اليمن الحر الأخباري

رائحة القهوة والديون!

عدنان نصّار*
في البيت الأردني، تبدأ الرواية من رائحة البنّ لا من نشرات المؤسسات. من لحظة تفتح فيها الأمّ علبة القهوة قبل أن تفتح التلفزيون الأردني ليحدثنا عن فوائد “النعناع مع الليمون”، ومن أبٍ يخرج قبيل الشروق ليُزاحم الباصات قبل أن تُزاحم الأخبار حديث الناس. الحياة اليومية تمشي هنا على إيقاعين: غليان القهوة… وغليان الأسعار.القهوة في الأردن ليست عادة صباحية فحسب، بل اختبار ثبات معنوي..فنجان واحد يكفي كي تُدار أحاديث السياسة والغلاء، وتُعقد الجلسات العائلية المصغّرة التي تُشبه خلايا أزمة دائمة الانعقاد. تُشرب القهوة مُرّة لأن الجيب مُرّ، وتُشرب سادة لأن الكماليات غادرت الطاولة منذ زمن، وتُعاد تسخينها أكثر من مرّة، ليس لأن مذاقها لذيذ عند الإعادة، بل لأن القدرة على شراء فنجان جديد باتت امتيازًا لا تفصيلاً.
أما الراتب، فيدخل المنزل كضيف رسمي بلا كرسي. يمرّ سريعًا كما تمرّ النشرة الجوية في عجالة، يحيي العائلة لحظة ثم يختفي بين الحاجات: قسط المدرسة، أجرة المواصلات، ندفئة الشتاء، ودواء جدّ أو جدّة يُشترى غالبًا فوق الاستطاعة، وتكاليف بيت لا يعترف إلا بلغة الدفع الفوري. يكاد الراتب لا يُرى، لكنه يُلمَس فقط عند لحظة الغياب؛ أثرٌ باردٌ مثل فنجان القهوة حين ينطفئ آخر خيط بخار فيه.
وفي الأدراج، يكمن الحاكم الحقيقي للبيت: دفتر الدَّين. البقال في الحارة ليس مجرد متجر، بل مؤسسة نقدية شعبية تعمل بلا رأسمال، وتدير اقتصاد الثقة المتهاوي. يلجأ إليه الناس كل يوم تقريبًا أكثر مما يلجأون إلى تطبيقات البنوك. من هناك تُمنح القروض الإنسانية الصغيرة: علبة لبنة، كيس شاي، حفنة رزّ تُنقذ غداء العائلة، وحليب أطفال يُشترى بالدَّين لأنه لم يعد يُشترى بالنقد ، حتى غذاء الطفل في بلدي لم يسلم من شيطنة الضرائب.. هنا، تُقاس الملاءة المالية بمدى بقاء الوجه أبيض، لا ببياض الحساب البنكي.
يعلّمك الشارع الأردني أنّ الأسئلة تغيّرت: «وين رايح؟» تحوّلت إلى «قديش ظل معك؟»، و«شو أخبارك؟» تبدّلت إلى «الله يفرّجها على آخر الشهر». الأحاديث التي كانت للفضفضة، صارت للتحسّب. لم تعد الجيوب مكان النقود، بل مكان العدّ: عدّ الأيام المتبقية حتّى القبض، وعدّ الدنانير القليلة المتبقية بعد أول 72 ساعة من استلام الراتب. في تلك الساعات الأولى، يكون الصرف أشبه بفيضٍ خاطف يترك خلفه صحراءً عائلية تمتدّ لأسبوعين على الأقل.
البيوت الأردنية في السنوات الأخيرة باتت تعيش مفارقة مؤلمة: الاقتصاد الكلي يتحدّث عن الثبات النقدي، لكن الاقتصاد اليومي يعاني الانهيار الصغير المتكرر. الدولة تسوّق روايتها عن الاستقرار، لكن الحارات تسوّق حقيقةً عن الإنهاك. حين تتحدّث الحكومة عن قوة الدينار، يتحدّث المواطن عن قوة الانتظار..وحين تتحدّث وزارة الإقتصاد أو وزارة التجارة عن ضبط الأسواق، يردّ السوق بعبارة واحدة: «اضبطوا الضرائب قبل أن تضبطوا الأسعار». فما قيمة سقف السعر حين يكون سقف الدخل ذاته يهبط ، حتى “شربة الماء” بكأس مغلف لم تسلم من الضريبة .؟
