اليمن الحر الأخباري

ترامب عدو أمريكا الاول!

د.طارق ليساوي*
لم أجانب الصواب عندما كتبت ان إختطاف “مادورو” بداية لحقبة دولية جديدة ، فحتى حلفاء أمريكا أصابهم الذعر من هول الحادث ومن تصريحات ترامب اللاحقة ، فمواقف زعماء أوروبا حبلى بالمخاوف و سرد بعضها لنقرب الصورة من المواطن العربي، صحيح أن منطقتنا دفعت فاتورة التنافس الدولي و لعبة الشطرنج الدولية، لكن القادم أسوأ وأرى في الأفق دورة دم جديدة تقترب من أطراف العالم العربي و الإسلامي ، و خاصة مواقعه الإستراتيجية و ممراته الحيوية، فأجندة ترامب لا تحمل خيرا للعرب على إعتبار أنهم الحلقة الأضعف في النظام الدولي القائم و ضعفهم مرده بالأساس غياب الرؤية الإستراتيجية وعدم إدراك أن التكتل و الوحدة طوق النجاة..و لعل ما يحدث يعيد التأكيد على أهمية ما جرى في غزة و أكد على أن عملية طوفان الأقصى كانت استباقية في توقيتها وتصورها لطبيعة المتغيرات الإقليمية والدولية، وأعيد التأكيد على أن دعم المقاومة والصمود الفلسطيني مطلب إستراتيجي لجميع الدول العربية والإسلامية..
مخاوف فرنسية
ففي خطاب سنوي ألقاه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بقصر الإليزيه يوم الخميس 8 يناير 2026 أمام السفراء الفرنسيين، أعرب ماكرون عن أسفه لأن الولايات المتحدة “تتخلى تدريجيا” عن حلفاء لها و”تتجاهل القواعد الدولية”، ووصف تعامل واشنطن مع العلاقات الدبلوماسية بـ”عدوانية استعمارية جديدة”.
كما وجه الرئيس الفرنسي انتقاداته، إلى ما وصفه بـ”العدوانية التجارية المتزايدة غير المقيدة” للصين، وروسيا باعتبارها “قوة مزعزعة للاستقرار”، لكن تصريحاته الخاصة بالولايات المتحدة كانت أشد وأكثر وضوحا، وهو الأمر الذي أكده أيضا وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو ، الذي صرح في ذات اللقاء، بأن أوروبا تواجه تهديدات جدية، فالبرغم من تمتعها باستقرار مؤسساتي وثقل علمي واقتصادي وثقافي، إلا انها تواجه “تهديدات جدية تطال بنيتها السياسية”. وأكد أن الاتحاد الأوروبي يتعرض لضغوط خارجية من قوى تسعى إلى تقويض روابط التضامن بين دوله، إلى جانب تحديات داخلية مرتبطة بتراجع الثقة في الديمقراطية وإرهاق مؤسساتها، وقال الوزير الفرنسي “لا، لن تختفي الحضارة الأوروبية. لكن نعم، نظامنا السياسي في خطر اليوم، على الرغم من استقراره الثمين في عالم لا يمكن التنبؤ به، وعلى الرغم من ثروته الهائلة في المجالات العلمية والتكنولوجية والثقافية والمالية”، في إشارة إلى وثيقة “استراتيجية الأمن القومي” الأمريكية الأخيرة التي حذرت من “محو الحضارة الأوروبية”.
هجوم غير مسبوق
وفي برلين، عبر الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير عن مخاوف مشابهة، ففي كلمة ألقاها خلال ندوة مساء الأربعاء 07-01-2026 ،مؤكدا على أن العالم يواجه خطر التحول إلى ساحة تتقاسمها قوى كبرى دون ضوابط، في ظل تراجع الالتزام بالمبادئ التي قام عليها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية..وأضاف أن الديمقراطية العالمية تتعرض لهجوم غير مسبوق، معتبرا أن السلوك الأمريكي في السنوات الأخيرة يمثل “صدعا تاريخيا جديدا” في النظام الدولي، يُضاف إلى أزمات كبرى شهدها العالم، من ضم روسيا لشبه جزيرة القرم إلى الحرب في أوكرانيا.
وقال شتاينماير: “ثم هناك انهيار للقيم من شريكنا الأهم، الولايات المتحدة، التي ساعدت في بناء هذا النظام العالمي”. موجها انتقادات حادة للسياسة الخارجية الأميركية، ومحذراً من انزلاق النظام العالمي نحو منطق تحكمه القوة والمصالح الضيقة على حساب القيم والقواعد الدولية.”
إن ما يحدث مقدمة لحرب كونية، وبالرجوع إلى دراسة الأسباب المباشرة وغير المباشرة لاندلاع الحروب التي عرفها العالم طيلة القرنين ١٩ و ٢٠، ندرك أن البواعث الاقتصادية والتجارية لعبت دورا محوريا في نشوب أغلبها، وممارسات ترامب العدوانية، تعد مقدمة لمرحلة قادمة حبلى بالأزمات ذات الطبيعة التجارية والاقتصادية..
