بقلم / عادل حويس
يقرأ القارئ هذه الكلمات وأطفال قطاع غزة يقاومون موتا آخر لا يقل وحشة عن القصف.
إنه موت بطيء وهادئ يزحف مع صفير الرياح الباردة عبر شقوق الخيام الممزقة. موت يأتي مع انخفاض ميزان الحرارة إلى ما دون العاشرة ليلا ومع تحول المخيمات إلى مستنقعات من الوحل والمياه الآسنة. إنهم لا يموتون تحت الأنقاض فحسب بل يموتون أيضا تحت سقف من البلاستيك لا يمنع رطوبة الشتاء ولا صقيع لياليه.
أعلنت وزارة الصحة مؤخراً عن استشهاد ثلاثة أطفال بسبب البرد القارس بينهم طفلة رضيعة وأخرى في الثامنة من عمرها وهي أرقام لن تعكس أبدا حجم الكارثة التي لا تزال تتكشف في صمت.
لقد أصبحت معاناة أكثر من 1.9 مليون نازح واقعا يوميا تتجلى فيه أقسى أشكال العوز الإنساني.
تشير الأرقام إلى أن 93% من خيام النازحين لم تعد صالحة للإيواء ولا تكاد المساعدات تلامس حافة هذه الحاجة الهائلة. فبينما تقدر الحاجة بـ 450 ألف خيمة لم يسمح سوى بدخول 15 ألف خيمة منذ وقف إطلاق النار.
هذا العجز ليس مجرد رقم إنه طفل يرتجف من البرد ورضيع يموت من عدم وجود بطانية وأسرة تائهة تبحث عن بقعة جافة لكي تضع أطفالها عليها.
المتحدث باسم اليونيسف في غزة يصف شروط النظافة بأنها “مفزعة”، مع برك كبيرة من مياه الصرف الصحي المكشوفة التي تهدد بموجة جديدة من الأوبئة بين الأطفال.
هذا المشهد الشتوي البارد ما هو إلا فصل جديد في ملحمة المعاناة التي دامت لأكثر من عامين كتبت فصولها الأولى بالدم والنار.
لقد ذهب ضحيتها ما يقارب 20 ألف طفل وجرح وجرح معهم مستقبل جيل كامل. أصبح لدى القطاع أكبر عدد من مبتوري الأطراف في التاريخ الحديث حيث يفقد أكثر من 10 أطفال في المتوسط إحدى ساقيهم أو كلتيهما كل يوم وغالبا ما تجرى هذه العمليات دون تخدير كاف.
لقد حرم 700 ألف طالب من مدارسهم وبات هناك 39,384 طفلا يحملون لقب “يتيم” منهم حوالي 17,000 فقدوا كلا الوالدين. هذه الأرقام الرسمية تخفي وجوها مثل مريم ذات الست سنوات التي بترت ساقها ثلاث مرات وتحدث القمر على أنه أمها أو يزيد الذي فقد بصره وبقايا سمعه مع فقدان أمه وجده.
وراء كل هذه الإحصائيات هناك قصة إنسانية واحدة تتكرر بعشرات الآلاف: قصة الفقدان. الأطفال الذين نجوا جسديا يحملون ندوبا نفسية قد لا تلتئم. تقدر منظمة اليونيسف أن نحو مليون طفل في غزة بحاجة إلى دعم نفسي عاجل. في محاولة يائسة للعلاج لجأ أخصائيون محليون إلى تقنيات مبتكرة مثل الواقع الافتراضي لكن هذه المبادرات تبقى قطرات في محيط من الاحتياج.
اليوم.. ومع دخول فصل الشتاء بقسوة يبدو أن الحلقة المفرغة من المعاناة لن تنتهي.
تتضاعف الاحتياجات العاجلة: من المأوى والغذاء إلى الأدوية والأطراف الصناعية ومن العلاج النفسي إلى إعادة فصول الدراسة. لكن الجهود الإنسانية تبدو عاجزة أمام حجم الدمار وضخامة المتطلبات. بينما تحتاج الأمم المتحدة إلى 350 ألف خيمة لمواجهة آثار المنخفض الجوي فحسب تبقى المساعدات الشتوية متراكمة على الحدود محتجزة وراء تعقيدات سياسية ولوجستية.
مستقبل غزة يكمن في عيون أطفالها عيون تشاهد الدمار من حولها وتحلم بحياة عادية.
إنهم ينتظرون ليس فقط وقفا لإطلاق النار بل وقفا للمعاناة. ينتظرون خيمة تدفئهم ووجبة تشبعهم ومدرسة تحتضنهم وعلاجا يشفيهم.
ينتظرون ببساطة أن يعودوا أطفالاً.