لا يقتصر النقد على الغلاء، بل يمتدّ إلى طريقة إدارته. السياسات العامة تعالج الأعراض لا المرض. يوضَع حدّ لسعر سلعة، فتقفز عشر سلع. يُخفَّض جمرك، فيرتفع إيجار. تُعلَن حملات رقابية، فيُخفَى الغلاء ليظهر لاحقًا أكثر شراسة. الرقابة لا تغيّر المعادلة حين يكون هامش الربح للتاجر شيطانًا يوميًا، وهامش الدخل للمواطن ملاكًا مُجهدًا بلا أجنحة..وهامش المخالفات والدفع والضرائب مشروع للجباية..
ويزداد المشهد إيلامًا ، وأعمق وجعا ،حين ندرك أن الأزمة ليست في ندرة السلع، بل في ندرة العدالة. ليس في قلة الموارد، بل في سوء توزيعها. المواطن الذي يدفع ضريبة الدخل قبل أن يدخل الدخل أصلاً بيته، يشعر أنه شريك في الدفع لا شريك في القرار. يدفع أكثر مما يستطيع، ويسمع أكثر مما يحتمل، وينال أقل مما يستحق. وهذا ما يحوّل القهوة من عادة إلى استعارة: مُرّة… ومتكررة… وتحتاج دائمًا إلى ما يُحليها؛ ما يُحليها ليس السكر، بل إصلاح حقيقي يتجاوز التصريحات، وتدابير تمسّ الخلل البنيوي لا الفجوة الموسمية.
في تفاصيل البيت الأردني أيضًا يكمن نقد آخر: غياب التخطيط المعيشي طويل الأمد. شبكات الأمان الاجتماعي تُكتب على الورق أجمل مما تُطبَّق على الأرض.. الدعم حين يصل، لا يصل إلى الجميع، وإن وصل، لا يصل بالكفاية، وإن كفى يومًا، لا يكفي غدًا. معظم الأسر تدير ميزانيتها كما يدير الغريق أنفاسه: قليل قليل… لحين قليل آخر ينقذه.
ومع الشتاء، تتكثّف الأزمة لتصبح أوضح من القشعريرة التي تسري في جسد طفل يرتعش بردا. سؤال التدفئة بات سؤال كرامة، لا سؤال طاقة..التدفئة تعمل ساعات أقل من ساعات القلق بها، فهي تُشعل الحياء والقلق أكثر مما تُشعل القلوب.. حتى الشتاء لم يعد فصلًا، بل بندًا ماليًا يُرهق العائلة أكثر مما يُرهق نشرة الأرصاد. وتصبح ملابس الموسم رفاهية لا فصلية، وتتحوّل بطانية إضافية إلى مشروع رأسمالي تحتاج إلى تمويل طارئ… بلا تمويل.
ورغم كل ما سبق، يُفترض أن يحمل المقال خاتمة أمل، لكن النقد الأكثر وجعًا هو أننا لم نعد قادرين على إنهاء المقال بالأمل وحده. الأمل بلا خطط تنفيذية يصبح ملحقًا غير تمويلي. لكن ما يمكن قوله بثبات:
أنّ الأردنيين لا يملكون رفاه الانكسار. هم لا يختارون الصبر لأنه جميل، بل لأنه المتاح الوحيد. يقاومون يومهم بالقهوة… ويتحمّلون غدهم بالديون… ويبنون بقاءهم على ما تبقّى من قدرة على الوقوف.
وإذا كانت رائحة القهوة تعبّر عن صباحات الناس، فإن رائحة الديون تعبّر عن ليلهم، أما رائحة الغلاء فتعبّر عن سياساتٍ لم تُبنَ على قياس المواطن، بل على قياس الأرقام الكبرى التي لا تسكن البيوت.
ويبقى السؤال النقدي الأوضح: كيف يمكن لبيت أن يبقى صامدًا، إذا كانت السياسات العامة لا تُقاس بقدر القلق الذي تنتجه، بل بقدر الشعارات التي ترفعه؟
في الأردن، القهوة تُذكّرنا أننا ما زلنا نستيقظ،
والديون تُذكّرنا أننا لم نعد نملك سوى التأجيل،
والغلاء يُذكّرنا أن الإصلاح، إن لم ينزل إلى حيث تُغلى القهوة، لن يصعد إلى حيث تُكتب التقارير.
*كاتب وصحفي أردني

Exit mobile version