د. ميساء المصري*
ما جرى الإعلان عنه عبر وزارة الخزانة الأمريكية ليس مجرد تحديث إداري في لوائح العقوبات ولا تفصيلا قانونيا عابرا في سياق الحرب المفتوحة على ما تسميه واشنطن شبكات التطرف، بل هو انتقال محسوب من مرحلة الضغط الرمزي إلى مرحلة البرمجة الصلبة للمشهد السياسي في الإقليم، وبالأخص في الدول التي ما تزال تحتفظ بهوامش رمادية في علاقتها مع حركات الإسلام السياسي ذات الامتداد الشعبي. الجديد الخطير هنا لا يكمن فقط في استهداف جماعة الإخوان المسلمين، فهذا مسار قديم ومجرب، وإنما في فكرة تصنيف الفروع أيضا بوصفها كيانات إرهابية مستقلة، بما يعنيه ذلك من تفكيك متعمد لأي محاولة للفصل بين السياسي والاجتماعي والدعوي، أو بين المحلي والإقليمي، أو حتى بين المعلن والمسكوت عنه.
الخزانة الأمريكية، مدعومة بتصريحات وزير الخارجية ماركو روبيو، لم تتحدث بلغة العموميات هذه المرة، بل أرسلت إشارات واضحة إلى مصر ولبنان والأردن باعتبارها ساحات اختبار لنموذج جديد من المواجهة، نموذج لا يعتمد على الحظر الكلي ولا على الإدانات الخطابية، بل على تجفيف المنابع المالية، ومحاصرة البنية الاجتماعية، وتجريم أي تداخل بين العمل الأهلي والعمل السياسي حين يكون متصلا، ولو رمزيا، بالمقاومة الفلسطينية.
في هذا السياق، يصبح الحديث عن الإخوان مجرد عنوان واسع، بينما الهدف الفعلي هو الحاضنة التي ما تزال ترى في المقاومة، تعبيرا مشروعا عن الصراع مع الاحتلال.الأردن وجد نفسه فجأة في قلب العاصفة. فحزب جبهة العمل الإسلامي، وهو الحزب الأكبر والأكثر تنظيما وشعبية في البلاد، بات موضوعا للنقاش لا بسبب فعل داخلي مباشر، بل بسبب قرار أمريكي خارجي يعيد تعريف المشهد. حالة الانتظار التي تسود عمان ليست ترددا سياسيا بقدر ما هي محاولة لشراء الوقت، لأن الذهاب إلى حل الحزب أو تغيير اسمه أو تعديل نظامه الأساسي ليس قرارا تقنيا، بل زلزال سياسي واجتماعي في بلد يعرف حساسية التوازنات. المفارقة أن الإجراء الأمريكي لا يضيف كثيرا على الواقع القانوني الأردني، فالجماعة محظورة فعليامنذ بداية عام 2025، لكن الجديد هو وضع الحزب السياسي نفسه تحت مجهر التصنيف المالي الإرهابي، بما يفتح الباب أمام ضغوط غير مسبوقة على الدولة.
في لبنان، كانت الرسالة أكثر قسوة وأوضح دلالة. الفرع اللبناني من الإخوان، ممثلا بالجماعة الإسلامية، حظي بأقصى درجات التصنيف، والسبب المعلن هو احتضان الجناح العسكري لكتائب القسام خلال الاشتباك الأخير مع إسرائيل. هنا تتقاطع السياسة بالأمن، ويتحول التضامن مع المقاومة إلى تهمة عابرة للحدود. واشنطن تدرك تماما أن لبنان يعيش قطيعة سياسية ودبلوماسية مع حكومة نتنياهو، لكنها في الوقت نفسه تريد فرض معادلة جديدة، من يقف في المساحة الرمادية بين المقاومة والإرهاب سيدفع الثمن ماليا أولا، ثم سياسيا لاحقا.
أما في مصر، فالصورة تبدو للوهلة الأولى أكثر هدوءا. لا مستجدات كبرى على السطح، لأن القاهرة سبقت الجميع إلى الحظر والتجريم والملاحقة. لكن الهدوء هنا خادع، فالتصنيف الأمريكي يركز على التعامل المالي، أي على ملاحقة الشبكات العابرة للحدود، والتحويلات، والأنشطة الاقتصادية التي قد تكون خارج السيطرة المباشرة للدولة. بهذا المعنى، يصبح القرار الأمريكي أداة مساعدة للنظام المصري أكثر منه عبئا عليه، لكنه في الوقت نفسه يربط القاهرة أكثر فأكثر بالأجندة الأمريكية الإسرائيلية في تعريف الإرهاب وحدوده.
الأخطر في قرار الخزانة، كما تشير أوساط قانونية أمريكية، أنه تجاوز مرحلة النية التي جسدها الأمر التنفيذي الموقع من دونالد ترامب، وانتقل إلى مرحلة التنفيذ المباشر. هذا يعني أن الدول المعنية لم تعد تتعامل مع احتمال أو سيناريو، بل مع واقع قانوني نافذ يفرض حظرا وحجزا ومصادرات، ويجرم أي تعامل مع كيانات قد تصنف لاحقا باعتبارها فروعاً للإخوان. بهذا المعنى الفضفاض، نحن أمام عملية توسيع تدريجي للتصنيف، تبدأ بفروع محددة، لكنها تبقى مفتوحة على مزيد من التمدد.
كل ذلك يجري على إيقاع مصلحة بنيامين نتنياهو، وضمن سيناريو إسرائيلي واضح يسعى إلى خنق أي بيئة عربية أو إسلامية يمكن أن توفر سندا سياسيا أو شعبيا للمقاومة الفلسطينية. الخزانة الأمريكية هنا لا تعمل كوزارة مالية بالمعنى التقليدي، بل كغرفة عمليات سياسية وأمنية تعيد رسم الخرائط الناعمة للمنطقة، مستخدمة سلاح المال بدل الدبابة، والقانون بدل الصاروخ.
في المحصلة، نحن أمام لحظة مفصلية تعيد تعريف معنى الإرهاب، لا بوصفه فعلا عنيفا فقط، بل كهوية سياسية واجتماعية واقتصادية يمكن إلصاقها بفروع وتنظيمات وأحزاب وفق مقتضيات اللحظة. الأردن في الانتظار، لبنان تحت العقاب، مصر خارج دائرة المفاجأة، لكن الجميع داخل معادلة واحدة عنوانها أن واشنطن قررت هذه المرة أن لا تكتفي بالعناوين الكبرى، بل أن تنزل إلى مستوى الفروع، حيث تكون الضربة أوجع، والرسالة أعمق، والتداعيات أبعد مدى……
*كاتبة أردنية
تصنيفات الإرهاب المالية!
