اليمن الحر الأخباري

هل فعلا “إسرائيل” تتقدم؟

 

د. بلال اللقيس*
ناقشنا في مقالات سابقة مفهوم “النصر والهزيمة” والحاجة لتعميق الفهم له بعيدا عن تبسيطه وعن فرض تفسير آحادي وخطي له كالذي تتبناه المدرسة الواقعية ، كما ناقشنا ان المفهوم انتقل من النصر العسكري التقليدي إلى إفقاد العدو التوازن إلى كسر ارادة العدو ولم يتوقف عنده بل اتجهت المدارس الاستراتيجية إلى ان النصر والهزيمة يرتبط بمن ينجح في إقناع الناس بسرديته وفكرته ومشروعيتها.
ونوّهنا في ما سبق للعلاقة بين الخلفية والمنظور الذي ننظر من خلاله وبين الموضوع ، فاختلاف المناظير كما في مدارس العلاقات الدولية يؤدي إلى اختلافات في فهم وتفسير الواقع وموضوعاته (الحرب نموذجا) فضلا عن تنبؤ المستقبل . في هذا المقال نحاول ان نقارب مسالة “هل اسراءيل انتصرت” من خلال تعميق النقاش او بنقاشات مضافة عما سبق . إنه من البداهة والمسلمات ان حقيقة “النصر والهزيمة” تجد تمظهرها في الكشف عن التقدم والتراجع عند كل من طرفي الصراع ، وليس غائبا انّ التقدم والتراجع يحتاجان لمعيار ووجهة . خذ مثلا ان رجلا في حجرة يصعد على سلم بينما الحجرة بكلها تنزل وتهبط او أن احدا ما يفترض انه يصعد لكن علائقه ووشائجه التي صاغت بنيانه تتمزق وتتفكك، ومثلهما من الأمثلة التقريبية الكثير .
انّ زوجية “التقدم التراجع” لا يمكن الحديث عنها إلا داخل منظومة لها وجهة ومعيار ومؤشرات ثابتة فهي ترتبط بالوضعية العامة لمجمل المنظومة وعلاقتها بالمنظومات الاخرى وليس فقط باللاعبين المباشرين الذين يخوضون الصراع او ببعض لاعبيها ، فعالمنا اليوم صار متوالجا ومنظوماته شبكية ، فما يسمى ب دولة ” اسرائيل” هي تعبير عن هذه التقاطعات الشبكية لمنظومة الهيمنة العالمية ومنها النظام الدولي ومظهرها الابرز وهي ذاك التكثيف الشديد لتوازناته وقيمه ودوره . آنّه عندما تكون منظومة ما مستقرة وثابته ويقع صراعا عسكريا بين بعض فواعلها ، لا يصعب كثيرا تحديد المتقدم والمتراجع لان ثبات المنظومة الكلية يسعفنا في التحليل والتقييم استنادا إلى معيار .

ad
حينها قد تقول هذا تقدم بالمقارنة وذاك تراجع اما إذا كانت المنظومة كلها في تحول ومجالاتها غير معيّرة فالتأثير فقد يحدث ربحا في مستوى وخسارة في مستوى آخر او دائرة اخرى او منظومة وقد يحدث ربحا في مجال او مستوى وتراجع في اخرى . فما الحال لو كانت تلكم المنظومة في سيلان وتفتقد لتعريف ولمحددات نتاج عدم الرضى عن المكانة عند اطرافها وفواعلها وعدم اكتفائهم بفضاء المنظومة القائم ، حينها سيصعب تحديد التقدم والتراجع ونسبة لماذا ! . قد يتقدم طرف وتتراجع المنظومة الكلية وقد يتراجع طرف ويتقدم ثالث وقد تنفرط المنظومة كلها لتتولد منها منظومة او منظومات وهندسات اخرى مختلفة كليا لجهة العلائق والتوازنات والصلات .
إذا ، ان تحديد التراجع والتقدم يرتبط بسياقات وبدرجة استقرار الفضاء او المنظومة التي تحيط بالصراع كما يحتاج لمعيار او ثابت او رائز معيّن . ولذلك نرى تقلب في الأدوار لبعض الأنظمة ونرى كيف تتجه منظومة معينة لتذوب بينما تولد اخرى او تتفرع اخريات من رحم الصراع بما يزيد من تعقيد المشهد . بالعودة إلى الكيان الصهيوني .
