اليمن الحر الأخباري

سوريا بين استحقاقات الحماية الدولية وحقوق الأقليات!

رانية ديب*
في خضم التعقيدات التي تعصف بسوريا منذ سنوات، لم تعد معاناة الأقليات مجرّد فصل جانبي في مشهد العنف، بل باتت مسألة تتصل بمبدأ الحماية الدولية ذاته. فالأحداث أثبتت أن الطوائف والمكوّنات الأكثر هشاشة تعرضت لتهديدات وجودية، طالت أمنها وحقوقها ووجودها الاجتماعي بشكل مباشر، فيما بقيت أدوات المحاسبة عاجزة أو مُعطّلة. اليوم، لا يرفع أبناء هذه الجماعات مطالب ترتبط باللامركزيه أو الفيدراليه أو عن خرائط بقدر ما يبحثون عن حماية الحياة…
عن حدٍّ أدنى من الأمان يتيح لهم أن يناموا دون خوف، وأن يستيقظوا دون أن تُهدَّد كرامتهم أوحياتهم أو يُسلب مستقبل أطفالهم. الناس يريدون دولة تحميهم، عدالة تُنصفهم، ومؤسّسات تعمل لأجلهم لا ضدّهم. يريدون قرارًا واضحًا يضع حدًّا للفوضى، ويمنع تكرار المآسي، ويعيد الثقة بأن الأرض التي ينتمون إليها مازالت قادرة على احتضانهم لا طردهم ؛ بل يطالبون بتطبيق القرارات الدولية القائمة، وفي مقدمتها القرار 2254 الهادفه إلى حماية الأقليات وضمان الانتقال السياسي، وتعزيز اللامركزية الإدارية، وإطلاق سراح السجناء، وإنهاء المحاكم الاستثنائية وما رافقها من ممارسات أثبتت التجربة عدم عدالتها. لقد بيّنت الوقائع الميدانية للذين كانوا يعلمون والذين لا يعلمون ومنهم المجتمع الدولي أنّ القوى التي واجهتها الدولة السورية خلال سنوات الحرب لم تكن تمتلك مشروعًا وطنيًا جامعًا، بل تبنّت خطابًا متطرفًا يقوم على إلغاء الآخر، ومحاولة استبدال القانون المدني بمنظومات فكرية متشددة تهدد أسس المجتمع السوري بكامل تنوعه.هذه التحولات لم تشكل خطرًا سياسيًا فحسب، بل كانت تهديدًا مباشرًا للهوية المدنية السورية.
قد جاءت هذه الجماعات لتفتح باب جهنّم على سوريا، فأحرقت الأخضر واليابس، واغتصبت السّلطة تحت راياتٍ دينية وشعاراتٍ طائفية تنشر الخوف وتُمزّق المجتمع.
ورغم فداحة المشهد، ما يزال التحالف الدولي واقفًا مكانه، وكأنّ تحرّكه مرهون تفاهمات لم تُستكمل بعد، بمصالح يجري تقاسمها على حساب حياة السوريين. لقد بات واضحًا أنّ هناك من ينتظر حدثًا ما، أو خطوة أخيرة من هذه السّلطة، كي تُبرَّر لحظة التدخّل، وكأنّ الدم وحده لا يكفي كدليل. ماذا بقي لكي يرتاح الضمير الدولي ويتحرّك؟ أيّ كارثة إضافية يجب أن تقع ليُقال إنّ الوقت قد حان لقصف الإرهاب وإنهاء فوضاه؟
الشعب اليوم لم يعد غافلًا. بات يدرك، بوعيٍ مرّ، كيف يُلعب على مصيره، وكيف تُصاغ القرارات فوق جراحه. يفهم تمامًا كيف تُدار الأزمة، وكيف تُترك النار تشتعل أكثر ليأتي التدخّل في الوقت الذي يناسب مصالح الآخرين لا صرخات الأبرياء. وما يزيد المشهد تعقيدًا أن بعض الجماعات المصنّفة إرهابية دوليًا حظيت في فترات معينة بغطاء أو مساحة حركة لا تتناسب مطلقًا مع سجلّها من الانتهاكات، في الوقت الذي وُضعت فيه شخصيات وطنية وأكاديمية لعبت دوراً أساسياً في حماية مؤسسات الدولة في موقع الاتهام أو التهميش.
هذا الخلل في المعايير لا يخدم الاستقرار ولا العدالة، بل يفتح الباب أمام فراغ خطير يهدد النسيج السوري. ورغم هذا الواقع، لا تزال الأقليات متمسكة بحقوقها، وتعلم بأن العدالة الدولية ليست رفاهية سياسية بل ضرورة إنسانية. ومن هنا، تتوجه هذه الأصوات اليوم إلى مجلس الأمن الدولي مطالِبةً بتفعيل آليات الحماية، وتعزيز حضور القانون الدولي الإنساني، والاستجابة لمظلومية المكوّنات التي دفعت أثمانًا باهظة خلال الحرب.
إن التنفيذ الفعلي للقرار 2254، بما يحمله من إجراءات حماية وتوازنات انتقالية وضمانات حقوقية، بات ضرورة مُلحّة لإعادة بناء الثقة بين السوريين، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة تستند إلى العدالة لا إلى القوة، وإلى القانون لا إلى الفوضى. وفي مواجهة هذا المشهد المتفجّر، لم يعد أمام المجتمع الدولي، وعلى رأسه التحالف، أيّ مبرّر للتأخير.
لقد آن الأوان لمحاربة هذه الفصائل التي حوّلت الأرض إلى ساحة مذابح، ووضع حدّ نهائي فوضاها. كما أنّ تنفيذ مسار تغيير السلطة وفق ما نصّت عليه القرارات الدولية لم يعد خيارًا سياسيًا يمكن تأجيله، بل ضرورة أخلاقية لإنقاذ ما تبقّى من حياة السوريين الأبرياء .
إنّ التدخّل الحاسم اليوم وحده القادر على إعادة الاستقرار، وفتح الباب أمام دولة آمنة تتّسع للجميع.
*كاتبة سورية

Exit mobile version