اليمن الحر الأخباري

سلام على مقاس الهيمنة!

د.علي جمعة العبيدي*
في كلّ مرة يشتعل فيها حريق جديد في الشرق الأوسط، تُسرِع العواصم الكبرى إلى المنابر معلنةً استعدادها لـ”ضبط الوضع” و”إعادة الاستقرار”، وكأنّ مفتاح مصائر المنطقة معلّق في أدراجها. تتوالى المؤتمرات والمبادرات والبيانات الرفيعة، لكنّ الخرائط لا تستقرّ، والدم لا يجفّ، والسؤال يبقى معلّقًا: هل جاءت هذه القوى فعلًا لتُطفئ النار، أم لتتحكّم في اتجاه ألسنتها وامتداد رمادها بما يخدم معادلات الهيمنة القديمة، وإن تغيّرت وجوه الفاعلين؟المألوف في الخطاب السياسي والإعلامي أن تُقدَّم “القوى العظمى” كطرف قادر – متى قرّر – على إطفاء حرائق الشرق الأوسط، أو على الأقل حصر شظاياها ضمن حدود “المسموح به” دوليًا. غير أن سؤالًا مُلحًّا يفرض نفسه: هل تملك هذه القوى حقًا إرادة تسوية عادلة، أم أنها لا تبحث سوى عن استقرار يخدم مصالحها، ولو على أنقاض العدالة وحقوق الشعوب؟
منذ قرن تقريبًا، لم تهدأ المنطقة من الحروب والانتفاضات والانقلابات والاحتلالات. تتغيّر الأسماء والواجهات، لكن حضور القوى الكبرى – الغربية منها والصاعدة – ظل ثابتًا، لاعبًا مباشرًا أو من وراء ستار، في رسم خرائط القوة وتحديد سقف الممكن سياسيًا وعسكريًا. في هذا المقال، نحاول تفكيك حدود “قدرة” هذه القوى على تسوية مشكلات الشرق الأوسط، وطبيعة الدور الذي تلعبه: هل هي جزء من الحل، أم من صميم المشكلة؟ مع إدراك أن هذه القوى ليست كتلة متجانسة، لكنها تلتقي، في الغالب، عند منطق واحد: سلام على مقاس الهيمنة.
أولًا: ما الذي نعنيه بـ “مشكلات الشرق الأوسط”؟
الحديث عن “مشكلات الشرق الأوسط” بصيغة الجمع ليس ترفًا لغويًا؛ فالمشهد الإقليمي أقرب إلى حقل ألغام متداخل ومتشابك:
القضية الفلسطينية بما هي قلب الصراع العربي–الإسرائيلي، ولبّ سؤال العدالة في المنطقة؛ حيث تتجاور لغة “عملية السلام” مع واقع احتلال واستيطان وحصار دائم، وتفتيت جغرافي واجتماعي ممنهج.
الحروب الأهلية والصراعات الداخلية في العراق وسوريا واليمن وليبيا ولبنان، حيث يتداخل البُعد الطائفي مع السياسي، والمحلي مع الإقليمي والدولي، فتتحول المجتمعات إلى ساحات لتصفية حسابات متعددة المستويات.
الأنظمة السلطوية الهشّة التي تستمد جزءًا كبيرًا من بقائها من الخارج أكثر مما تستمده من شعوبها، ما يجعلها قابلة للضغط والابتزاز، وعاجزة عن بناء شرعية مستدامة أو عقد اجتماعي متوافق عليه.
اختلالات بنيوية في التنمية والاقتصاد: بطالة واسعة، فساد مستشرٍ، اقتصاد ريعي، وفجوات طبقية عميقة تجعل المجتمعات قابلة دائمًا للاحتقان والانفجار، وتغذّي الهجرة واليأس والتطرّف.
هذه التعقيدات تجعل من أي حديث عن “تسوية سريعة” عبر تدخل خارجي تبسيطًا مخلًّا، ما لم يُنظر إلى جذور الأزمات في بنية السلطة، وفي علاقة الدولة بالمجتمع، وفي موقع المنطقة داخل منظومة الهيمنة الدولية.
