زياد حافظ*
تصرّفات وتصريحات الرئيس الاميركي تثير التساؤلات حول صحته وقدراته الذهنية. فهناك بعض التقارير الاستخباراتية تفيد أنه يُظهر علامات مبكرة من تدهور في القدرات الذهنية التي تُعرف بالعامية بمرض “الخرف”. ولاحظنا مع العديد من المراقبين حركة الجسد لديه من بعد التسعة الاشهر الاولى من ولاياته الثانية حيث بات واضحا أنه قد شاخ فجأة وأن حركته لم تعد رشيقة كما كانت منذ بداية الولاية. لكن بعيدا عن تلك التكّهنات حول الصحة العقلية للرئيس الاميركي فالسؤال الذي يثير قلق عدد كبير من الاميركييين وخاصة من بين مؤيّديه في تيّار “ماغا” (لنجعل أميركا عظيمة مرّة اخرى) هو إن ترمب لم يعد ممسكا فعلا بالقرار السياسي الاميركي سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي. ومن الواضح أن التقلّبات في المواقف الخارجية تدلّ على أنه يخضع لضغوط داخلية تمنعه من بلورة سياسة واضحة فيما يتعلّق بالملفّات الساخنة التي ورثها من الادارة السابقة والتي كان وعد إقفالها بشكل سريع في المرحلة الانتقالية بعد انتخابه وحتى قبل دخوله إلى البيت الابيض لكنه لم يفلح. فمحاولات الوصول إلى تفاهم مع كل من روسيا وأنهاء الحرب في غزّة تناثرت وحلّ مكانها تصعيدا لفظيا تجاه كل من روسيا واقدام على أعمال عسكرية ضد كل من الجمهورية الاسلامية في إيران واليمن وأطلاق اليد لرئيس وزراء الكيان الموقت في حرب الابادة والتجويع ضد أهلنا في غزّة.
من الواضح أن كل سياسة خارجية في الولايات المتحدة هي امتداد لمشهد داخلي ولسياسات داخلية لا يراها المراقب الخارجي إلاّ أنها واقع لا يمكن تجاهله. فالرئيس الاميركي الذي يخوض معركة طاحنة مع عدد من مكوّنات الدولة العميقة وخاصة داخل الجسم الاداري للدولة الاتحادية يواجه معارضة شرسة من قبل تلك المكوّنات. صحيح أنه حقّق بعض الانجازات فيما يتعلّق بتفكيك بعض المؤسسات وإبعاد بعض الشخصيات التي كانت مؤثرة في السياسة الخارجية كتصفية منظمة المساعدة الدولية الاميركية للتنمية (USAID) وضمها إلى وزارة الخارجية بعد ألغاء ميزانيتها، كما قلّص عدد العاملين في وزارة الخارجية وعدد من دوائر الدولة والوكالات وخاصة في مجلس الامن القومي. كما له انجازات على صعيد مطاردة المهاجرين غير الشرعيين وتصفية الحسابات مع رموز من الاستخبارات والامن السابقة التي عملت ونجحت في تعطيل ولايته الاولى وإسقاطه في الانتخابات في 2020 وتزويد القضاء الاميركي بملفّات لملاحقته ماليا وجزائيا طيلة ولاية بايدن. وله أيضا انجازات في اجبار عدد من الدول “الصديقة” على تقبّل تعريفات جمركية لمنتوجاتها في الولايات المتحدة لتحسين الميزان التجاري معها.
لكن في نفس الفترة السابقة بدأ التحالف الذي اوصله إلى البيت الابيض مرّة ثانية يشهد تصدّعات كبيرة خاصة مع مجموعة من الاوليغارشيين كإيلون ماسك بسبب تنافس داخل الاوليغارشية وبسبب أن الموازنة الجديدة التي وصفها الرئيس الاميركي ب “القانون الكبير الجميل” تضمّنت تخفيضات في دعم عدد من القطاعات كقطاع الطاقة المتجدّدة التي كان يستفيد منها إيلون ماسك. فوصل الحراك بين ترمب وماسك إلى درجة تبادل الشتائم وخروج ماسك من كنف الادارة والاعلان عن تشكيل حزب ثالث قد يساهم بفقدان الاكثرية الجمهورية في الكونغرس الاميركي. لكن من المبكر تحديد فرص نجاح الحزب الثالث إلا أنه أصبح عاملا في المعادلة الداخلية يصعب تجاهله. ومن الواضح أن ذلك الواقع المستجّد قد يسحب من جوقة مؤيّدي ترمب مانحين كبار يريدون أن يلعبوا دور بيضة القبّان في التنافس السياسي بين الديمقراطيين والجمهوريين.
