اليمن الحر الأخباري

“ابو شباب”..سقوط لا يليق إلا بالخائنين!

نادية حرحش*

هناك لحظات لا يجوز التفريط في الكتابة عنها؛ لحظات تُحفظ للتاريخ. ما نشهده في هذه المقتلة علّمنا، أو بالأحرى كشف لنا، أن معاني الحياة والموت تتقاطع بطرائق عجيبة، يكاد وصفها يلامس الإعجاز. فمنذ نشأتنا تعلّمنا أن للموت معنى أخروي، يرتبط بقيم عليا تأخذنا نحو أسرار الغيب الذي لا ندركه، لكن بعض أشكال الموت تأتي بما يشبه الشهادة علينا، وكأن وجودنا نفسه مُعَدّ للحظة الحضور أمام الحقيقة.
منذ ارتقاء شيرين أبو عاقلة، انكشف معنى آخر للموت: كيف يتحوّل إلى حياة أبدية لآخرين. كيف تتحوّل إنسانة كانت تمارس مهنتها بثباتٍ صامت إلى أيقونة تلامس مقام القداسة. استشهاد شيرين جمع حولها عقائد مختلفة لم تتفق يوماً، لكنها التقت عند فكرة واحدة: أن حياتها، بكل تواضعها، كانت أصغر بكثير من موتها.
وتتابعت النماذج التي بدت يوماً فريدة حتى غدت في غزة درساً خلف درس. شخصيات كانت مهمّة في حياتها أو عابرة فيها، وربما مجهولة تماماً لنا، صارت في موتها حضوراً أبدياً. كأن الموت يكشف عن معنى جديد، أو يستحضر معنى قديماً للحياة الأخرى. شهيدٌ بعد شهيد يرتقي، محفوراً في الوجدان، كأن كل واحد منهم يُضيف حجراً آخر في بناء الذاكرة الجمعية لكرامة شعبٍ يُباد ولا ينكسر.

فثمة مَن عاش ضيفاً غامضاً، قاعداً لعقود، لا نكاد نسمع إلا صوته وكأنه شبح، فإذا باستشهاده ينهض في صورتِه ومشيته ظلّاً لا يغيب. وثمة مَن كان يحيا عاديًّا في حياته، فإذا باستشهاده ينهض حيّاً بعصاه، تتردّد كلمات الحرية الحمراء على بابٍ مضرج بالدم. وهناك وجوهٌ لم نكن نعرف عنها شيئاً، كانت أجسادها النحيلة تقف أمام دبابة، أو تمضي في نفقٍ مظلم بأقدامٍ متعبة وبطونٍ خاوية، أو تركض تحت هدير الطائرات، ومع ذلك ظلّت ثابتة حتى آخر نفس. هؤلاء الذين بدوا في حياتهم هامشيين صاروا في موتهم أبطالاً تتشكّل من صورهم أسطورة، مهيّأة لتبقى أزمنة طويلة تتعلّم منها الأجيال أن قيمة الإنسان قد تتجلّى لحظة يُحشَر بين الفناء والكرامة، فيختار الكرامة.

وفي المقابل، يقدّم الموت درساً نقيضاً. فإذا كان ارتقاء الشهداء يفتح لنا باباً على معنى العظمة الإنسانية، فإن سقوط الخائن يكشف لنا الوجه الصريح للخذلان. في حالة سيء الذكر ياسر أبو الشباب لم يعد الأمر واقعة أمنية، ولا مجرد اسمٍ سقط في خبر عابر؛ لقد كانت لحظة سقوطه لحظة انكشاف أخلاقي. ما بدا على وجوه الناس، وما خرج من صدورهم، لم يكن كراهية طارئة، بل ارتياحاً متجذراً، كأنّ المجتمع تخلّص من شوكة مسمومة غرست طويلاً في لحمه.
في موته تجسّد معنى “الفطيس” بأوضح صوره: جيفة لا يقترب منها أحد، لا لنتنها وحده، بل لثقل الخيانة الذي التصق بها حتى آخر لحظة. جنازته، وجيفُ من يشبهونه من العملاء، لم تُنقذها الراية الملفوفة حولها؛ فالعلم حين يُرفَع بأيدٍ ملوّثة لا يمنح شرعية، ولا يغطّي عاراً، ولا يرمّم روحاً سقطت منذ زمن بعيد. بل إنّ مشهد العلم فوق جثمان خائنٍ مزدوج، يذكّرنا بكيف يستخدم المرتزقة هذا الرمز العظيم في أماكن أخرى لبيع القضية نفسها، يلصقونه على أكتافهم ليوهموا الناس ببطولات مستعارة، فيما هم يغذّون مصالح عصاباتهم ويقتاتون على وجع شعبهم.

ad
ومن هنا يظهر أبو الشباب قميئاً، لا بموته فقط بل بمعنى حياته كلّها: نموذجاً فاضحاً لمرتزقة يتأنّقون في مكاتب فارهة، يتقاسمون المناصب والغنائم، ويبيعون القضية ويشترونها كما يشتهون، في قضية لا ينتمون إليها إلا من أجل أن ينهبوها، ويعلّقوا فوق نهبهم علماً يظنّون أنه يُخفي الخيانة. وما علمٌ فوق يدٍ عاهرة بالخيانة إلا فضيحة تُعرّي حاملها ولا تحميه.
وما الخَطْبُ إلّا غَدْرُ باغٍ تَزَيَّرَتْ

مَحاسِنُهُ، والعارُ في طَيِّ بُرْدِهِ

وعندما يقال إن هذه البلاد مقدّسة لا ترضى بالخائن ولا تستقبل في ترابها من يطعنها، فإننا قد شهدنا ذلك بأعيننا. رأينا كيف لفظته الأرض كما يلفظ الجسد شوكة غريبة. ولعلّ من بقي من المرتزقة والعملاء يتعظون؛ فهذه البلاد، في لحظات الحق، لا تُبقي ما هو دَخيل.
إنه لأمر جلل أن يغيب عن المرء دعاء الناس عند موته. أن يرحل إنسان فلا يجد من يترحّم عليه، لانعدام أثره الإنساني، وللوثيقة التي تركها وراءه من خيانة. ففي ثقافتنا، مهما اشتدّ الخصام، يبقى للموت هيبة ورحمة. وحين تُحجب الرحمة عن ميت، فذلك حكمٌ اجتماعي لا يُستأنف، وإدانة لا تحتاج إلى محكمة.

وهكذا، بين ارتقاء الشهيد وسقوط الخائن، تتجلّى معركة المجد والعار في أوضح صورها. فمن عرف معنى الأرض حملها، ومن باعها سقط بها. وليس هذا زمنًا يلتبس فيه الحق؛ فالشعوب تعرف أبناءها ساعة الموت، ترفع من يستحق الرفعة، وتطرد من لا يليق بالتراب.
وَيا قَوْمُ، هَلْ تَدْرُونَ ما فَقْدُ مَجْدِكُمْ؟

تُذِلُّكُمُ أَيْدٍ وَسَيْفٌ يُقَامُ

وَيا قَوْمِ، قَدْ ساءَتْكُمُ نَكْبَةٌ لَكُمْ

تَؤُوبُ عَلَيْها مِنْ فِعَالِكُمُ العَارُ

وَما اللهُ إِلّا الحَقُّ يَقْضِي بِحُكْمِهِ،

وَما النّاسُ إِلّا في يَدَيْهِ نِظَامُ

(احمد شوقي)
*كاتبة فلسطينية

Exit mobile version