زياد فرحان المجالي*
في لحظات التحوّل الكبرى لا تُختبَر فقط الجبهات العسكرية، بل تُختبَر أيضًا أعصاب الدولة أمام المرآة: من الأقوى فعلًا… القانون أم الزعيم؟ حين تقدّم بنيامين نتنياهو بطلب رسمي للعفو إلى رئيس الدولة، قبل صدور حكم نهائي في قضايا الفساد التي تلاحقه منذ سنوات، بدا الأمر وكأنه معركة لإنقاذ رجل واحد، لكن السؤال الأعمق تَمدّد: ماذا عن الذين التفّوا حوله، من رجال أعمال وإعلام ومستشارين؟ ماذا عن من قدّموا الرشوة ومن تلقّوها؟ وهل يكون العفو مظلة فردية أم مظلة تُخفي الجميع تحت الظلام؟
العفو في إسرائيل قانونيًا يُمنح بعد الحكم لا قبله، ولا يستند تقليديًا إلى “النوايا السياسية” بل إلى إدانة واضحة ثم تخفيف للعقوبة. ما يطلبه نتنياهو هو عفو دون إدانة، دون اعتراف، دون انسحاب من الحياة العامة، أي أنه لا يقدم نفسه كمُدان يستحق فرصة ثانية، بل كزعيم يرى المحاكمة عائقًا أمام الدولة لا أمامه. هنا يتحول العفو من آلية قانونية إلى أداة سياسية لإعادة هندسة العلاقة بين السلطة والقضاء.
غير أن السؤال الأخطر لا يخص نتنياهو وحده، بل الحاشية التي صنعت معه المشهد: رجال أعمال منحوا هدايا بقيمة ملايين الشواقل، مالكو قنوات إعلامية وفّروا تغطية منحازة، وسماسرة ووسطاء نقلوا المنافع مقابل امتيازات. قانونيًا، العفو لا يشملهم تلقائيًا. العفو فردي يُصدَر باسم شخص محدد، ولا يلغي ملفات شركائه ما لم تُتخذ قرارات مستقلة تخصهم. لكن الواقع السياسي يقول إن عفو الزعيم قد يصبح عمليًا “عفوًا معنويًا عامًا”، عبر تعطيل الاندفاع القضائي، تخفيض التهم، إطالة زمن المحاكمة، أو دفن الملفات باسم الاستقرار والحرب وتوحيد الجبهة.الراشي الذي قدم المال أو الامتيازات سيكون رهين الأدلة: إن كانت قوية ومستقلة عن نتنياهو، فملفه باقٍ. أما إذا بُنيت القضية أصلًا على المقايضة بينه وبين رئيس الحكومة، فإن سقوط رأس الهرم سيجعل إدانة من تحته أصعب، لا قانونًا بل هيكليًا. أما المسؤولون من المستويات الأدنى — وهم الأكثر ضعفًا — فقد يتحولون إلى “ضحية توازن”، تضحي بهم الدولة لاستكمال شكل العدالة وتقديم مشهد حسابٍ شكلي للرأي العام. الوسطاء والمستشارون غالبًا يُطوى حضورهم بهدوء عبر ملفات إدارية دون أحكام، إذ إن الدولة قد ترى في استمرار ملاحقتهم فتحًا لجراح تريد إغلاقها.
الخطر هنا ليس عفوًا عن شخص، بل تآكل مفهوم العدالة. فإذا نجا رأس المنظومة بلا محاكمة مكتملة، وبقي الراشي والوسيط والمرتشي خارج دوائر الحساب، فإن الرسالة تصبح واضحة: الفساد ليس جريمة إذا غطّته السياسة. وعندها يتحول التحقيق إلى رواية سياسية، والمحكمة إلى مسرح، والقضاء إلى ظلّ يتبع الضوء بدل أن يوجّهه.
القارئ العربي معني بهذا المشهد لأنه يعكس عمق الدولة الإسرائيلية من الداخل. هل هي دولة مؤسسات أم دولة صفقة؟ هل يقف القانون في وجه الزعيم أم ينحني أمامه؟ وهل تُكتب النهاية في المحكمة أم في الشارع؟ لأن مستقبل المنطقة — من غزة إلى التطبيع والاتصالات الدولية — قد يُصاغ على يد رجل خرج من قفص الاتهام بعفو سياسي لا بحكم قضائي.
إسرائيل الآن بين خيارين:
إما أن تستخدم العفو كإغلاق ملف،
أو أن تستخدمه كبداية مرحلة جديدة… أظلم وأوسع.
*كاتب اردني
“النتن” بين العفو والحاشية!