ad
العنصر الثاني الذي يهدّد امكانية الرئيس الاميركي في تحقيق اجندته وهو الاهم في رأينا هو التململ داخل قاعدته الشعبية. وهذا التململ يعود إلى عدم التزام الرئيس بوعوده في عدم التورّط في حروب خارجية خاصة فيما يتعلّق باوكرانيا وفي غرب آسيا، اي في أي عدوان على الجمهورية الاسلامية في إيران أو على اليمن أو في دعم الابادة الجماعية التي تحصل في غزة على يد الكيان الصهيوني الموقّت، واخرا في تصاعد الاحتمالات بحرب على فنزويلا. وهذه المعارضة هي في داخل الكونغرس الاميركي حيث تترأس المعارضة لتلك السياسات نائب ولاية جورجيا مارغاريت تايلور غرين التي كانت في طليعة الداعمين لترمب عندما كان الاخير يعاني من العزلة السياسية خلال ولاية بايدن. وقد وصل الاعتراض من قبل مارجوري تايلور غرين إلى قطع العلاقة والتواصل مع الرئيس الاميركي الذي سحب دعمها لها في ولاية جورجيا ووعد بدعم أي مرشّح منافس لها. غير أن هناك عدد متزايد من النوّاب والشيوخ يعلنون بصراحة اعتراضهم على استمرار الادارة الاميركية في دعم اوكرانيا في المال والسلاح والتوتير مع روسيا. كما أن دعم الكيان الصهيوني بدأ يلاقي اعتراضا متزايدا داخل الحزب الجمهوري بسبب الصور التي تأتي من غزّة. لم تقتنع هذه المعارضة بحجج ترمب التبريرية لمواقفه السياسية المتقلّبة ما يعني إن لم تتم معالجة ذلك الاعتراض فإن التقديرات هي أن حوالي 10 أو 15 بالمائة من تيّار “ماغا” سيتركون التيّار ما يزيد فرص خسارة ترمب الاكثرية في الكونغرس ليصبح عرضة لمحاكمة من قبل الاكثرية الديمقراطية التي ستباشر بمحاسبة ترمب لإخراجه من البيت الابيض وربما ادخاله إلى السجن. وفي هذا السياق جاءت استقالة نائب جورجيا مارجوري غرين من مجلس النوّاب الاميركي ابتداء من شهر كانون الثاني/يناير 2026 والتي كانت من أشد انصار الرئيس الاميركي ترمب لتؤكّد مدى التصدّع داخل تيّار ماغا. ومارجوري تايلور غرين لم تخف انتقاداتها للرئيس الاميركي ما جعل الاخير يصب غضّبه عليها ويتهمها ب “ألخيانة” لاعتراضها على سياساته. فهي التي طرحت أن تيّار “ماغا” يقف أمام تيّار “ميغ” أي لنجعل اسرائيل عظيمة مرّة اخرى. فالصراع داخل القاعدة الشعبية لترمب حول الولاء للولايات المتحدة أو الولاء للكيان الصهيوني المؤقّت يتفاقم بشكل ملموس. وأفاد موقع اكسيوس أن الاستطلاعات الاخيرة تشير أن الحزب الجمهوري في تراجع ملموس وقد يخسر الانتخابات النصفية إن لم تتم معالجة الامر. وهناك عدد كبير من المراقبين الدوليين والاميركيين بدأوا يتنبهون للتلك التصدّعات داخل تيّار “ماغا” كالستير كروك وروبرت بارنز والقاضي اندرو نابوليتانو وذلك على سبيل المثال وليس الحصر.