ثانيًا: القوى العظمى.. طرف واحد أم أطراف متنافسة؟
في كثير من الأدبيات، تُعامل “القوى العظمى” كأنها فاعل واحد متجانس. لكن التدقيق يكشف فروقًا واضحة، وإن التقت هذه القوى في الحرص على استقرار مصلحي لا على عدالة مُكلِفة.
الولايات المتحدة وأوروبا الغربية
بالنسبة للولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، تشكّل المنطقة جزءًا من أمن النظام الدولي الذي صاغته بعد الحرب العالمية الثانية، وتتعامل معها من زاوية ثلاثة ثوابت تقريبًا:
الطاقة وممرات التجارة: منذ منتصف القرن العشرين، ظلّ تأمين حقول النفط والغاز وخطوط الإمداد البحرية (من الخليج إلى البحر الأحمر وقناة السويس) محورًا ثابتًا في الاستراتيجية الغربية. المطلوب هنا ليس استقرارًا يلبّي حاجات الشعوب، بل استقرارٌ يضمن تدفّق الطاقة وحرية الملاحة وتراكم الأرباح.
أمن إسرائيل بوصفه ثابتًا استراتيجيًا: يُنظَر إلى أمن إسرائيل باعتباره جزءًا من الأمن القومي الغربي، خصوصًا الأمريكي. وبناءً على ذلك تُقاس المبادرات والضغوط في الملف الفلسطيني والعربي–الإسرائيلي: ما لا يهدّد التفوّق العسكري والسياسي الإسرائيلي يمكن مناقشته؛ وما عداه يُرحَّل أو يُفرَّغ من مضمونه.
الحفاظ على “نظام إقليمي منضبط”: أي منظومة من الأنظمة المتحالفة، القادرة على ضبط حدودها وتوفير شريك “يمكن التعامل معه”، حتى لو كان ذلك على حساب الديمقراطية وحقوق الإنسان.
روسيا: عودة لاعب عسكري وسياسي
مع التدخل الروسي في سوريا عام 2015، عادت موسكو لاعبًا عسكريًا مباشرًا في الشرق الأوسط، مدفوعة بعدة دوافع؛ من بينها كسر احتكار الغرب للقرار في ملفات حساسة، وتثبيت قواعد عسكرية دائمة على المتوسط، واستخدام الساحة السورية كورقة تفاوض في ملفات أوسع تتعلق بأوكرانيا والعقوبات والتوازن مع الناتو. روسيا لا تحمل خطابًا “ديمقراطيًا”، لكنها تلتقي مع قوى أخرى في أولوية استقرار الأنظمة المتحالفة معها، ولو على حساب التحول السياسي الداخلي.
الصين: اقتصاد حاضر، وسياسة حذرة
الصين تدخل المنطقة من بوابة الاقتصاد: مشاريع “الحزام والطريق”، والاستثمارات في البنية التحتية والطاقة، والعقود طويلة الأمد مع دول الخليج وإيران وسواهما. وهي أكثر حذرًا في الانخراط العسكري المباشر، لكن وزنها الاقتصادي المتنامي يجعلها لاعبًا لا يمكن تجاهله في ترتيبات المستقبل.
رغم اختلاف الأدوات بين قوة عسكرية مباشرة، وتحالفات أمنية، ونفوذ اقتصادي، تتقاطع هذه القوى عند نقطة مركزية: منع انهيار شامل يهدّد مصالحها، دون تحمّل كلفة بناء نظام إقليمي عادل وديمقراطي.
ثالثًا: فشل التسويات الدولية.. إدارة الأزمات بدل حلّها
رغم كثرة المؤتمرات والمبادرات والاتفاقيات، من مدريد وأوسلو إلى الاتفاقات المرحلية والتفاهمات الأمنية، يتكرّر المشهد ذاته: تسويات هشة تُبقي جذور الصراع على حالها، وتحوّل الحل السياسي إلى هدنة قابلة للانهيار عند أول تحوّل في ميزان القوة.
