اليمن الحر الأخباري

لبنان وحزب الله.. مهلة بلا حسم…!

زياد فرحان المجالي*
منذ عقود، يعيش لبنان في حلقة مفرغة من الأزمات والحروب المؤجَّلة. بلدٌ صغير في الجغرافيا، كبير في التعقيد، تتنازعه الطوائف، وتثقل كاهله التدخلات الإقليمية، ويُستَخدم في كثير من الأحيان كساحة رسائل لا كدولة ذات قرار سيادي كامل. اليوم، يعود لبنان مجددًا إلى واجهة التوتر، تحت عنوان واضح: سلاح حزب الله جنوب الليطاني، والمهلة الأميركية التي لا تبدو طريقًا للحسم بقدر ما هي إدارة مؤقتة لأزمة قابلة للانفجار في أي لحظة.
المشهد الراهن يضع لبنان بين ضغطين متعاكسين: ضغط أميركي يدعو – نظريًا – إلى تفكيك سلاح حزب الله في الجنوب، وتهديد إسرائيلي بعمل عسكري واسع ينتظر الضوء الأخضر السياسي من واشنطن، وتحديدًا من دونالد ترامب، الذي لا يرغب في رؤية “انفجار” جديد ينسف ادعاءاته بتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط. وبين هذا وذاك، يقف لبنان، دولةً وشعبًا، بلا قدرة فعلية على فرض حلّ، وبكلفة إنسانية واقتصادية يدفعها وحده.
لبنان الدولة… ولبنان الطوائف