المعارضة لتلك السياسات ليست محصورة في الكونغرس بل موجودة وبوضوح أكبر خارج الكونغرس عند رموز حركة “ماغا” كالاعلامي تاكر كارسلون والاعلامية كانديس اوين والاعلامي جو روغان والمستشار السابق لترامب ستيف بانون الذي ما زال يحتفظ بقسط كبير من النفوذ والتأثير على الرئيس الاميركي وذلك أيضا على سبيل المثال وليس الحصر. هذه الشخصيات وعدد كبير من المدوّنين يعترضون على سياسات ترمب الخارجية ويمكن الاضافة لهم كل من سكوت ريتر ولاري جونسون ودوغلاس ماغريغور وداني دافيس وغارلاند نيكسون والقافلة كبيرة. خسارة تأييد تلك الشخصيات ستنعكس سلبا على قدرة الرئيس الاميركي على مواجهة خصومه داخل الكونغرس وخارجه وتحقيق أي فقرة من أجندته السياسية في “تجفيف المستنقع” أي الدولة العميقة. لكن هناك معلومات تفيد ان الرئيس الاميركي بدأ يدرك مدى تأثير سياسته في دعم الكيان الصهيوني على قاعدته الشعبية. فعلى ما يبدو يُروى أنه قال لأحد كبار المانحين لحملته الانتخابية وهو رمز التيّار الصهيوني المتشدّد الداعم لنتنياهو أن ما يجري في غزّة يهدّد تماسك قاعدته الشعبية. وبالتالي صدرت عدّة تصريحات لترمب يعترف فيها بأن غزّة تواجه مجاعة وليس “قلّة غذاء”.
العنصر الثالث الذي يثير غضب قاعدة ترمب الانتخابية هو تقاعسه عن نشر كافة ملفّات فضيحة جيفري ابستين عميل الموساد حيث ربما ان عددا من المانحين للحزب الجمهوري ومن بعض المقرّبين له وربما هو شخصيا متورّطون بالفضائح الجنسية وبالتالي قد يكون رضخ للابتزاز السياسي لصالح قرارات وإجراءت استفاد منها الكيان الصهيوني المؤقت. فإحدى الشعارات التي رفعها خلال حملته الانتخابية هي فضح الشخصيات المتوّرطة في قضية ابشتين والتي لوّح أنها تشمل رموزا بارزة في الحزب الديمقراطي كالزوجين كلنتون وذلك على سبيل المثال وليس الحصر. وما نشر مؤخّرا أن ابشتاين كان مخبرا لدى مكتب البحوث الاتحادي (أف بي أي) إضافة لانخراطه مع الموساد الصهيوني يزيد من تعقيدات في الملف. وآخر المعلومات تفيد أن الرئيس الاميركي سيرضخ إلى نشر ملفات ابستين خاصة أن ما يصدر عن منصّات تابعة لتيّار “ماغا” ينذر بأن القاعدة الشعبية لن تتسامح مع تقاعس الرئيس الاميركي.
ad
من جهة اخرى فإن مكوّنات الدولة العميقة المستهدفة من ترمب قامت بترتيب اوضاعها وباشرت بهجوم مضاد بغية تعطيل اجنتده. ويتجلّى ذلك الامر في الحملة التي استهدفت قراراته بتقليص عدد العاملين في الجهاز الاداري للدولة الاتحادية كما أنها استطاعت السيطرة على القرار السياسي الخارجي عبر الدور المتزايد للمحافظين الجدد داخل إدارته وفي طليعتهم وزير الخارجية ومستشار الامن القومي ماركو روبيو وعدد من الشيوخ كلندسي غراهم. هذه المجموعة لا تريد أي تفاهم مع روسيا ولا الجمهورية الاسلامية في ايران كما أنها لا تريد انهاء الابادة الجماعية في غزة. ومؤخّرا تدفع بعض الجهات في الدولة العميقة لاستهداف فنزويلا عسكريا لتغيير النظام ووضع اليد على اكبر احتياط نفطي في العالم ناهيك عن احتياط الذهب التي تحتويه المناجم الفنزويلية. فاستراتيجية ترمب في بداية ولايته كانت ترتكز على تحقيق انجازات في المشهد الخارجي لتوظيفها داخليا لتنفيذ اجندته دون مقاومة تذكر فشلت حتى الساعة. فسياسة ترمب الخارجية لا تختلف عن سياسة سلفه ما يعنى أن تحقيق أي انجاز على الصعيد الخارجي أصبح صعب المنال كي لا نقول مستحيلا. لذلك يأخذ لقاء ترمب مع الرئيس الروسي بوتين في الاسكا اهمية كبرى حيث حاجة الرئيس الاميركي لتسجيل “مكسب” ما اصبح ضرورة حيوية لولايته الثانية.