يمكن رصد بعض الأسباب البنيوية لهذا الفشل:
اختلال ميزان القوى: في الحالة الفلسطينية مثلًا، تُدار “عملية السلام” تحت سقف تفوّق عسكري وسياسي إسرائيلي ساحق، مع غطاء دولي ظاهر أو ضمني. في مثل هذا السياق، تصبح المفاوضات أداة لإدارة الاحتلال، لا مدخلًا لإنهائه.
الانتقائية في تطبيق القانون الدولي: تُستدعى الشرعية الدولية حين تخدم مصالح معينة، وتُهمَل حين تتعارض مع حلفاء الأقوياء. هذه الانتقائية تُفقد النظام الدولي صدقيته في عيون شعوب المنطقة، وتُكرّس إحساسًا عميقًا بالظلم، ما يجعل أي تسوية “مفروضة” بلا جذور شعبية حقيقية.
تثبيت أنظمة غير ديمقراطية باسم “الاستقرار”: كثير من الأنظمة العربية حظيت بدعم سياسي وعسكري واقتصادي كثيف، ما دامت تضبط حدودها، وتلتزم بالتحالفات الأمنية المطلوبة، وتضمن استمرار تدفق النفط واحتواء موجات اللاجئين. لكن ثمن هذا الدعم كان غالبًا قمعًا واسعًا، وتعطيلًا لمسارات الإصلاح والديمقراطية، الأمر الذي راكم عوامل الانفجار من الداخل.
التدخل العسكري كأداة لإدارة النظام الإقليمي: هنا تبرز حالة العراق بعد 2003 كنموذج؛ فقد شُنّ الغزو تحت شعارات إسقاط الدكتاتورية ونشر الديمقراطية، وبحجة أسلحة دمار شامل لم يُعثَر عليها. سقط النظام خلال أسابيع، لكن قرار حلّ الجيش وتفكيك مؤسسات الدولة ترك فراغًا هائلًا. تحوّل هذا الفراغ إلى ساحة لصراعات طائفية وقومية، وصعود ميليشيات مسلحة وتنظيمات متطرّفة، وانفتاح المجال لنفوذ إقليمي متنافس. وبعد سنوات من الاحتلال، لم تُبنَ دولة قوية عادلة، بل تشكّل نظام سياسي هشّ قائم على محاصصة متنازعة وفساد مُمنهج، يدفع ثمنه الشعب العراقي حتى اليوم. وعلى نحو مختلف، حمل التدخل في ليبيا، وأشكال التدخل أو التغاضي في سوريا واليمن، ملامح مشابهة: قوى كبرى قادرة على إسقاط أنظمة خلال أسابيع، لكنها غير مستعدة – أو غير قادرة – على بناء دول عادلة وقادرة خلال عقود. الفراغ الذي تتركه يتحوّل غالبًا إلى مساحة للفوضى والإرهاب والميليشيات، لا إلى مسار لبناء الدولة.
رابعًا: تعدّد اللاعبين.. حين تتقاطع الهيمنات
لم يعد المشهد الإقليمي محصورًا بين دول كبرى وأنظمة محلية. اليوم، يتشكّل الواقع عبر تداخل ثلاث دوائر رئيسية:
1.القوى العظمى: الولايات المتحدة، أوروبا، روسيا، الصين.
2.القوى الإقليمية: تركيا، إيران، إسرائيل، ودول خليجية فاعلة مثل السعودية وقطر والإمارات وغيرها.
3.الفاعلون من دون دولة: ميليشيات مسلحة، حركات مقاومة، تنظيمات متطرّفة، وشبكات اقتصادية وأمنية عابرة للحدود.
في هذا المشهد، تتحوّل دول ضعيفة أو منقسمة إلى ساحة للتجاذب بين هذه الدوائر؛ فالعراق وسوريا وليبيا واليمن ليست فقط ملفات على طاولة القوى الكبرى، بل أيضًا ميادين تنافس بين قوى إقليمية متعارضة، تستخدم فيها الفاعلين المسلحين كأدوات ضغط أو دفاع. هكذا يغدو التدخل الخارجي – دوليًا كان أو إقليميًا – جزءًا من المشكلة بقدر ما يُقدَّم بوصفه مدخلًا للحل، ويزداد تعقيد أي تسوية، لأن نجاحها يفترض توافقًا متزامنًا بين مستويات متشابكة من الفاعلين.
