د. حرزالله محمد لخضر*
صادق البرلمان الجزائري بالإجماع -لأول مرة منذ الاستقلال-على قانون تجريم الاستعمار الفرنسي، في خطوة تاريخية ستؤرخ لمرحلة جديدة مع محتل الأمس، من شأنها أن تعيد ترتيب التوازنات السياسية، وضبط العلاقة مع فرنسا على أساس من الندية والحسبة التاريخية والتقدير والاعتزاز بالذات.
إن هذا القانون يشكل خطوة أولية هامة ضمن مسارٍ طويل لإعادة الاعتبار لسيادة الأمة على إرثها التاريخي، وحقها في ملاحقة العدو على جرائمه خلال حرب التحرير، وجميع الحقبة الاستيطانية التي استمرت 132 سنة من الاستنزاف وقتل الإنسان والعمران واللسان والوجدان، لا بل وأكثر من ذلك، فجرائم فرنسا لم تتوقف عند الخامس من جويلية 1962، بل تواصلت حتى بعد طردها من هذه الأرض المباركة، متمثلة في مخلفات التجارب النووية وضحاياها من المعوقين والمشوهين خَلقيا، والأراضي السامة والملوثة بالإشعاعات النووية التي خلّفتها، إضافة إلى جرائم القنابل المزروعة على طول الحدود الشرقية والغربية الجزائرية فيما عُرف ب (خط شال وموريس) والتي تركتها فرنسا وراءها ولم تتعاون مع السلطات الجزائري لتفكيكها أو حتى الكشف عن خرائطها، وقد تسببت في المئات من الضحايا ما بين قتلى ومعوقين.
ولا تزال جرائم فرنسا تطال حتى عظام الموتى، فهي تحتجز إلى يومنا هذا رفاة العشرات من الشهداء والجماجم الذين سرقتهم واحتجزتهم في ما يسمى “بمتحف الإنسان”، بل وإن جرائم فرنسا طالت حتى أجيال الاستقلال الذين لا يزالون يحملون الألقاب المشينة التي أطلقتها على آبائهم وأجدادهم لتفريق الأسر وتمزيق القبائل والعشائر.
وبناء عليه، تصبح المدة الكاملة للإجرام الفرنسي على هذه البلاد سواء بالفعل أو بالأثر، 195 سنة كاملة أي زهاء قرنين من الزمن، تشمل 132 سنة من الاستدمار، إضافة إلى 63 سنة من الاستقلال إلى يومنا هذا.إن تجريم الاستعمار الفرنسي رغم كونها خطوة جادة تؤرّخ لتحول استراتيجي في العلاقة مع فرنسا، تبقى بحاجة إلى آليات تنفيذية وإرادة سياسية وشعبية قوية لمتابعة فرنسا على جرائمها التي لن تسقط بالتقادم، ولا يزال الشعب الجزائري يعاني من ويلاتها إلى اليوم، وعليه لا ينبغي أن يكون موضوع تجريم الاستعمار الفرنسي محل مماحكات ومجادلات بين مختلف أطياف الشعب الجزائري، لأن هذا الإجراء لا يرتبط لا بالأشخاص ولا بالنظام السياسي، بل هو واجب مؤجل كان أداؤه حتما مقضيا على أجيال الاستقلال، وقد آن أوانه، فهو حلقة هامة من حلقات استكمال متطلبات الاستقلال، صيانةً لذاكرة الأمة وأمانة الشهداء في تحرير الإرادة والتاريخ والوجدان واللسان والهوية من براثن المحتل، ورد المظالم إلى أهلها، والاقتصاص من الظلمة المعتدين.
وبعد كل هذا، يتساءل كثيرون: ما هي فائدة تجريم الاستعمار الفرنسي ؟
والجواب هو أن: سن قانون “تجريم الاستعمار” في الجزائر تترتب عليه آثار قانونية معقدة تتجاوز الحدود الوطنية، وتضع الدولة الفرنسية أمام تحديات قضائية وسياسية وحقوقية كبيرة أهمها:
1- إبطال “التقادم” عن الجرائم:
فتصنيف الأفعال التي ارتكبتها فرنسا (مثل مجازر 8 ماي 1945، أو أحداث نهر السين، أو التعذيب خلال الثورة) كـ “جرائم ضد الإنسانية”. يجعلها من ناحية القانون الدولي، لا تسقط بالتقادم. هذا يعني أن فرنسا ستظل مسؤولة قانونياً عن هذه الجرائم مهما مر عليها الزمن، مما يفتح الباب أمام ملاحقات قضائية مستمرة.
2- فتح الباب للملاحقات القضائية الدولية:
بمجرد وجود نص قانوني وطني يُجرم هذه الأفعال، يمكن استخدامه كقاعدة لرفع دعاوى أمام المحاكم الدولية أو حتى أمام محاكم دول أخرى تعتمد مبدأ “الاختصاص القضائي العالمي”. هذا قد يعرض مسؤولين عسكريين أو سياسيين فرنسيين سابقين (أو ورثتهم في بعض الجوانب المدنية) للمساءلة.