العنصر الرابع لتململ القاعدة الشعبية للرئيس الاميركي هو الموازنة التي فرضها ترمب والتي تشمل اعفاءات ضريبية على ذوي الدخل المرتفع والشركات الكبرى والتخفيض في تقديم الخدمات الاجتماعية وارتفاع موازنة الدفاع التي لا تجد القاعد الشعبية مبرّرا لها ألاّ للاستمرار في خوض حروب لا تعنيها ولا تريدها. يحاول الرئيس الاميركي اقناع قاعدته الانتخابية عبر ارسال اعضاء حكومته إلى مختلف المناطق “لشرح” أهداف الموازنة ومنافعها. وليس من المؤكد أنه سينجح خاصة أن المؤشرات الاخيرة الاقتصادية بدأت تعكس حركة انكماشية في الاقتصاد الاميركي مع ارتفاع الاسعار بسبب التعريفات الجمركية العشوائية التي فرضها على جميع الدول وبطبيعة الحال على جميع السلع الاستهلاكية والصناعية المستوردة. فتراجع الوضع الاقتصادي قد يكون مقتلا لفرص نجاح الحزب الجمهورية في الانتخابات النصفية القادمة ما يجعل الرئيس الاميركي يواجه حالة مقيّدة لسياساته الداخلية والخارجية. ومن هنا نرى عددا من المراقبين في الداخل الاميركي يعتبرون ان الرئيس الاميركي سيصبح بطّة عرجاء سريعا وقبل نهاية هذه السنة إن لم يعدّل في سياساته، وبالتالي ستذهب الامور إلى المزيد من الارباك والشلل على الصعيد الداخلي كما على الصعيد الخارجي. هذه التطوّرات اكدّتها سلسلة من استطلاعات الرأي العام الأميركي وخاصة بين الجمهوريين الذين بدأوا يعربون عن غضبهم لتراجع الوضع الاقتصادي خاصة فيما يتعلّق بالتضخم وتراجع الخدمات الصحية وامكانيات السكن والتنقل. وبالمناسبة كانت هذه القضايا متن الحملة الانتخابية لزهران ممداني العمدة الديمقراطي الجديد لمدينة نيويورك الذي وعد بإصلاحات في النقل المشترك والسكن في مدينة نيويورك. واستطلاعات الراي العام أظهرت مدى تراجع التاييد لترمب بين مختلف مكوّنات الحزب والشعب الاميركي.
وتاكيدا على ما سبق اعلاه، جاءت نتائج انتخابات ولاية نيوجرسي وفيرجينا للحاكمية ولعدد كبير من المناصب المحلّية لتعيد الاعتبار للحزب الديمقراطي. ولكن كما ذكرنا أعلاه فإن الحدث الاهم كان فوز زهران ممداني لعمدة مدينة نيويورك ضد منافسه اندرو كومو مرشح النخب الديمقراطية والذي حصل على دعم اللوبي الصهيوني والرئيس الاميركي. فهذه النتائج تنذر بتحوّلات كبيرة داخل الحزب الديمقراطي كما داخل المشهد السياسي الاميركي حيث النخب الحاكمة بما فيها الرئيس الاميركي قد يتحوّلون إلى بطّات عرجاء. لكن بما أنهم يمثلون الدولة العميقة فقد تشهد الولايات المتحدة تحالفا بين الرئيس الاميركي والدولة العميقة لمواجهة طوفان التغيير الذي يهدّد الولايات المتحدة.
هذه التطوّرات الداخلية تشكّل انذارا خطيرا للرئيس الاميركي كي يعيد اهتمامه للقضايا الداخلية بدلا من التورّط في نزاعات في كل من المشرق العربي أو شرق اوروبا أو في أميركا الجنوبية.
*باحث وكاتب اقتصادي سياسي فلسطيني ورئيس منتدى سيف القدس