خامسًا: حدود “القدرة” على فرض سلام عادل
يُقال كثيرًا إن القوى العظمى “لو أرادت” لفرضت السلام في المنطقة بضغطة زر، استنادًا إلى ما تملكه من أدوات ضغط وعقوبات ونفوذ في المؤسسات الدولية. لكن هذه المقولة تتجاهل ثلاث حقائق أساسية:
القدرة شيء، والإرادة السياسية شيء آخر: لا شك أن هذه القوى تمتلك أدوات ضغط هائلة، لكن الإرادة لتحمّل كلفة سلام عادل أمر مختلف؛ سلام قد يقتضي مواجهة لوبيات داخلية، أو التضحية بحلفاء تقليديين، أو الاعتراف بحقوق تاريخية وقانونية للفلسطينيين وغيرهم من شعوب المنطقة.
الشرعية الداخلية شرط لاستدامة أي تسوية: يمكن فرض اتفاق سياسي من أعلى، لكن لا يمكن ضمان استمراره إذا ظلّ مرفوضًا شعبيًا. اتفاقات لا تعبّر عن توازن مصالح حقيقي، ولا تراعي الحد الأدنى من العدالة، تبقى نصوصًا على الورق، تنهار عند أول اختبار جدّي مهما كانت الضمانات الدولية المرفقة بها.
تغيّر طبيعة الصراعات وتعدّد الفاعلين: في عالم تتزايد فيه أدوار الفاعلين من دون دولة، وتتشابك فيه الاقتصاديات والشبكات الأمنية، يضعف تدريجيًا وهم القدرة على “ترتيب البيت” من الخارج بقرار واحد. أي تسوية لا تتعامل مع هذه الفواعل، ولا تعالج جذور وجودها من ظلم وإقصاء وفراغ أمني، ستكون هشّة وقابلة للانفجار.
سادسًا: اعتراضات شائعة.. وحدودها
من الإنصاف الاعتراف بأن ثمة حججًا تُطرَح في الدفاع عن التدخلات الدولية، أو في تحميل الداخل المسؤولية الكبرى. من بين هذه الحجج:
أن التدخل الخارجي أحيانًا ضرورة لوقف مذابح أو كوارث إنسانية، كما في حالات جرى فيها التذرّع بحماية المدنيين.
وأن النخب المحلية الفاسدة تتحمل العبء الأكبر، وأن القوى الكبرى تتحرك في فراغ أوجده سوء إدارة الداخل واستبداد أنظمته.
هذه الحجج تحمل جزءًا من الحقيقة، لكنها تظل ناقصة. فالتدخل الذي لا يملك تصورًا جادًا لما بعد إسكات المدافع، ولا يضع في حسابه بناء مؤسسات دولة شرعية وقادرة، يتحوّل إلى إعادة ترتيب للفوضى، لا إلى بناء نظام جديد. وفساد النخب المحلية وتواطؤها مع شبكات الهيمنة لا يعفي القوى العظمى من مسؤولية تصميم نظام إقليمي يخدم مصالحها ويستثمر في هشاشة الداخل، بدل أن يدفع نحو إصلاح حقيقي. أما التذرّع بالاعتبارات الإنسانية، فيتبدّد عندما تُغضّ هذه القوى الطرف عن مآسٍ أخرى لا تخدم أجندتها، كما يحدث مرارًا في القضية الفلسطينية.
سابعًا: أين يبدأ طريق الحل؟ من الداخل أم من الخارج؟
لا يعني ما سبق الدعوة إلى انعزال المنطقة عن العالم، أو إنكار أثر العامل الخارجي في تشكيل موازين القوى. لكن التجربة التاريخية توحي بوضوح بأن الخارج لا يمكن أن يكون بديلًا عن الداخل، بل – في أفضل الأحوال – يمكن أن يكون عاملًا مساعدًا إذا وُجدت إرادة محلية جادّة.