فقد سعى منذ تأسيسه ليثبّت اصل وجوده ثم ليفرض مكانته من خلال عدة عوامل او ركائز رافقت مساره وحصّنته:
ad
ـ اولا ؛ فهم طبيعة المنطقة التي تحيط بهم بدقة وكيفية التعاطي معها ، فهي – اي المنطقة – ايضا نتاج النظام الدولي وترتيباته وتقسيماته ويندر ان تجد من قواه كانت مستقلة الارادة ( مع استثناءات قليلة سرعان ما تمّ إجهاضها ) فإلى عقود تتالت كانت كل الدول العربية تدور في فلك احد المعسكرين وتقدم الصراع البيني ومع شعوبها على الصراع مع إسرائيل ملتزمة بروح النظام الدولي وتوزيعه للمصالح بين الشرق والغرب واجندة رعاته، وبالتالي كانت الدائرة العالمية رغم تناقضاتها لكنها ملتزمة بأمن الكيان ومستقبله مهما تباينت رؤاها كما انه لم يكن اي من العرب او المسلمين يشكل حاجة منافسة للغرب حينها. كما ان إسرائيل فهمت حينها ان لا تجمع جبهات عدة بوجهها في ان .
ليس بسبب عسكري (ولو ان له موقعه في مشروعها وتحدياته ) لكن من باب عدم استجماع طاقة الامة او نصاب معقول منها في المواجهة، فاستغلت تاريخيا فكرة الأقليات وجاراها بعض الأقليات في ذلك ثم الفتنة الطائفية بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران (اقر الرئيس العراقي السابق صدام حسين ان حربه كان خطا كبيرا ) ثم استطاعت ان تجر كتلة عربية وإسلامية لتضعها في مواجهة الخط المقاوم والخط الاخواني اللذين كانا يلتقيا ويفترقا ربطا بمحطات (تحتاج لورقة خاصة) . إذا نجح الكيان في ادارة صراعه والعمل للتوسع ان باختلاف التناقضات او تسعير الاختلافات او ب صناعة “كل دولة وقطر” ينادي أنا اولا واخرا واستفاد الكيان من الاختراقات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي امنها له الغرب في مجتمعاتنا .
ـ ثانيا، ادرك الكيان خصوصية ان يتموقع في دور وظيفي نشط حيوي قادر ان يضمن بل ويطور مصالح الغرب بالخصوص ، فعظم بدوره هذا من قيمته بعيون الغرب امنيا على وجه الخصوص .
ـ ثالثا، تمكن من ان يوازن (ولو بحدود، ولو بالشكل) بين استقلال قراره بعيون مستوطنيه والخارج وبين تبعيته للغرب واميركا بشكل خاص فكسب قدرة على المناورة وتوزيع الأدوار بينه وبين الغربيين والأمريكيين في التعاطي مع قضايا المنطقة العربية وانظمتها.
ـ رابعا ، نجح في تاكيد تمايز هويته عن المحيط العربي الذي لم يكن يمتلك اي من مقومات القوة حينها وليس لديه ما يغري الغرب ولا ان يتحدى الغرب ، اذ كانت الشعوب منصاعة للأنظمة وكانت الأنظمة منشغلة بالانقلابات ولم يتحول عامل اليقظة للهيمنة وابعادها عاملا أصيلا في ثقافتها ، هنا نجح الكيان ان يعرف نفسه كإمتداد ديمقراطي ليبرالي رأسمالي للغرب .
ـ خامسا، استطاع بالإفادة من سرديته حول المسالة الشرقية ومعاداة السامية التي كانت تشغله تكريس انه البوابة الملزمة للوصول الى الغرب “المتقدم” الذي احتاجه العرب والمسلمين في مرحلة معينة ، فمن اراد من دول الاقليم ان يصل إلى عواصم الغرب وواشنطن عليه ان يمر بتل أبيب .
ـ سادسا، استطاع ان يناور امنيا وأثبت لعقود ان لديه القدرة لتكييف المنطقة لصالحه باستخدام القوة للتفاوض احيانا او القوة لفرض الاستسلام على انظمة عربية واسلامية. لكن المتابع للمسار العام في العقدين الأخيرين والعامين الماضيين باعتبارهما جولة من ذرى الصراع الحاصل ، وما تتجه اليه مسارات واتجاهات الاقليم والعالم يجد دون كثير عناء ان تبدلات جوهرية تحدث وتتسارع كانت هي حتى الأمس الركائز وشبكة الأمان التي قام عليها الكيان واستمر:
ـ ان إسرائيل صارت كيانا تابعا بالكامل للإدارة الأمريكية في صغير الامور وكبيرها، وفقدت حتى الهوامش.
