اليمن الحر الأخباري

المغرب.. فواجع غزة بحروب أخرى..!

 

نورالدين برحيلة!
المغرب يعيش حربا بلا دبابات ولا طائرات عسكرية، ما يحدث في المغرب هو غزة أخرى، ضحاياها كثر، بين زلازل مفجعة، والحوز مثال مؤلم لعمق الفساد، وحوادث السير حرب طاحنة اخرى، وانهيار المباني حرب مدوية وأمطار الخير في المغرب قد تصبح حربا دامية.
الأمطار التي كنا ننتظرها بشوق، ولأجلها أقيمت صلوات الاستسقاء وصادق الدعاء، تتحول إلى نقمة وكارثة متكررة في المغرب، وتصبح المنازل والمباني إلى فواجع ومواجع والطرقات تصبح أنهاراً وقبورا.
فاجعة مدينة أسفي، وما خلفته من موت للعشرات من المواطنين الأبرياء، هي شهادة واقعية على قوة الفساد وهشاشة البنية التحتية وسوء التدبير المزمن، وضريبة فادحة فاضحة لسنوات من التراخي والفساد في تدبير الشأن العام والعبث بحياة المواطنين واعتماد المواطنين في المحن والمصائب على بعضهم البعض، والأكثر إيلاما أنها تزامنت مع فاحعة انهيار عمارتي فاس بمآس قاسية.. عنوانها المغرب في حداد، المغرب ضحية الفساد.إن هذه المصائب المتتابعة تفرض حدادا وطنيا رسميا، يتجاوز التضامن العاطفي إلى المساءلة الجادة والمحاسبة الصارمة لهول الغرق في العديد من المدن التي سبق للغيورين أن دقوا ناقوس الخطر، بأن حياة الشعب في خطر، لكن لمن تدق الأجراس؟؟
عشرات المقالات التي كتبنا تباعا نحذر فيها من مغبة التساهل مع المفسدين والتحامل على فاضحي الفساد، اليوم يجب إطلاق سراح سجناء الرأي الذين اعتقلوا فقط لفضحهم للفساد، في المقابل يجب اعتقال كل العصابة المعروفة خصوصا المكلفين رسميا بمؤسسات قانونية للمحاسبة ومكافحة الفساد.
المشكلة ليست في كمية الأمطار ولا في الكوارث الطبيعية، بل في تضخم الفساد، وتهاوي البنية التحتية، ةعجز مجاري الصرف الصحي (والتي تسمى كذبا شبكات الصرف الصحي) على استيعابها، وهذا العجز يقودنا مباشرة إلى مساءلة جودة الأشغال المنجزة، خصوصا وأن اغلب هذه المجاري في معظم المدن الكبرى تعود إلى عقود مضت، بل إن بعضها يرجع إلى مرحلة الاستعمار، ولم تعد تتناسب مع التوسع العمراني الهائل وزيادة الكثافة السكانية، وهي تحتاج إلى تجديد شامل لا إلى تدوير الترقيع، في ظل مشاريع عنوانها البارز التلاعب بمواصفات المواد البناء وتقوية الارتشاء، حيث تتحول الرشوة هنا إلى قاتل صامت يهدد حياة المواطنين، بتمرير مخططات هندسية رديئة وفق صفقات غير مطابقة للمعايير. كما أن التوسع العمراني غير المُنظَّم على ضفاف الأودية أو في المناطق المنخفضة دون توفير بنية تصريف مناسبة، يُحوِّل الفيضانات إلى كوارث كبرى تبتلع الأحياء السكنية.
ما حدث في أسفي هو فاجعة إنسانية تتطلب الوقوف عندها ليس بالتعاطف فحسب، بل بتسمية الأشياء بمسمياتها، هؤلاء المواطنون هم شهداء الفساد والإهمال الحكومي، أن يموت مواطنون غرقاً في طرقات مدنهم، أو داخل بيوتهم، هو دليل قاطع على أن النظام الوقائي لحماية السكان قد انهار بالكامل، ورغم تطور تقنيات الأرصاد الجوية، فإن غياب خطط الإخلاء السريع والتحذير المسبق الفعال يجعل المواطنين عُرضة للموت المؤلم.
إن فاجعة بهذا الحجم تستدعي إجراءات تتجاوز التعويضات المالية، وصولاً إلى رمزية الحداد الوطني. يجب تنكيس الأعلام على جميع المؤسسات الرسمية والمباني الحكومية، ليس فقط كاحترام لأرواح الضحايا، بل كتعبير عن تضامن الدولة الكامل مع مصاب العائلات، واعتراف ضمني بخطورة الخسارة وضرورة المساءلة. لا يمكن تدارك الفاجعة دون فتح تحقيق عميق وشفاف يحدد المسؤوليات بدقة: بدءاً من المقاولين الذين استخدموا مواد رديئة، مروراً باللجان التي صادقت على المشاريع، وصولاً إلى المسؤولين الإداريين الذين تهاونوا في الرقابة أو منحوا الرخص دون تدقيق. يجب تحويل هذه المأساة إلى نقطة تحول نحو الاستثمار الجاد والاستباقي في البنية التحتية، بعيداً عن صفقات الفساد، مع التركيز على مشاريع الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار كأولوية وطنية قصوى، لا تقل أهمية عن الأمن القومي.
إن أرواح شهداء أسفي وفاس والحوز وحوادث السير وغيرها من حوادث الفساد، لا يجب أن يطويها النسيان، ونقشها في الذاكرة الجمعية يقتضي يقظة اجتماعية بدءا بتنكيس الأعلام احتراما لأرواح الشهداء، علما أن الحداد الحقيقي يتجسد في استئصال سرطان الفساد، حتى تصبح الأمطار غيثا للوطن والمواطنين لا غرقا لا يبقي ولا يذر..
*كاتب مغربي

Exit mobile version