أثار عكسية
فدعوة “ترامب” لنهج سياسة حمائية، و رفع شعار “أمريكا أولا ” و الحرص على تغليب مصالح أمريكا الضيقة، و تغليب منطق العضلات العسكرية والإقتصادية فضلا على الميل بإتجاه انغلاق الاقتصاد الأمريكي، والحد من تدفقات الاستثمارات ورؤوس الأموال الأمريكية إلى الخارج، وتقييد حركة الدخول والخروج للأسواق، يعرف في الأدبيات الاقتصادية بالسياسات الحمائية في مقابل سياسات الانفتاح والتبادل الحر. والتي شكلت العصا السحرية لتحقيق التنمية والرخاء، تبعا للتصور الأمريكي، لكن يبدو أن سياسات ترامب سوف تأتي بأثار عكسية ، بل أرى أن بلداننا العربية يمكن ان تستفيد من هذه التحولات البنيوية لكن شريطة وجود قيادة إستراتيجية قادرة على فهم المتغيرات الدولية واستغلال ما تحمله من مكاسب إستراتيجية ..
التجارة الحرة
فأمريكا منذ انهيار الاتحاد السوفياتي و سقوط حائط برلين، و تزعمها للنظام العالمي الجديد و إرساء نظام القطبية الأحادية، عملت على إزاحة كل القيود والحواجز في وجه حركة رؤوس الأموال و السلع على مستوى العالم، و توجت هيمنتها على النظام العالمي بصياغة رؤية تنموية مفادها أن التجارة الحرة والانفتاح هو بوابة التنمية، و عملت على بلورة هذه السياسة العالمية عبر آليتين : الأولي : منظمة التجارة العالمية و البنك الدولي و صندوق النقد الدولي .و الثانية : اتفاقيات التبادل الحر التي وقعتها مع العديد من بلدان العالم و أبرز مثال لها اتفاقية ” النافتا” مع كندا والمكسيك و اتفاقيات التبادل الحر مع المغرب والأردن ومصر …
أمركة الاقتصاد العالمي
هذه الآليات المرنة عملت بالتوازي مع القوة الصلبة الأمريكية، على “أمركة” الاقتصاد العالمي وجعل هذا الأخير في خدمة المشروع الامبريالي الأمريكي أو ما عرف ب” مشروع القرن الأمريكي”.غير أن توجه الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” يعد اعتراف تاريخي بنهاية عصر الهيمنة الأمريكية -الاقتصادية والعسكرية والثقافية – على العالم، صحيح أن أمريكا تملك قوة عسكرية ونووية ضاربة، ويمكنها خطف رئيس دولة من قلب بيته ، لكن ذلك لا يمنحها السيطرة والنفوذ و الهيمنة على المدى المتوسط عكس ما تحقق لها بعد الحرب العالمية الثانية وبأدوات ناعمة..
صعود أسيا
إن تحرير الاقتصاد العالمي ورفع القيود على حركة رؤوس الأموال و السلع، مكن العديد من البلدان النامية من تحقيق معدلات نمو اقتصادي جد مرتفعة، و نقل التكنولوجيات المتطورة لاسيما بلدان شرق آسيا التي أصبحت اليوم عصب الاقتصاد العالمي…فصعود اقتصاديات الصين و الهند وغيرها ، يشكل أهم تحدي للاقتصاد الأمريكي الذي فقد العديد من المزايا النسبية ، خاصة في جانب الاقتصاد الرمزي / المعرفي. فالصين وهي المنافس الأكثر شراسة لأمريكا في الوقت الراهن، لم تعد طموحاتها محصورة في الاستثمارات الكثيفة اليد العاملة، و إنما ارتقت في السلم الصناعي و التكنولوجي لتركز على الاستثمارات الكثيفة رأس المال والمتقدمة تكنولوجيا…
التحدي الصيني
فالتحدي الذي يواجه أمريكا هو الحد من صعود القوة الصينية خاصة وباقي الاقتصاديات الناشئة عامة، ولا ينبغي اعتبار أن التركيز على الصين هو إهمال لباقي الاقتصاديات الناشئة أو المتقدمة ، لكن الصين بحكم الحجم الديموغرافي والقوة العسكرية المتنامية والسيولة النقدية الناجمة عن النمو السريع تشكل أهم تحدي للإدارة الأمريكية في القادم من الأعوام ، لاسيما وأن الصين في قلب منطقة حبلى بالموارد المالية والبشرية ..وسياسات ترامب العدوانية تسرع صعود الصين ، وإن كنت أرى أن تردد الصين في حماية حلفائها يفقدها المصداقية، فقد رأينا موقفها الباهت والضعيف من إختطاف “مادورو” وقبل ذلك موقفها المتردد من الهجوم الأمريكي على إيران ..