يمكن رسم ملامح طريق مختلف على ثلاثة مستويات مترابطة:
إصلاح سياسي يعيد تعريف الشرعية: المطلوب ليس شعار “إسقاط النظام” ولا تكريس الأمر الواقع، بل البحث عن عقد اجتماعي جديد يقوم على مبادئ واضحة، من قبيل سيادة القانون على الحاكم والمحكوم، وفصل نسبي للسلطات، واستقلال القضاء بدرجة تسمح بحماية الحقوق الأساسية، وضمان حدّ أدنى من الحقوق والحريات العامة، وبناء دولة مواطنة لا دولة محاصصات طائفية أو قبلية أو جهوية. قد تختلف الصيغ المؤسسية بين ملكيات دستورية وجمهوريات تشاركية أو نماذج هجينة، لكن المعيار هو شرعية مستندة إلى رضا شعبي نسبي ومساءلة حقيقية، تجعل الأنظمة أقل قابلية للضغط الخارجي، وأكثر قدرة على التفاوض من موقع الندّية النسبية لا من موقع التبعية المطلقة.
بناء أطر تعاون إقليمي حقيقية: غياب نظام إقليمي عربي–شرق أوسطي فعّال يجعل كل دولة تواجه مصيرها منفردة، وتخضع وحدها لتجاذبات القوى الكبرى والإقليمية. في المقابل، يمكن لأي مستوى من التنسيق أن يشكّل رافعة لتقليص هامش الهيمنة الخارجية، من خلال آليات تشاور أمني إقليمي منتظم، ومشروعات اقتصادية مشتركة في مجالات الطاقة والنقل والتكامل الصناعي والغذائي، ومقاربة جديدة للقضية الفلسطينية تجعلها ملفًا عربيًا–إقليميًا جامعًا، لا عبئًا على أطراف بعينها، إلى جانب إصلاح جدي لمؤسسات العمل العربي المشترك أو إنشاء أطر مرنة بديلة أكثر قدرة على الفعل من الاكتفاء بإصدار البيانات.
تحويل الشعوب من “موضوع للتسوية” إلى شريك فيها: ما دامت التسويات تُعقَد في الغرف المغلقة بين نخب محلية وخارجية، ستظل هشّة وقابلة للرفض والانفجار. السلام المستدام لا يولد من صفقة فوقية، بل من إدراك شعبي لمصالح مشتركة، ومن قناعة واسعة بأن البديل عن التسوية العادلة هو الفوضى، لا “الحسم النهائي” بالسلاح وحده، ومن إشراك القوى الاجتماعية والسياسية الحقيقية – لا النخب المصطنعة – في صياغة الترتيبات الكبرى.
خاتمة: تسوية بلا عدالة.. سلام على ورق
حين نسأل: هل تستطيع القوى العظمى تسوية مشكلات الشرق الأوسط؟ قد تكون الإجابة الأدق: نعم، تستطيع هذه القوى تجميد الأزمات أو إعادة توزيع الخسائر، لكنها لا تملك – ولا تريد في الغالب – أن تنتج سلامًا عادلًا ومستدامًا. فالتسويات التي لا تمسّ جوهر الأزمة الفلسطينية، ولا تعالج بنية الاستبداد، ولا تواجه اختلالات التنمية، تبقى أشبه بهدنة طويلة تحت سقف الهيمنة، تتجدّد عند كل منعطف، وتنفجر عند أول اختلال في ميزان القوة.
في عالم يتغيّر فيه ميزان القوى الدولي ذاته، وتتراجع فيه القدرة على فرض ترتيبات من خارج إرادة الشعوب، يصبح الرهان الحقيقي على إرادة داخلية عربية–شرق أوسطية تعيد تعريف المصالح، وتبني شرعية من أسفل، وتفرض على القوى العظمى – قديمها وجديدها – التعامل مع المنطقة بوصفها شريكًا لا ساحة نفوذ. أما ما عدا ذلك، فليس سوى إعادة إنتاج لمعادلة قديمة: استقرار بلا عدالة، وسلام بلا سيادة، وأزمات مؤجَّلة إلى حين.
*كاتب ودبلوماسي ليبي

Exit mobile version