3- الإلزام القانوني بالتعويضات المادية:
القانون سيحول المطالبة بالتعويض من “التماس سياسي” إلى “حق قانوني ملزم” والآثار ستشمل:
تعويض ضحايا التجارب النووية: إلزام فرنسا بتطهير المناطق الملوثة إشعاعياً في الصحراء الجزائرية وتعويض المتضررين صحياً.
تعويض ضحايا الألغام: دفع تكاليف إزالة ملايين الألغام التي زرعتها فرنسا على الحدود (خطي شال وموريس) وتعويض المعاقين بسببها.
الأملاك المنهوبة: توفير غطاء قانوني لاسترجاع الكنوز الثقافية، الأرشيف، والأموال التي نُقلت إلى فرنسا.
4- وضع فرنسا في حالة “التناقض القانوني”
فرنسا وقّعت على العديد من المعاهدات الدولية التي تدين جرائم الحرب والإبادة، ووجود قانون جزائري يوثق هذه الجرائم ويصنفها قانونياً يضع فرنسا في موقف محرج دولياً، حيث سيصبح رفضها للاعتراف بهذه الجرائم بمثابة انتهاك لروح الاتفاقيات الدولية التي تدعي حمايتها.
5- تقويض الحصانة القانونية لـ “الأقدام السوداء” والحركى:
القانون قد يؤثر على الوضع القانوني لبعض الفئات التي تطلب تعويضات من الجزائر (مثل المعمرين السابقين أو “الأقدام السوداء”). بتجريم الاستعمار، تصبح أي مطالبة من طرفهم بـ “حقوق مستلبة” في الجزائر غير ذات جدوى قانونية، بل قد يضعهم في موقف “المستفيد من جريمة استعمارية”.
6- الضغط لتعديل القوانين الفرنسية الداخلية:
سياسياً وقانونياً، سيجبر هذا القانون فرنسا على مراجعة قوانينها التي تمجد الاستعمار (مثل قانون 2005)الآثار القانونية هنا تتمثل في “المعاملة بالمثل”؛ فإذا كانت فرنسا تشرع لقوانين تحمي تاريخها الاستعماري، فإن الجزائر بقانونها تضع حائطاً قانونياً يمنع أي تعاون قضائي أو ثقافي قد يمس بالذاكرة الوطنية.
الأثر الأكبر للقانون ليس “السجن” المباشر للمسؤولين الفرنسيين (نظراً لرحيل أغلبهم)، بل هو إثبات المسؤولية المدنية والجنائية للدولة الفرنسية ككيان مستمر، مما يترتب عليه ديون تاريخية ومالية وأخلاقية لا تنتهي إلا بالاعتراف والتعويض الشامل.
وتعتبر ليبيا نموذجا في هذا المسعى، ففي 2008 دفعت بالحكومة الإيطالية تحت قيادة سيلفيو برلسكوني إلى تقديم اعتذار رسمي عن الأضرار التي لحقت بليبيا خلال فترة الاستعمار، والتزمت بدفع 5 مليارات دولار على شكل مشاريع استثمارية وبنى تحتية (طريق سريع يربط شرق ليبيا بغربها) كتعويض عن الحقبة الاستعمارية.
أما في كينيا ففي عام 2012، رفع مقاتلون قدامى من قبائل الماو ماو دعوى قضائية في لندن ضد الحكومة البريطانية بسبب التعذيب والانتهاكات التي تعرضوا لها في الخمسينيات، فأصدرت المحكمة العليا في لندن حكماً لصالحهم، واضطرت الحكومة البريطانية في 2013 إلى الإعراب عن “أسفها الشديد” ودفع تعويضات مالية بلغت حوالي 20 مليون جنيه إسترليني لـ 5228 ضحية، وتم بناء نصب تذكاري لهم في نيروبي بتمويل بريطاني.
أما في ناميبيا في عام 2021، وبعد سنوات من المفاوضات، اعترفت ألمانيا رسمياً بأن ما حدث لقبائل هيريرو وناما على يد القوات الألمانية في 1904 و1908 كان “إبادة جماعية”، وقدمت اعتذاراً رسمياً، وتعهدت بتقديم 1.1 مليار يورو كدعم مالي وتنموي لناميبيا على مدار 30 عاماً، رغم أن بعض الجماعات المحلية الناميبية لا تزال تطالب بتعويضات فردية مباشرة.
وعليه تأتي الخطوة الجزائرية لتفتح الباب أمام ملاحقات ومتابعات جنائية جماعية وفردية، ومجموعة من “الإبادات الجماعية الموثقة” التي اقترفتها فرنسا المُكابرة والمُفاخرة بأمجادها الاستعمارية؟
*** تحيا الجزائر المجد والخلود لشهدائنا الأبرار ***
*كاتب جزائري