⁃ ظهر انها عاجزة عن فتح حرب لأسابيع قليلة دون توجيه ومتابعة ودعم غربي مفتوح بل ومواكبة سياسية تفصيلية فاسرائيل بذاتها لا تستطيع ان تعطف اي انجاز امني لها إلى معطى سياسي او استراتيجي ولا تستطيع ان تتوسع اكثر من حدود معينة فبالنهاية هي دولة متشاكسة ومضطربة ذاتيا باعتبارات كثيرة ، لذلك في لحظة معينة بادرت الادارة الأمريكية التدخل للحد من الأثر اي التداعيات التي خلفها الإخفاق الإسرائيلي على مصالح اميركا وعلى سياساتها ؛ لقد كشفت الحرب حدود القوة الإسرائيلية وبالان ذاته اعادت اميركا لمسرح طالما تجنبته اي الغرق مجددا في منطقة غرب اسيا ، اذ عاودت اميركا الانخراط والانزلاق مجددا في المنطقة على خلاف توجه الشارع الأمريكي الحاسم لتجنب الشرق الأوسط وبخلاف توصيات لجنة بيكر هاملتون الشهيرة وبخلاف مصالحها البعيدة.
⁃ اتضح ان إسرائيل غير قادرة ان تواجه تحديات المنطقة وان تضطلع بدور محوري فيها ، هذا ظهر بوضوح باستعانة الأمريكي بحلفائه الآخرين في المنطقة بكل الملفات بدءا من ملف غزة مع ما يقتضيه ذلك من ضرورة تنظيم الامريكي التنافسات والمشاكسات بين مصالح حلفائه وتحسين نفوذهم ( تركيا مصر السعودية وإسرائيل ) ما يعني انه مهما حاولت اسرائيل وادعت واستخدمت القوة وأفرطت في ذلك ودعِمت من الغرب لكنها تبقى قاصرة عن القيام بادوار سياسية في المنطقة فضلا ان تكون صاحبة النفوذ الاول في المنطقة. وهذا ما أدركه الغرب جيدا وأدركته شعوب المنطقة والعالم باسره .
⁃ ان تغيرا وتزحزحا مهما يحدث اليوم ، لقد توزعت قوى المنطقة بين معاد لاميركا كقوى المقاومة وعمقهم الاستراتيجي إيران التي ما لبثت ان شرعت في تعريف مصادر قوتها واستكشاف فضاءات اضافية لعملها دون ان تتنازل عن اي من اهدافها الوطنية والإنسانية ، وبين حلفاء اميركا او التابعين لها ، وبين الصنف الثالث او ما يسمى اصدقاءها. الجانب الاهم الذي يبنى عليه في البانوراما الجديدة للمنطقة هو ان اعداء اميركا صمدوا بعد ان استفرغ عدوهم ذروة قوته في ساعة ذهبية وفرها المجتمع الدولي له ففشل في إسقاطهم وإبعادهم عن الطاولة رغم بعض التراجعات التي اصابتهم لا بل ان “إسرائيل” انكشفت امام ايران اكثر من اي وقت مضى واتضح انها عاجزة عن السير بحرب كما كانت دعايتهم قبل جولتها الأخيرة ، لمس الكيان بالمباشر انّ ايران قادرة في اي لحظة ان تكون تهديدا وجوديا له وان اميركا لن تكون في كل حين جاهزة للانخراط في حرب كبرى من اجله ، فليس مضمونا كيف سيفكر ترامب وكيف سيتعاطى مع المنطقة وماذا عن الادارات الأمريكية المقبلة ؛ ويكفي مؤشر إيقاف حرب غزة والطريقة التي تمت إقلاقا لإسرائيل ؛ فلم يعد مطلوبا من هذا التجاه المقاوم إلا مزيدا من الثبات واحتواء الضغوط لافشال بقية المحاولات والاستفادة من هذه المرحلة المختلطة والمتأرجحة في بنية المنطقة وتشاكساتها لتعديل المسار في لحظة مؤاتيه يجب تنضيج الظروف لها ، فلا باس ان تجري إسرائيل وبقية حلفاء وأصدقاء اميركا محاولة تقسيم النفوذ ان استطاعوا لذلك سبيلا !!
⁃ ان حلفاء اميركا وحتى أصدقاءها في الاقليم تراهم جميعهم تجاوزوا اسرائيل وأقاموا علاقاتهم المباشرة بالبيت الأبيض دون المرور باسرائيل ( مصر قطر السعودية تركيا ) . فعكسوا حقيقة مهمة ان إسرائيل باقصى حد يمكن ان تكون لاعبا بحدود معينة في المنطقة ليس اكثر ولا كما تدعي او تروج لنفسها !. ولا شك ان هذا يثير قلق اسرائيل لا سيما ان الهوة بين رؤية إسرائيل ومصالح هذه الدول تصل إلى حد التناقض احيانا وليس من السهل ترتيبها ولا تنظيمها ، كما ان بعضهم هو حاجة لاميركا استراتيجيا وحاجة اقتصاديا .