لفهم مأزق لبنان، لا بد من العودة إلى بنيته الداخلية. لبنان ليس دولة مركزية قوية، بل نظام توافقي هشّ، يقوم على توازنات طائفية دقيقة. أي قرار كبير – وخصوصًا قرار الحرب أو السلم – لا يُتخذ بمنطق الدولة وحدها، بل بمنطق الطوائف ومخاوفها. الجنوب اللبناني ليس مجرد مساحة جغرافية، بل رمز سياسي وعاطفي لطائفة دفعت أثمانًا باهظة في الحروب السابقة، وترى في حزب الله حاميًا ودرعًا، بصرف النظر عن كلفة هذا الخيار على الدولة ككل.
في المقابل، هناك طوائف وقوى سياسية أخرى ترى أن استمرار هذا الواقع يعني بقاء لبنان رهينة، ومفتوحًا على حروب متكررة لا يملك قرارها. هذا الانقسام العميق يجعل أي حديث عن “تفكيك سلاح حزب الله” أقرب إلى الشعار منه إلى الخطة القابلة للتنفيذ.
حزب الله: بين الردع والوظيفة الإقليمية
حزب الله ليس مجرد تنظيم مسلح داخل دولة، بل جزء من معادلة إقليمية تقودها إيران. سلاح الحزب، خصوصًا في الجنوب، يُقدَّم باعتباره عنصر ردع في مواجهة إسرائيل، لكنه في الوقت نفسه أداة نفوذ إيراني في شرق المتوسط. من هنا، فإن أي محاولة لنزع هذا السلاح لا تُواجه فقط بحسابات لبنانية داخلية، بل برفض إقليمي واضح.
إيران لا تنظر إلى حزب الله كملف لبناني صرف، بل كجزء من شبكة نفوذ تمتد من طهران إلى البحر المتوسط. لذلك، فإن التفريط بهذا السلاح من دون مقابل استراتيجي كبير يُعدّ خسارة لا يمكن تعويضها بسهولة. وهذا ما يفسّر تشدد الحزب، وتمسكه بخطابه الدفاعي، رغم إدراكه لحجم الكلفة التي يدفعها لبنان.
الجيش اللبناني: يعرف حدوده
في قلب هذا المشهد، يُستحضر اسم الجيش اللبناني بوصفه “الحل الممكن”. لكن هذا الطرح يتجاهل واقعًا يعرفه الجميع داخل لبنان: الجيش اللبناني يعرف إمكانياته وحدوده. هو جيش وطني يحظى باحترام واسع، لكنه لا يملك القدرة العسكرية ولا الغطاء السياسي لخوض مواجهة مع حزب الله، ولا لتحمّل تبعات صدام داخلي قد يقود إلى انفجار أهلي.
الجيش يُدرك أن أي محاولة لفرض نزع السلاح بالقوة تعني انقسامًا داخليًا خطيرًا، وربما انهيار المؤسسة نفسها. لذلك، يكتفي بدور الضابط للإيقاع، ومحاولة إظهار إنجازات محدودة، سواء عبر الانتشار أو التنسيق، دون الذهاب إلى مواجهة يعلم مسبقًا نتائجها الكارثية.
إسرائيل: تفوق عسكري… وحسابات سياسية
في الجهة المقابلة، تقف إسرائيل، المتفوّقة عسكريًا بوضوح، خصوصًا في سلاح الجو والاستخبارات والتكنولوجيا. الجيش الإسرائيلي يراقب الجنوب اللبناني عن كثب، ويملك القدرة على توجيه ضربات موجعة، لكنه في الوقت نفسه يدرك أن أي حرب شاملة مع حزب الله لن تكون نزهة، وأن الجبهة الداخلية الإسرائيلية ستدفع ثمنًا غير مسبوق.
إسرائيل، رغم تفوقها، لا تريد حربًا مفتوحة من دون غطاء أميركي واضح. فهي تدرك أن أي عملية واسعة قد تخرج عن السيطرة، وتفتح جبهات أخرى، وتضعها في مواجهة ضغط دولي متصاعد. لذلك، تلوّح بالحرب أكثر مما تسعى إليها، وتستخدم التهديد كأداة ضغط سياسية.
واشنطن: لا حرب… ولكن
الولايات المتحدة، من جهتها، لا تريد حربًا جديدة في لبنان. واشنطن ترى أن انفجار الجبهة اللبنانية سيعقّد ملفات أخرى أكثر أولوية، من أوكرانيا إلى الصين، مرورًا بالملف الإيراني. لكنها في الوقت نفسه لا تملك خطة بديلة حقيقية. ما تفعله عمليًا هو شراء الوقت: مهلة إضافية للبنان، ضغط سياسي على الحكومة، ورسائل تحذير لحزب الله، مع إبقاء خيار الحرب مطروحًا إذا فشل المسار.
هذا التناقض الأميركي – لا حرب الآن، لكن الحرب ممكنة لاحقًا – يعمّق حالة اللايقين في لبنان. البلد يعيش على حافة تهديد دائم، من دون أفق واضح للحل.
الشعب اللبناني: الخاسر الدائم
في كل هذه الحسابات، يبقى الشعب اللبناني هو الحلقة الأضعف. شعب أنهكته الأزمات الاقتصادية، وانهيار العملة، وتفكك الخدمات، يجد نفسه مجددًا رهينة سيناريو حرب لا يريدها ولا يملك قرارها. الجنوب اللبناني، الذي دفع أثمانًا باهظة في حروب سابقة، يعيش اليوم قلق الانتظار: هل ستكون الحرب القادمة محدودة أم شاملة؟ وهل يتحمّل البلد جولة جديدة؟
اللبنانيون، بغالبيتهم، لا يبحثون عن انتصار سياسي أو عسكري، بل عن استقرار يسمح لهم بالحياة. لكن هذا المطلب البسيط يصطدم بواقع إقليمي لا يعترف بالحياد، وبنظام داخلي عاجز عن إنتاج قرار موحّد.
إدارة أزمة لا حلّ
المشهد اللبناني اليوم يوحي بوضوح أننا أمام إدارة أزمة مؤجَّلة لا حلًّا جذريًا. لا أحد مستعد للحسم: لا واشنطن، ولا تل أبيب، ولا طهران، ولا حتى القوى اللبنانية نفسها. الجميع يشتري الوقت، لكن الوقت في لبنان ليس محايدًا؛ هو يتآكل على حساب الدولة والمجتمع.
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في اندلاع حرب، بل في استمرار هذا الوضع الرمادي: بلد معلّق بين الحرب والسلم، بلا قرار، وبلا أفق. فالحروب المتكررة لا تبدأ دائمًا بقرار كبير، بل أحيانًا بخطأ صغير في بيئة مشبعة بالتوتر.
لبنان اليوم ليس على أعتاب حل، بل على حافة احتمال مفتوح. سلاح حزب الله، التفوق الإسرائيلي، الضغط الأميركي، والدور الإيراني، كلها عناصر في معادلة معقّدة لا يبدو أنها ستُحسم قريبًا. وبينما يتجادل اللاعبون الكبار، يبقى لبنان وشعبه يدفعان ثمن الانتظار.
إن لم يتحوّل هذا المسار من إدارة أزمة إلى مشروع سياسي حقيقي يعيد الاعتبار للدولة، فإن السؤال لن يكون هل ستقع الحرب، بل متى، وبأي كلفة، وعلى حساب من.
*كاتب اردني

Exit mobile version