مكاشفة الناس بالحقيقة ومنحهم التشخيص الدقيق والصحيح ، و بالنهاية هم أحرار فيما يختارون و كما يقول المثل الشعبي “كل شاة تعلق من عرقوبها” ..
للمزيد من التفاصيل تابعوا الحلقات السابقة واللاحقة من برنامجكم “إقتصاد في سياسة” ، و التي يتم بثها كل إثنين و خميس على الساعة 20.00 مساءا بتوقيت المغرب والساعة 19.00 بتوقيت غرينتش و 22.00 مساءا بتوقيت القدس الشريف ، على منصة اليوتيوب[viii] ، و من الجيد متابعة منصاتنا على وسائط التواصل الاجتماعي المختلفة @TarikLissaoui بغرض تعميق النقاش ، و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون …
*كاتب و أكاديمي مغربي