لقد راينا كيف ان حكومة السعودية لم تكن بوارد تهديد مستقبلها السياسي بان تتنازل عن ولو إعلاميا عن حل الدولتين وتعرض امنها للخطر بالتحاقها بما يسمى السلام الإبراهيمي بل سعت للحفاظ على رؤيتها للمبادرة العربية أنها الاساس ولو شكلا ، وليست مصر بوارد التنازل عن امنها من اجل امن اسرائيل وتقبل تهجير اهل غزة ، اما تركيا التي ترى فرصتها التاريخية للتوسع تلمس انها اصبحت في غزة اليوم بعد دمشق وهي ايضا حاجة ناتوية ( اي للناتو ) وتشكل اتجاها اسلاميا مقبولا لشريحة من المسلمين وحاجة أمريكية .
⁃ لقد صارت امكانية اميركا لهندسة الاقليم في مواجهة الجمهورية الإسلامية في إيران وجبهة المقاومة بعد طوفان الاقصى صارت اكثر تعقيدا ان لم نقل مستحيلة مقارنة بمرحلة ما قبل طوفان الاقصى او مقارنة ببداية التسعينات عندما كانت اميركا تتربع على عرش الاحادية وكانت إسرائيل بكامل حيويتها ، ليس فقط لان اسرائيل عجزت عن تطويع خصومها عسكريا فقط بل لان اميركا ايضا باتت قدرتها على توليد السياسات في تراجع حاد وتحدياتها الداخلية تفوق تلك الخارجية ، فلا يمكن لاحد في عالم اليوم ان يثق بان اميركا تمتلك رؤية سياسية متماسكة يمكن الاعتماد عليها على المدى الطويل ، ومع فرض امتلاكها روية فلا ضمان لمصداقيتها ناهيك عن قدرتها الداخلية على الالتزام والفعل!! لذلك يفضل اغلب الفاعلين في عالمنا التخفف من الأحلاف الجامدة لصالح تلكم المرنة، فحتى اقرب المقربين إلى اميركا اي الأوروبيين هم اليوم يعيشون قلق تسوية على أوكرانيا تلوح بعيدا عنهم بين روسيا واميركا على حساب امنهم وشرق أوروبا وايضا قلق تسوية أمريكية صينية على حسابهم . وما يتهدد الداخل الأمريكي من تقلبات عميقة وبنيوية تجعل مسالة الرهان على ثبات سياستها الخارجية محل نظر . لذلك اتجهت كل دول العالم إلى نوع من التمايز و اعتماد الشراكات متعددة الأطراف .
⁃ ان اقدام إسرائيل لفتح كل الجبهات من فلسطين فلبنان فسوريا فاليمن فالعراق فايران وضمنا قطر لتظهير قوتها حمل في طياته اثرا معاكسا ، اذ لاول مرة في التاريخ تتحسس واقعا هذه القوى بضرورة تقاربها ولأول مرة براكم الفعل الإسرائيلي غضبت عابرا عربيا وإسلاميا وإنسانيا ، ويولد نوع – ولو النسبي – من الضرورة لمجابهة التحدي الأمريكي الإسرائيلي اذ ظهر ان التهديد الإسرائيلي يلامس الوجودي لان الأمريكي صنف مجموع هذه القوى المقاومة منها والقريبة من فكرة المقاومة صنفها ارهابية ( آخر التصنيفات كانت لحركة الاخوان للمسلمين في غالبية دول الطوق ) ما يعني ان تصنيفه للخير والشر وحربه شملت كل القوى المقاومة بالفعل او المقاومة بالقوة او ذات الصبغة العربية والإسلامية المقاومة ، وهذا تحول جوهري في المنطقة إذا ما نجحت هذه القوى من بناء تكامل وتعاون وتوافقات استراتيجية يكسر سياق التباين والخصومة التي شكلت ابرز عناصر الرحم الذي تقدمت به إسرائيل في مواجهة شعوبنا منذ التأسيس .
