د. معن علي المقابلة*
انتهت مؤخرًا بطولة كأس العرب التي أُقيمت في قطر، وشهدنا حجم الانخراط العاطفي الكبير للشارع العربي في مجرياتها. لا يمكن إنكار أن انحياز الشعوب لمنتخباتها الوطنية أمر طبيعي ومفهوم، فكرة القدم أصبحت جزءًا من الوجدان الجمعي، ومساحة نادرة للفرح في واقع مثقل بالإحباطات.
غير أن المقلق ليس هذا الانحياز بحد ذاته، بل طبيعة الغضب الذي ينفجر عند الخسارة، والكيفية التي يُدار بها هذا الغضب ويُغذّى إعلاميًا. فما إن يخسر منتخب حتى تتحوّل الشاشات إلى منصّات تعبئة انفعالية، تُفتح الاستديوهات لساعات طويلة، ويتسابق «المحللون» لصبّ الزيت على النار، وكأن مصير الأمة قد اختُزل في مباراة كرة قدم، أو بطولة هنا وأخرى هناك. يُستثمر الغضب، ويُضخّم، ويُقدَّم للجمهور بوصفه حدثًا مصيريًا يستحق الصراخ والانقسام والاتهامات.
الإعلام بين التوجيه وتدجين الغضب الإعلام هنا ليس مجرد ناقل للأحداث، بل أداة مركزية لتوجيه الانفعال الشعبي. فهو يختار ما يُعرض، ويضخّ المشاهد الأكثر إثارة، ويكرّرها، ليصبح الغضب مُدارًا وموجّهًا في الاتجاه الخطأ. البرامج التحليلية والاستديوهات المفتوحة تعمل كـ«آلة تدوير انفعالات»، تصب غضب الجمهور على الخسارة الرياضية أو الأحداث الثانوية، بينما تُغلق عيونهم عن القضايا المصيرية.بهذا الأسلوب، يصبح الإعلام ليس مجرد وسيط للمعلومة، بل مهندسًا للوعي الجمعي، يفرض أولويات وهمية ويحوّل الانفعال الجماعي إلى مادة قابلة للسيطرة. في المقابل، يختفي هذا الغضب، أو يُدفن عمدًا، أمام ما يتعرّض له شعبنا في فلسطين المحتلة من إبادة جماعية وتجويع ممنهج. لا استديوهات مفتوحة، ولا تحليلات ساخنة، ولا انفعالات عالية السقف.
وإن فُتحت الشاشات، فغالبًا ما تُفتح لتلميع الخطاب الإنساني الفارغ، أو لتجريم المقاومة، أو لتبرير الصمت العربي، بينما ما يحدث في غزة تجاوز حدود الخيال: قتل يومي بآلة صهيونية لا تتوقف، تجويع متعمّد، وبرد قارس يحصد أرواح الأطفال قبل القنابل. هنا يصبح السؤال ملحًّا: كيف يُستدعى الغضب في مباراة، ويُقمع أمام مجزرة؟
الجواب لا يكمن في عفوية الجمهور وحدها، بل في آلية توجيه الوعي العام. لقد تحوّلت البطولات الرياضية المتلاحقة إلى ما يشبه أفيونًا جماعيًا، لا لأنها رياضة أو متعة في ذاتها، بل لأنها تُستَخدم كمساحة لتفريغ الغضب في الاتجاه الخطأ. يخرج المواطن من بطولة ليدخل في أخرى، يصرخ هنا، يغضب هناك، بينما تبقى قضاياه المصيرية خارج دائرة الانفعال والفعل. ما يحدث في عالمنا العربي ليس عشوائيًا، بل هو إدارة عن بُعد للوعي؛ توجيه بالريموت كنترول، حيث يُشغَل المواطن بتوافه الأمور، ويُستنزف وجدانه في معارك وهمية، لينسى معاناته اليومية، ويُفصل تدريجيًا عن قضاياه الكبرى، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، التي لم تكن يومًا شأنًا فلسطينيًا فقط، بل معيارًا أخلاقيًا لكل هذا الفضاء العربي.
الغضب ليس مشكلة في ذاته، بل مكان الغضب هو المشكلة. فالأمم التي تُهدر غضبها في المدرّجات، ولا تحمله إلى ساحات العدالة والكرامة، تُدار ولا تقود، وتُستَخدم ولا تختار. وفي زمن الإبادة، يصبح الصمت تواطؤًا، وتحويل البوصلة خيانة، وتوجيه الغضب بعيدًا عن فلسطين جريمة وعي قبل أن تكون خطأ سياسيًا.
*كاتب وباحث وناشط سياسي اردني