لكن الموقف الصيني يتسم بقدر كبير من البرغماتية وتغليب المصلحة الصينية بدرجة أساسية، فاللاعبون الجدد بلدان شرق أسيا على قدر كبير من الرزانة السياسية، فهذه البلدان تصنع مجدها وقوتها في صمت و بعيدا عن الضوضاء. فالاقتصاديات القوية توجهها حكومات قوية تستند إلى الكفاءة والتخطيط البعيد المدى، فالمضايقات التي تتعرض لها الصين قد تعرضت لها اليابان في ثمانينات القرن الماضي وبنفس الأسلوب، ولم تستطع هذه المضايقات وقف القوة الاقتصادية اليابانية، ونفس الأمر ينطبق على الصين وباقي الاقتصاديات الناشئة. فالتطور والتقدم الاقتصادي في بيئة تعتمد اقتصاد السوق لا يمكن أن يتم في ظل نظم حكم فاسدة وغير فعالة وفي ظل مجتمعات مفككة وغير منسجمة…
ثروات العرب
من هذا المنطلق يمكن الجزم بأن تهديدات الإدارة الأمريكية الحالية لن تنجح في استنزاف موارد وقدرات إلا البلدان الهشة -و للأسف العالم العربي من ضمنها- ، أما البلدان القوية فهي تمتلك من أوراق الضغط و المناورة ما يمكنها من كبح جماح القوة الأمريكية ومحاصرتها اقتصاديا وتجاريا، عبر نفس الآليات التي اعتمدتها أمريكا في السابق لتحقيق مشروعها الإمبراطوري..
الخاسر الأكبر
فالعالم سيشهد دون شك حروب اقتصادية عنيفة على شاكلة ما حدث بعد الحرب العالمية الأولى، لكن خلال هذه الحقبة ستكون بؤرة القصف الصين وجيرانها…والخاسر الأكبر العالم العربي الذي لازال يعيش عصر الفوضى و التخلف والاستبداد الداخلي و التدخل الأجنبي، فمنظومته السياسية و الإستراتيجية غير مؤهلة لقراءة المتغيرات الدولية و التعامل ببرغماتية وطنية مع الفرص التي يتيحها التنافس الناشئ بين القوى الكبرى ..
دفع الجزية
و في الختام، أوجه رسالة للنظم السياسية العربية التي إستبشرت بعودة ترامب الثانية، مشهد إختطاف مادورو وزوجته رساله مشفرة المقصود بها أنتم بالدرجة الأولى، أما الشعوب فهي تدرك نقاط قوتها و ضعفها ،و لا ترهبها إستعراضات القوة ، فأمريكا وإسرائيل حاربت غزة لنحو سنتين وإستخدمت كل أنواع الأسلحة التي تجاوت في خطورتها وتدميرها الأسلحة النووية التي استعملت في اليابان إبان الحرب العالمية الثانية ، كما جندت كل ما تملك من خبرات، ومع ذلك عجزت عن الإمساك بالسنوار وغيره من قادة المقاومة وكلهم إستشهدوا في غزة، و بيت القصيد ، أن الشعوب تحمي من يدافع عن حقوقها ، حصنوا أوطانكم بالمصالحة الداخلية وتقريب الأكفاء والوطنيين ، وإلا الإستعداد لمشهد الخطف و دفع الجزية و التنازل على الثروات و الممرات الإستراتيجية، فشراهة ترامب وطموحاته السياسية و الاقتصادية ستفلس خزائنكم، لكن للأسف الجزية ستدفع من ثروات الشعوب و الأوطان و من جيوب عامة الناس.. على الشعوب و قواها الحية أن تدرك طبيعة المخاطر المستقبلية و على رأس هذه المخاطر غياب نظم “حكم صالح” ، حامل لمشروع نهضوي -وطني و قومي- خادم و حامي لمصالح الشعوب ومدافع عن مستقبلها وثرواتها..
ونصيحة لحكامنا العرب إفتحوا قنوات إتصال مع المقاومة وطبعوا علاقاتكم معها قبل فوات الأوان ، فقد تكون طوق نجاة لكم شخصيا، على الأقل يساعدونكم في تعزيز أمنكم الشخصي، فمهما إختلفنا مع سياساتكم، إلا أننا لا نريد رؤيتكم مختطفين في سجون أمريكا ..
إقتصاد في سياسة
للمزيد من التفاصيل تابعوا الحلقات السابقة واللاحقة من برنامجكم “إقتصاد في سياسة”، قريبا سنعمل على إستئناف الموسم الثاني، وسنحرص في البداية على تصوير حلقة كل أسبوع نظرا لإلتزاماتي الأكاديمية و المهنية، وسيتم بث الحلقة يوم الإثنين أو الخميس لم نحسم بعد يوم البث، اما الساعة فستظل 20.00 مساءا بتوقيت المغرب والساعة 19.00 بتوقيت غرينتش و22.00 مساءا بتوقيت القدس الشريف، على منصة اليوتيوب youtube.com/@TarikLissaoui ، ومن الجيد متابعة منصاتنا على وسائط التواصل الاجتماعي المختلفة بغرض تعميق النقاش.. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون..
*كاتب وأكاديمي مغربي

Exit mobile version