وعليه، تقدمت “إسرائيل” على مقاومة غزة وعلى مقاومة لبنان في جوانب عسكرية وأمنية معينة لكنها رغم ذلك لا زالت عاجزة عن تحقيق اهدافها في مواجهتهما وكذلك في اليمن والعراق ناهيك عن ايران ، وربما تحمل سوريا في أحشائها شيئا يقلق الكيان للمستقبل. ورغم ذلك فانّ فشلها في بلوغ اهدافها أتاح لتركيا ان تزاحمها النفوذ فتتقدم سياسيا إلى قلب فلسطين واتاح لمصر تثبيت مكانتها كضرورة لا يمكن تجاوزها وللباكستان ان توسع علاقاتها مع ايران نحو اتفاقات كبرى واتاح للسعودية ان تحاور الأمريكي على قضايا ومصالح مشتركة بمعزل عن إسرائيل وان تعيد النظر بدورها من دو صراعي مع ايران إلى دور حواري بين إيران والغرب ، واتاح لايران مزيدا من الغموض في سياساتها النووية والامنية بل في اتجاهاتها الاستراتيجية المقبلة ووفر لها فرصة لتعزيز تماسكها الداخلي ومشروعية نظامها السياسي واتاح لليمن تمكين نفسه وتطوير قدراته اكثر في شبه الجزيرة العربية وفي البحر الاحمر ، واتاحت لقوى المقاومة تقييم الصراع من زاوية شاملة واتاحت معرفة صحيحة للعالم لجوهر الكيان الصهيوني وحقيقته الشريرة وسبب استمراره ، والاهم انها خلقت بيئة شعبية عارمة في المنطقة العربية والاسلامية تعزم للانتقام الكبير في سياق معركة الاجيال ، وعرضّت حلفاء لها كالامارات والبحرين لمخاطر مضافة نتيجة انخراطهم الأداتي في المشروع الاسراءيلي ، بينما اتجه العراق لمزيد من ادراك المخاطر والشعور بالتهديد الوجودي فزخم موقفه بانحيازه الى أبنائه وعوامل قوته الذاتية كما أظهرت انتخاباته الأخيرة . فاسرائيل اعطِيت عامين كاملين من انظمة العرب وانظمة غالبية دول المسلمين لاخضاع المقاومة في غزة ولبنان لكنها بالنتيجة عجزت ، ما زاد من تخلخل الاتجاهات العامة للبيئة الاقليمية وإمكانية ان يتوجه اللاعبون الرئيسيون فيها باتجاهات لا تبدو مضمونه وهذا ما أثر وسيؤثر على مستقبل امن الكيان الاستراتيجي .
كما وقد فقدت إسرائيل مصداقيتها في زعمها بقدرتها على مواجهة ايران . اتضح انها لا تستطيع خوض صراع جدي مع ايران وهذا نوع من الاعتراف الضمني ان اميركا هي الوحيدة القادرة على التعاطي حربا او تفاوضا مع ايران ، وان ايران تبقى المعضلة والتحدي الأكبر على إسرائيل وجوديا وعلى مشروع ومصالح اميركا .
⁃ في الخلاصة ، البيئة الاقليمية وكذلك الدولية التي نعيشها المنطقة والعالم لم تعد افضل لإسرائيل كما تروج الأخيرة بل صارت اكثر صعوبة وتعقيدا وازدادت غموضا وضبابية ، ولم تعد الآفاق واضحة الملامح بل مشوشة ومضطربة ، والسبب الرئيس والأول في ذلك انّ إسرائيل لم تستطع ان تحسم اي من معاركها مع قوى المقاومة بعد مرور عامين ولن تستطيع ان تحسنها في المستقبل في حين انّ المنظومات التي ارتكزت اليها اسرائيل منذ نشاتها وشبكات الأمان الاولى تعيش اضطراباً وتخلخلات بنيوية ان في النظام الدولي او الحضارة الغربية او حتى في قلب كل مجتمع على حدة . وهذا أعطى هوامش لمنافسيها من اصدقاء اميركا وزاد من نفوذهم على حساب ما تمنّت هي وارادت من محورية نفوذها في الاقليم .
فتارة قد ترى إسرائيل نفسها انها انجزت عسكريا فتفرح وطورا اخرى ترى نفسها انها تراجعت بالميزان الكلي للصراع وبالمكانة وازداد مستقبلها قتامة فتنقبض.
لذلك نرى كيف تضطرب وتختلط تقديرات نخبها حين الحديث عن المستقبل اذ جلهم يرونها تتراجع في قدرتها على المناورة ويزداد المستقبل بالنسبة لها غموضا … فالتهديدات القديمة لجبهة المقاومة لم تنته بل تستعيد ذاتها بعد عبر ودروس عامين منصرمين ، والديناميات الجديدة المنافسة في الاقليم والعالم تتوالد … بينما النظامين الاقليمي والعالمي اللذين رعيا الكيان يتغيران .
*كاتب لبناني

Exit mobile version